الحل الواحد لا يناسب الجميع.. الأشجار بطيئة النمو ومقاومة للإجهاد تحزن أكبر قدر من الكربون
لا تُقدم جميع الأشجار نفس الفوائد بعضها ينمو بسرعة والبعض الآخر ببطء بعضها يتحمل المناخات القاسية
أشجار القيقب والحور والبلوط الإنجليزي والبلوط الجالس والتنوب والبلوط الناعم والبلوط الأخضر.. غرس الشجرة المناسبة في المكان المناسب أكثر فعالية
في مواجهة تغير المناخ، أصبحت الغابات أكثر من مجرد مساحات خضراء. فهي تُنظّم درجات الحرارة، وتُنقّي الهواء والماء، وتحمي التربة، وتدعم التنوع البيولوجي.
كما تمتص الغابات ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي وتخزنه في الأشجار والتربة، مما يساعد على الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي.
المحيطات تفعل الشيء نفسه، لكن الغابات تُقدم حلاً برياً يُمكننا إدارته مباشرةً، وقد ترسخت فكرة زراعة المزيد من الأشجار عالميًا. لكن القصة لا تنتهي عند هذا الحد.
لا تُقدم جميع الأشجار نفس الفوائد، بعضها ينمو بسرعة، والبعض الآخر ببطء. بعضها يتحمل المناخات القاسية، بينما لا ينمو بعضها الآخر إلا في الظروف المثالية.
التحدي الذي يواجه مديري الغابات هو معرفة الأشجار التي
ستحتجز أكبر قدر من الكربون في مكان زراعتها، تكمن الإجابة في مطابقة سمات الأشجار مع الأرض التي تنمو فيها.

دراسة عالمية تسعى للحصول على إجابات
لاستكشاف هذه المشكلة، تعاون باحثون من المعهد الوطني الفرنسي للزراعة والهندسة ( INRAE) وشركة بوردو للعلوم الزراعية (Bordeaux Sciences Agro) مع شركاء عالميين.
وجمع المشروع المكتب الوطني الفرنسي للغابات ( ONF ) والمركز الوطني الفرنسي للملكية الخاصة للغابات ( CNPF ).
نُشرت الدراسة في مجلة Nature ، قاموا معًا بدراسة 223 نوعًا من الأشجار في 160 موقعًا غابات حول العالم، وشملت هذه المواقع أوروبا الغربية، والولايات المتحدة، والبرازيل، وإثيوبيا، والكاميرون، وجنوب شرق آسيا.
اختير كل نوع ليمثل إحدى أهم المناطق الحيوية للغابات في العالم، ركز الفريق على السمات الوظيفية – وهي خصائص محددة تؤثر على كيفية نمو الشجرة، واستخدامها للماء والمغذيات، وتخزينها للكربون.
وكان هدفهم بسيطا وطموحا في الوقت نفسه: تحديد السمات التي تؤدي إلى نمو أفضل واحتجاز الكربون في ظروف الغابات الحقيقية.

المعتقدات القديمة حول الكربون والأشجار
لفترة طويلة، اعتقد العلماء أن الأشجار ذات السمات الاستحواذية تنمو أسرع، تمتص هذه الأشجار موارد مثل ضوء الشمس والماء ومغذيات التربة بكفاءة عالية، وفي تجارب مُحكمة، كتلك التي أُجريت في البيوت الزجاجية، تتفوق هذه الأشجار على الأشجار الأخرى في الارتفاع وحجم الأوراق والكتلة الحيوية.
من الأمثلة على ذلك أشجار القيقب، والحور، والبلوط الإنجليزي، والبلوط الجالس، تتميز هذه الأنواع بأوراق كبيرة وجذور طويلة تجمع العناصر الغذائية بسرعة، كما تحتوي أوراقها على كميات كبيرة من النيتروجين، مما يدعم عملية التمثيل الضوئي السريع. كل هذه الميزات تجعلها خيارًا مثاليًا لتخزين الكربون – على الأقل على الورق.
من ناحية أخرى، هناك أنواعٌ محافظة، تستهلك هذه الأشجار طاقةً أقل في النمو السريع، بل تحافظ على بقائها على قيد الحياة من خلال الحفاظ على مواردها الداخلية كالماء والطاقة، وتنطبق هذه القاعدة على أشجار التنوب والبلوط الناعم والبلوط الأخضر. فهي عادةً ما تنمو ببطء، لكنها أكثر قدرةً على تحمل الضغوط البيئية.

مفاجأة من الغابات الحقيقية
عندما أجرى الفريق بحثهم على الغابات الحقيقية، قلبت نتائجهم المعتقدات القديمة رأسًا على عقب، ففي ظل الظروف الطبيعية في المناطق الشمالية والمعتدلة، خزّنت أنواع الأشجار المحافظة كميات أكبر من الكربون ونمت أسرع من الأنواع التي تستحوذ على مواردها. قد يبدو هذا مفاجئًا، لكن التفسير يكمن في كيفية عمل هذه الغابات.
غالبًا ما تتميز الغابات الشمالية والمعتدلة بمناخات باردة وتربة فقيرة، أو كليهما، في مثل هذه البيئات، تُصبح كفاءة استخدام الموارد الداخلية أهم من سرعة امتصاص العناصر الغذائية.
في الغابات الاستوائية، يتغير الوضع مجددًا، تتمتع هذه المناطق بظروف نمو مثالية – درجات حرارة دافئة وهطول أمطار غزيرة، هنا، تنمو الأنواع التي تميل للاستحواذ والمحافظة بسرعات متشابهة، لا تتمتع أيٌّ من المجموعتين بأفضلية كبيرة.

مطابقة الأشجار مع بيئتها
الدرس الأبرز من هذا البحث هو أن الحل الواحد لا يناسب الجميع، لا يمكنك زراعة أشجار سريعة النمو في كل مكان وتتوقع النجاح، يعتمد أداء الأشجار بشكل كبير على ظروف التربة والمناخ المحلية.
في البيئات الغنية بالمياه، تتفوق الأنواع التي تستهلك كميات كبيرة من الماء، مثل القيقب والحور، على غيرها، فهي قادرة على امتصاص العناصر الغذائية بسرعة وتحويلها إلى كتلة حيوية، مما يؤدي إلى تخزين كميات أكبر من الكربون.
أما في البيئات الجافة أو الباردة أو شحيحة المغذيات، فتتألق الأنواع المحافظة، قد تنمو أشجار البلوط والتنوب والصنوبر ببطء أكبر، لكنها تخزن كميات أكبر من الكربون بمرور الوقت لأنها تبقى على قيد الحياة وتنمو في حين تعجز غيرها عن ذلك.
تُسلّط الدراسة الضوء على ضرورة الدقة في جهود إعادة التحريج، يجب على مديري الغابات مراعاة الظروف الفريدة لكل موقع. فغرس الشجرة المناسبة في المكان المناسب أكثر فعالية بكثير من زراعة نفس الأشجار سريعة النمو في كل مكان.

اختيار الأشجار لتحسين تأثير الكربون
يمنح هذا الفهم الجديد مديري الغابات أداةً أكثر فعاليةً في مكافحة تغير المناخ، إذ يمكنهم الآن تجاوز سرعة النمو، والنظر في كيفية تفاعل سمات الشجرة مع بيئتها، وهذا يؤدي إلى خيارات أذكى وغابات أكثر صحة.
غالبًا ما يتطلب العمل المناخي نتائج سريعة، لكن الطبيعة لا تسير دائمًا على هذا النحو، أحيانًا تكون الشجرة بطيئة النمو ومقاومة للإجهاد هي التي تلتقط أكبر قدر من الكربون على المدى الطويل.
وبفضل هذه المعرفة، يمكن أن تصبح عملية إعادة التحريج أكثر فعالية واستدامة.





