المشي أكثر اليوم قد يعني صحة نفسية أفضل للأطفال بعد عام.. دراسة تكشف مفاجأة
حتى 12 ألف خطوة يوميًا.. دراسة تكشف علاقة لافتة بين المشي وصحة الأطفال النفسية
وتتبعت الدراسة بيانات 5,515 طفلًا من الولايات المتحدة، تتراوح أعمارهم حول 11 و12 عامًا، باستخدام أجهزة Fitbit لقياس عدد خطواتهم الفعلية لمدة ثلاثة أسابيع، ثم قارن الباحثون ذلك بحالتهم النفسية بعد عام.
وتشير النتائج إلى أن زيادة الحركة اليومية ارتبطت بانخفاض مشكلات الصحة النفسية، بما في ذلك القلق وانخفاض المزاج ومشكلات السلوك والانتباه.

لا يوجد سقف واضح للفائدة عند 8 آلاف خطوة
تختلف هذه النتيجة عن بعض الدراسات السابقة التي أشارت إلى أن الفوائد الصحية الجسدية للمشي قد تبدأ في الاستقرار عند نحو 8 آلاف خطوة يوميًا.
لكن في هذه الدراسة، لم يظهر نمط مماثل فيما يتعلق بالصحة النفسية لدى الأطفال.
وقسّم الباحثون المشاركين إلى خمس مجموعات وفق عدد الخطوات اليومية، بدءًا من أقل من 5 آلاف خطوة وصولًا إلى 12 ألف خطوة أو أكثر.
وأظهرت جميع المجموعات التي تجاوزت 5 آلاف خطوة يوميًا مستويات أقل من مشكلات الصحة النفسية مقارنة بالأطفال الذين سجلوا أقل من 5 آلاف خطوة.
كما أن الأطفال الأكثر نشاطًا أبلغوا عن مشكلات نفسية أقل من مجموعات النشاط المتوسط، التي تراوح نشاطها بين 5 آلاف وأقل من 10 آلاف خطوة يوميًا.
وعندما استخدم الباحثون نماذج إحصائية للبحث عن نقطة يبدأ عندها تأثير الخطوات في التراجع أو الاستقرار، لم يجدوا أن إضافة منحنى يحاكي هذا التراجع حسّنت تفسير البيانات.
وكان متوسط عدد الخطوات بين الأطفال المشاركين نحو 9,600 خطوة يوميًا.

جهاز على المعصم بدلًا من الذاكرة
اعتمد الباحثون على بيانات من دراسة تطور الدماغ والصحة لدى المراهقين (ABCD)، وهي واحدة من أكبر الدراسات طويلة المدى التي تتابع نمو الدماغ وصحة الأطفال في الولايات المتحدة.
وتضم الدراسة الأصلية قرابة 11,900 طفل في سن التاسعة والعاشرة، جرى تسجيلهم في 21 موقعًا أمريكيًا ومتابعتهم على مدى سنوات.
وفي عمر 11 أو 12 عامًا تقريبًا، ارتدى الأطفال جهاز Fitbit في معصمهم لمدة ثلاثة أسابيع، ما أتاح للباحثين قياس الحركة اليومية بدلًا من الاعتماد فقط على استبيانات يسجل فيها الأطفال بأنفسهم مقدار نشاطهم.
وبعد عام، أجاب الأطفال عن قائمة مكونة من 19 سؤالًا لتقييم جوانب مختلفة من صحتهم النفسية، شملت القلق والمزاج والسلوك والقدرة على الانتباه.
كما أخذ الباحثون في الاعتبار عوامل يمكن أن تؤثر في النتائج، بينها دخل الأسرة، ومستوى تعليم الوالدين، والحرمان في المنطقة السكنية، ومساحة المساحات الخضراء المحيطة بالمنزل، ووزن الطفل مقارنة بطوله.
ماذا يحدث داخل الدماغ؟
لم تتوقف الدراسة عند عدّ الخطوات، إذ قارن الباحثون أيضًا مستويات النشاط البدني بنتائج فحوصات الدماغ.
ووجدوا أن الأطفال الذين سجلوا عددًا أكبر من الخطوات كانت لديهم قشرة دماغية أكثر سماكة قليلًا في منطقتين محددتين.
وترتبط إحدى هاتين المنطقتين بالتحكم في الساقين ومعالجة الإحساس القادم من الجسم، بينما ترتبط الأخرى بالتعامل مع المعلومات المتعارضة.
وكانت المنطقة المرتبطة بالتحكم في الساقين هي الأكثر ارتباطًا بالعلاقة بين عدد الخطوات والصحة النفسية، إذ ارتبطت زيادة الحركة بسماكة أكبر قليلًا في هذه المنطقة، والتي ارتبطت بدورها بانخفاض المشكلات النفسية بعد عام.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج أولية، ولا تعني أن المشي ثبت أنه يغير بنية الدماغ أو يعالج مشكلات الصحة النفسية.
ومن بين التفسيرات المحتملة أن زيادة سمك المنطقة الدماغية قد تعكس تباطؤًا في عملية ترقق القشرة التي تحدث طبيعيًا خلال سنوات المراهقة، إلا أن إثبات ذلك يحتاج إلى فحوصات متكررة على مدى عدة سنوات.

المشي لم يرفع الدرجات الدراسية
لم تجد الدراسة علاقة واضحة بين عدد الخطوات اليومية والدرجات الدراسية عبر مستويات النشاط المختلفة.
ويرى الباحثون أن الأداء الدراسي يعتمد على عوامل كثيرة تتجاوز النشاط البدني، كما أن نوع النشاط البدني قد يكون مهمًا؛ فالمشي اليومي يختلف عن التمارين الأكثر شدة أو الرياضات المنظمة.
كذلك، لا يمكن اعتبار الدرجات مقياسًا مباشرًا للصحة النفسية، لأنها تتأثر بالمناهج وطرق التدريس والاختبارات والبيئة الأسرية والمدرسية.
الدراسة لا تثبت أن المشي هو السبب
ورغم قوة العينة واستخدام أجهزة لقياس النشاط، فإن الدراسة لا تستطيع إثبات أن زيادة المشي تسببت في تحسن الصحة النفسية.
فالخطوات لم تُفرض على الأطفال كتدخل تجريبي، وإنما اختار كل طفل مستوى نشاطه بنفسه.
وهذا يترك احتمالًا قائمًا بأن الأطفال الذين يتمتعون بصحة نفسية أفضل كانوا أكثر ميلًا إلى الحركة والنشاط في الأساس.
كما أن الاختلافات التي ظهرت في الدماغ كانت صغيرة، فضلًا عن أن الباحثين اختاروا المناطق الدماغية التي جرى تحليلها باستخدام البيانات نفسها، وهو ما قد يؤدي إلى تضخيم بعض الارتباطات.
وتسجل الدراسة أيضًا قيودًا أخرى؛ إذ إن جهاز عدّ الخطوات يقيس المشي بصورة أساسية وقد لا يرصد بصورة كاملة الرياضات المنظمة أو اللعب النشط، كما لم تميز الدراسة بين النشاط داخل المنزل وخارجه.
إضافة إلى ذلك، اعتمد تقييم الصحة النفسية والدرجات على تقارير الأطفال والوالدين، وليس على تشخيصات سريرية أو سجلات مدرسية مستقلة.
81 %من المراهقين لا يتحركون بما يكفي
تأتي هذه النتائج في وقت تشير فيه تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 81% من المراهقين بين 11 و17 عامًا حول العالم لا يحققون مستويات النشاط البدني الموصى بها.
ولا تعني الدراسة أن جميع الأطفال بحاجة إلى الوصول إلى 10 آلاف أو 12 ألف خطوة يوميًا حتى تتحسن صحتهم النفسية، بل تشير إلى أن العلاقة ظهرت عبر نطاق واسع من مستويات النشاط، وأن الأطفال لم يحتاجوا إلى أن يكونوا رياضيين محترفين حتى يظهر ارتباط بين الحركة اليومية وصحة نفسية أفضل.
وتكمن الأهمية العملية للنتيجة في الأنشطة البسيطة التي يمكن دمجها في الحياة اليومية، مثل المشي إلى المدرسة، واللعب النشط، والحركة خلال اليوم، بدلًا من التعامل مع النشاط البدني باعتباره تمرينًا رياضيًا منفصلًا يحتاج إلى وقت أو تجهيزات خاصة.
لكن السؤال الأهم لا يزال بلا إجابة: هل زيادة خطوات طفل قليل النشاط فعلًا ستؤدي إلى تحسن صحته النفسية بعد عام؟
الإجابة تحتاج إلى تجارب ودراسات أطول تتابع الأطفال لسنوات، وتكرر فحوصات الدماغ، والأهم أن تختبر بصورة مباشرة ما إذا كانت زيادة عدد الخطوات هي التي تُحدث التغيير.
ونُشرت الدراسة في دورية JAMA Network Open، تحت عنوان يبحث العلاقة بين عدد الخطوات اليومية والصحة النفسية ونمو الدماغ لدى المراهقين.





