أخبارصحة الكوكب

الدماغ والأمعاء في حوار كيميائي معقد.. دراسة ترصد صلات بين الميكروبات والمزاج والنوم

ميكروبات الأمعاء تتصل بكيمياء الدماغ.. روابط مفاجئة بالقلق والاكتئاب واضطرابات النوم

يحتوي جسم الإنسان على مجتمع هائل من الميكروبات التي تعيش في الأمعاء، وتساعد في تكسير الطعام، كما يمكنها إنتاج مواد كيميائية تؤثر في وظائف الجسم.

 

ولطالما اشتبه الباحثون في وجود صلة بين نشاط هذه الميكروبات والدماغ، إلا أن جزءًا كبيرًا من الأدلة السابقة جاء من الدراسات التي أُجريت على الحيوانات.

 

وفي تحليل جديد، ربط الباحثون بين القدرات الجينية لميكروبات الأمعاء وبعض الرسل الكيميائية المهمة في مناطق مختلفة من الدماغ البشري.

 

ولا تثبت النتائج أن بكتيريا الأمعاء تغير كيمياء الدماغ، لكنها تقدم أدلة أوضح حول الكيفية المحتملة لوجود اتصال بين الأمعاء والدماغ.

 

مادتان كيميائيتان مهمتان في الدماغ

حمض غاما أمينوبيوتيريك

ركز فريق البحث على حمض غاما أمينوبيوتيريك «GABA» والغلوتامات، وهما مادتان كيميائيتان تساعدان خلايا الدماغ على إرسال الإشارات.

 

ونُشرت الدراسة في دورية «Molecular Psychiatry»، وعادةً ما يعمل GABA على تقليل نشاط الخلايا العصبية، بينما يعمل الغلوتامات على زيادته.

 

ويُعرف التوازن بين هذين النظامين باسم «توازن الاستثارة والتثبيط العصبي»، وقد يكون له دور في عمليات التفكير والمشاعر والصحة النفسية والمرونة العصبية، أي قدرة الدماغ على تغيير الروابط بين خلاياه.

 

وتنتمي المؤلفة الرئيسية للدراسة، الدكتورة نيكولا جونستون، إلى جامعة روهامبتون، بينما تنتمي المؤلفة الرئيسية المشاركة، البروفيسورة كاثرين كوهين كادوش، إلى جامعة ساري.

 

وقالت البروفيسورة كوهين كادوش: «لسنوات، جاء جزء كبير مما نعرفه عن الميكروبيوم وكيمياء الدماغ من الدراسات التي أُجريت على الحيوانات».

 

وأضافت أن أهمية الدراسة الجديدة تكمن في إمكانية دراسة ميكروبيوم الأمعاء وكيمياء الدماغ لدى الأشخاص أنفسهم وهم على قيد الحياة، ورصد العلاقة بين القدرة المحتملة للميكروبيوم على التأثير في الجهاز العصبي والتوازن الكيميائي في مناطق محددة من الدماغ.

 

وأوضحت أن مناطق مختلفة من الدماغ ارتبطت بالأمعاء بطرق مختلفة، وهو ما يشير إلى أن التواصل بين الأمعاء والدماغ قد يحدث عبر عدة مسارات وليس عبر مسار واحد فقط.

 

جينات ميكروبات الأمعاء تلتقي بفحوص الدماغ

ميكروبات الأمعاء
ميكروبات الأمعاء

استخدم التحليل الجديد معلومات جُمعت قبل بدء العلاج في تجربة سابقة.

 

وضمت المجموعة الأصلية 83 شابة يتمتعن بصحة جيدة، تراوحت أعمارهن بين 17 و25 عامًا، فيما أمكن تحليل العينات البرازية لـ61 مشاركة بنجاح للكشف عن الجينات الميكروبية.

 

واستخدم الباحثون تقنية «مطيافية الرنين المغناطيسي البروتوني»، وهي نوع من فحوص الدماغ التي تتيح تقدير مستويات بعض المواد الكيميائية داخل أنسجة الدماغ.

 

وقاس الباحثون مستويات GABA والغلوتامات في ثلاث مناطق من الدماغ ترتبط بمعالجة المعلومات البصرية والانتباه والمشاعر والتحكم في الأفكار والأفعال.

 

كما جرى تحليل عينات البراز من خلال قراءة الحمض النووي للميكروبات، وهو ما أظهر العمليات التي تمتلك الميكروبات الجينات اللازمة لتنفيذها، وليس المواد الكيميائية التي كانت تنتجها بالفعل.

 

اختلاف الروابط من منطقة دماغية إلى أخرى

 

أظهرت النتائج أن العلاقة بين الأمعاء والدماغ اختلفت باختلاف المنطقة الدماغية التي جرى تحليلها.

 

ففي إحدى المناطق المرتبطة بالرؤية، ظهرت روابط بين عدد من المسارات الميكروبية والمواد الكيميائية الموجودة في الدماغ، ومن بينها GABA والغلوتامات.

 

وفي منطقة دماغية أخرى، ظهرت روابط مع الغلوتامات والبروبيونات، وهي مادة تنتجها ميكروبات الأمعاء.

 

أما المنطقة الثالثة، فأظهرت ارتباطًا أكثر تحديدًا بعملية ميكروبية في الأمعاء مرتبطة بإنتاج GABA.

 

وقالت الدكتورة نيكولا جونستون إن ما يجعل الدراسة مثيرًا للاهتمام بصورة خاصة هو قدرة الباحثين على الربط بين عدة مستويات في المشاركات أنفسهن، تشمل الجينات الميكروبية في الأمعاء، وكيمياء الدماغ، والقياسات النفسية.

 

وأكدت البروفيسورة كاثرين كوهين كادوش أن الدراسة لا تثبت أن أنواعًا محددة من بكتيريا الأمعاء تسبب القلق أو تغير المواد الكيميائية في الدماغ.

 

وبدلًا من ذلك، تقدم الدراسة مؤشرات تساعد الباحثين على فهم الكيفية التي يمكن أن تتواصل بها ميكروبات الأمعاء مع مناطق مختلفة من الدماغ.

 

صلات بالقلق والاكتئاب والنوم

 

بحث الفريق أيضًا فيما إذا كان نشاط ميكروبات الأمعاء مرتبطًا بالقلق والاكتئاب والنوم.

 

وارتبط أحد المسارات الميكروبية المسؤولة عن تكسير GABA بزيادة الميل إلى الشعور بالقلق والقلق الاجتماعي.

 

كما ارتبطت مسارات ميكروبية أخرى تتضمن التربتوفان بأعراض الاكتئاب والقلق الاجتماعي. والتربتوفان حمض أميني يساعد الجسم على إنتاج البروتينات.

 

وارتبط أحد المسارات المسؤولة عن إنتاج البروبيونات بجودة نوم أقل.

 

ومع ذلك، لا تثبت هذه النتائج أن ميكروبات الأمعاء تسببت في القلق أو الاكتئاب أو مشكلات النوم أو التغيرات في كيمياء الدماغ، وإنما تظهر فقط وجود ارتباط بين هذه العوامل لدى المجموعة التي شملتها الدراسة.

 

التواصل بين الأمعاء والدماغ قد يكون غير مباشر

 

لا تدعم النتائج فكرة مبسطة مفادها أن مادة كيميائية عصبية تنتجها بكتيريا الأمعاء تنتقل مباشرة إلى الدماغ.

 

وبدلًا من ذلك، قد يحدث التواصل عبر عدة مسارات غير مباشرة، تشمل العصب الحائر، والإشارات المناعية، وبطانة الأمعاء، وغيرها من المواد الكيميائية التي تنتجها الميكروبات داخل الأمعاء.

 

وقالت البروفيسورة كوهين كادوش إن الباحثين لا يعتقدون أن التفسير يكمن ببساطة في إنتاج البكتيريا الموجودة في الأمعاء لناقل عصبي ينتقل بعد ذلك مباشرة إلى الدماغ، مشيرة إلى أن الآلية البيولوجية على الأرجح أكثر تعقيدًا.

 

وأوضحت أن ميكروبات الأمعاء قد تؤثر في الدماغ بصورة غير مباشرة من خلال عدة مسارات، من بينها العصب الحائر، والإشارات المناعية، والحاجز المعوي، وغيرها من نواتج الأيض التي تنتجها الميكروبات داخل الأمعاء.

 

وأضافت أن النتائج تساعد في تضييق نطاق المسارات الميكروبية التي ينبغي اختبارها تجريبيًا خلال الدراسات المقبلة.

 

وأشارت إلى أن الخطوة التالية تتمثل في معرفة ما إذا كان تغيير هذه المسارات داخل الأمعاء يمكن أن يؤدي أيضًا إلى تغيير كيمياء الدماغ.

 

ومن المتوقع أن تكون هناك حاجة إلى دراسات أكبر وأكثر امتدادًا زمنيًا، إلا أن الباحثين أصبح لديهم الآن أهداف محددة يمكن التركيز عليها في الأبحاث المستقبلية.

 

قيود الدراسة

 

تناولت الدراسة ميكروبات الأمعاء والمواد الكيميائية في الدماغ والصحة النفسية في نقطة زمنية واحدة، وهو ما يعني أنها لا تستطيع تحديد أي من هذه العوامل ظهر أولًا، أو ما إذا كان أحدها تسبب في الآخر.

 

كما شملت الدراسة مجموعة صغيرة نسبيًا من الشابات اللاتي يتمتعن بصحة جيدة، وبالتالي قد لا تنطبق النتائج بالضرورة على الرجال أو كبار السن أو الأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية.

 

وكانت بعض الروابط التي رصدها الباحثون ضعيفة، ولم تظل واضحة عند إخضاعها لاختبارات إحصائية أكثر صرامة.

 

إضافة إلى ذلك، درس الباحثون ما تمتلكه ميكروبات الأمعاء من جينات وقدرات محتملة، وليس المواد الكيميائية التي كانت تنتجها فعليًا.

 

كما قاست فحوص الدماغ المستويات الإجمالية للمواد الكيميائية، ولم تقِس بصورة مباشرة عملية التواصل بين خلايا دماغية فردية.

 

ولم تتحكم الدراسة بصورة مباشرة في بعض العوامل قصيرة المدى، مثل التغيرات في النظام الغذائي، وتوقيت جمع عينات البراز وإجراء فحوص الدماغ، ومرحلة الدورة الشهرية، وهي عوامل ربما أثرت في النتائج.

 

الحاجة إلى مزيد من الأدلة

 

يحتاج الباحثون إلى إجراء دراسات أكبر تتابع المشاركين على مدى فترات زمنية أطول لتحديد اتجاه العلاقات التي رصدتها الدراسة.

 

كما ستكون هناك حاجة إلى تجارب تعمل على تغيير مسارات ميكروبية محددة، لاختبار ما إذا كانت هذه التغيرات يمكن أن تؤثر بالفعل في كيمياء الدماغ أو النتائج النفسية.

 

وفي الوقت الحالي، تقدم النتائج دليلًا لدى البشر على ارتباط القدرة الجينية لميكروبات الأمعاء بالاختلافات في كيمياء مناطق محددة من الدماغ.

 

وتشير النتائج إلى مسارات محتملة للتواصل بين الأمعاء والدماغ، لكنها لا تثبت أن تغيير الميكروبيوم سيؤدي إلى تغيير الدماغ.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة