أهم الموضوعاتأخبارالمدن الذكية

الحر الشديد يغيّر سلوك سكان المدن.. التسوق والخدمات تتجه إلى ساعات الليل

تغير المناخ يعيد رسم ساعات المدن.. الليل قد يصبح وقت الحياة الطبيعية

لم يعد الصيف في أوروبا مناسبة للاحتفال كما كان في السابق، إذ يتجه صيف هذا العام إلى أن يكون واحدًا من أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق.

فقد اندلعت حرائق الغابات في مناطق تمتد من فرنسا إلى اليونان، بينما أدى الجفاف الشديد إلى تحول العشب في حديقة هايد بارك الشهيرة في لندن إلى اللون البني. وتشهد أجزاء واسعة من أوروبا هذا الأسبوع موجة جديدة من الحر الشديد.

وصُممت معظم المدن الأوروبية تاريخيًا للتعامل مع الطقس البارد أكثر من قدرتها على مواجهة الحرارة الشديدة. لكن درجات الحرارة تتجاوز الآن بانتظام 35 درجة مئوية، ما يجعل موجات الحر الطويلة والخطيرة عاملًا يفرض تغييرات سريعة في نمط الحياة اليومية.

وبدلًا من التخلي عن أنشطتهم المعتادة، بدأ سكان المدن في تأجيلها إلى المساء، عندما تنخفض درجات الحرارة وتصبح الظروف أكثر ملاءمة للخروج والحركة.

وأصبحت هذه التغييرات قابلة للقياس بالفعل. ففي بحث حديث، جرى تحليل بيانات معاملات بطاقات مصرفية على مدى عامين في ثلاث مدن أسترالية، بهدف معرفة ما يحدث للإنفاق عندما ترتفع درجات الحرارة إلى أكثر من 35 درجة مئوية.

وأظهرت النتائج أن إجمالي الإنفاق انخفض بنسبة 7% خلال موجات الحر، إذ تراجع إنفاق المستهلكين خلال الفترة الممتدة من منتصف النهار وحتى بداية المساء، قبل أن يستقر مجددًا بعد غروب الشمس.

ومع تزايد شيوع موجات الحر الشديدة، من المتوقع أن يمتد تأثيرها إلى الشركات والمؤسسات في مزيد من المدن، ما يعني أن جزءًا أكبر من الحياة اليومية قد ينتقل تدريجيًا إلى ساعات الليل.

موجات الحر
موجات الحر

موجات الحر تدفع السكان إلى البقاء في المنازل

الدراسة على بيانات مجهّلة الهوية وعلى نطاق واسع لمعاملات البطاقات المصرفية، إلى جانب سجلات درجات الحرارة اليومية في مدن ملبورن وسيدني وأديلايد الأسترالية، خلال الفترة من يناير 2023 إلى ديسمبر 2024.

ووصلت درجات الحرارة إلى 35 درجة مئوية أو أكثر في 62 يومًا خلال هذه الفترة، بواقع 27 يومًا في أديلايد، و20 يومًا في ملبورن، و15 يومًا في سيدني.

وتغطي البيانات تقريبًا جميع عمليات الإنفاق التي تتم عبر نقاط البيع، مع تسجيلها على فترات زمنية مدتها ثلاث ساعات.

وعندما تجاوزت درجات الحرارة 35 درجة مئوية، تراجع الإنفاق خلال ساعات النهار بصورة حادة، ولا سيما خلال أكثر فترات اليوم حرارة، بين الظهر والساعة السادسة مساءً.

وانتقل جزء من الإنفاق إلى الفترات الأكثر برودة، مثل ساعات المساء أو الأيام التي سبقت موجة الحر أو أعقبتها.

وكانت المتاجر الكبرى ومتاجر التجزئة المتنوعة من بين الأنشطة الأكثر تضررًا، فعلى الرغم من اعتمادها على تكييف الهواء، انخفض الإنفاق فيها بنسبة 35% بين الساعة الثالثة والسادسة مساءً في الأيام شديدة الحرارة.

كما تراجع الإنفاق على تناول الطعام خارج المنزل والترفيه والتسوق خلال فترة بعد الظهر، قبل أن يتعافى خلال المساء.

وفي المقابل، أظهر الإنفاق في المتاجر الصغيرة ومحال السلع الأساسية قدرة أكبر على الصمود أمام تأثير الحرارة.

وتشير النتائج إلى أن بعض عمليات الشراء جرى تأجيلها إلى أوقات أكثر ملاءمة، بينما فُقدت عمليات شراء أخرى بصورة نهائية، وهو ما يعكس التأثير الاقتصادي المباشر لدرجات الحرارة المرتفعة على النشاط الحضري.

التحول إلى الساعات الأكثر برودة

الحرارة ليست ظاهرة جديدة بالنسبة إلى العديد من مدن العالم، لكن حتى المدن التي اعتادت الطقس الحار بدأت تواجه ظروفًا أكثر قسوة.

وفي مدن مثل دبي، يمكن أن تتجاوز درجات الحرارة خلال الصيف 50 درجة مئوية، بينما ترتفع درجة حرارة منطقة الشرق الأوسط بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي.

وفي مواجهة هذه الظروف، بدأت السلطات في بعض المناطق إعادة تنظيم الحياة العامة لتتناسب مع ساعات الليل.

ففي دبي، على سبيل المثال، جرى افتتاح شواطئ عامة مضاءة ليلًا، وتظل هذه الشواطئ مفتوحة خلال ساعات الليل، بما يسمح للسكان والزوار بالاستمتاع بالأنشطة الخارجية بعيدًا عن حرارة النهار.

وفي فرنسا، بدأت باريس وتولوز في تمديد ساعات فتح الحدائق والمتنزهات ومناطق السباحة إلى ساعات الليل.

وفي إيطاليا وإسبانيا، يتجه عدد متزايد من السياح إلى استكشاف مدن مثل روما وإشبيلية بعد غروب الشمس، للاستفادة من انخفاض درجات الحرارة.

أما في العاصمة الكورية الجنوبية سيول، فأصبحت أكثر من 120 مكتبة عامة تفتح أبوابها حتى الساعة العاشرة مساءً، لتؤدي دور ملاجئ مناخية توفر للسكان أماكن آمنة وأكثر برودة خلال فترات الحرارة الشديدة.

وعلى الرغم من هذه الأمثلة، لا تزال الأدلة محدودة على حدوث تحول واسع النطاق في طريقة تنظيم المدن لساعات النشاط اليومي.

ففي العديد من المدن، لم تبدأ السلطات بعد في التخطيط بصورة نشطة لمستقبل تصبح فيه درجات الحرارة المرتفعة للغاية سببًا في جعل ساعات بعد الظهر غير مريحة أو حتى خطرة.

ولا تزال معظم المدن منظمة وفق نموذج يعتمد على النشاط خلال ساعات النهار.

فعادة ما تصبح وسائل النقل العام أقل تكرارًا بعد انتهاء ساعات الذروة المسائية، بينما تغلق المراكز المجتمعية ومرافق رعاية الأطفال والمباني العامة أبوابها في وقت مبكر.

كما تفتقر الحدائق العامة في كثير من الأحيان إلى الإضاءة الكافية وإجراءات السلامة التي تسمح باستخدامها خلال ساعات المساء الأكثر برودة.

وتركز جهود تعزيز قدرة المدن على الصمود أمام تغير المناخ غالبًا على إعادة تصميم الشوارع، وتبريد المباني، وزيادة زراعة الأشجار والتوسع في البنية التحتية الخضراء.

موجات الحر
موجات الحر

وتظل هذه الإجراءات ضرورية، لكنها لا تمثل سوى جزء من الحل.

فالمدن ستحتاج إلى التكيف مع تغير المناخ ليس فقط من خلال تعديل الأماكن والمساحات التي يستخدمها السكان، ولكن أيضًا من خلال تعديل الأوقات التي تكون فيها هذه الأماكن والخدمات متاحة.

وتعني المرونة المناخية، في هذا السياق، أكثر من مجرد نوع البنية التحتية التي توفرها المدن؛ بل تشمل أيضًا توقيت إتاحة هذه البنية والخدمات للسكان.

إعادة التفكير في المدينة بعد غروب الشمس

ولكي تتمكن المدن من البقاء مفتوحة لفترات أطول خلال المساء، ستحتاج السلطات إلى تعزيز ما يُعرف بـ«البنية التحتية الاجتماعية»، وهي شبكة من الأماكن العامة والمؤسسات الثقافية والمكتبات والمنشآت الرياضية والمراكز المجتمعية وغيرها من المرافق المحلية التي تؤدي دورًا أساسيًا في الحياة اليومية.

وتُعد المكتبات العامة من بين الأماكن المعروفة بقدرتها على توفير ملاذ من الحرارة، لكن إذا أغلقت أبوابها قبل انخفاض درجات الحرارة، فقد يجد السكان أنفسهم دون أماكن آمنة للابتعاد عن الحر.

ولا يعني إنشاء مدن أكثر نشاطًا ليلًا بالضرورة تنفيذ عمليات إعادة تطوير واسعة النطاق أو مكلفة.

ففي كثير من الحالات، يمكن تحقيق ذلك من خلال تغيير الأنماط الحالية لا أكثر.

ومن الإجراءات التي يمكن أن تساعد في هذا التحول زيادة تواتر وسائل النقل العام ورفع مستوى موثوقيتها خلال ساعات المساء، خاصة أثناء موجات الحر، إلى جانب تمديد ساعات عمل المكتبات والمرافق المجتمعية.

كما تشمل الإجراءات تركيب إضاءة أفضل على مسارات المشاة، وضمان بقاء الأماكن العامة آمنة ومريحة بعد حلول الظلام.

لكن تغيير مواعيد الأنشطة اليومية ليس سهلًا بالنسبة إلى الجميع.

فالعاملون وفق ساعات عمل ثابتة لا يستطيعون ببساطة نقل يوم عملهم إلى ساعات الليل، بينما يفرض نظام المدارس ورعاية الأطفال قيودًا إضافية على الآباء ومقدمي الرعاية.

كما قد يعتمد كبار السن والأشخاص محدودو الحركة على وسائل النقل العام والخدمات التي تصبح أقل توافرًا بعد حلول الظلام.

ولهذا السبب، فإن نقل الأنشطة إلى ساعات الليل يجب أن يترافق مع الاستثمار في بنية تحتية مسائية يسهل الوصول إليها، إلى جانب توفير الحماية والظروف المناسبة للعاملين الذين سيُطلب منهم مواصلة تشغيل المدن لفترات أطول.

موجات الحر تهدد الصغار والكبار
موجات الحر تهدد الصغار والكبار

الحياة الليلية أم الحياة في الليل؟

مع استمرار موجات الحر الشديدة في إعادة تشكيل الحياة اليومية في مزيد من المدن، يتعين على السلطات التخطيط للمستقبل بدلًا من انتظار تفاقم المشكلة.

وسيكون من الضروري إجراء مزيد من الأبحاث لفهم أفضل الطرق التي يمكن من خلالها للمدن التكيف مع تغير الإيقاع اليومي للحياة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة.

وعادة ما يُنظر إلى الحياة الليلية في المدن باعتبارها خروج الناس إلى الحانات أو حضور العروض والفعاليات الترفيهية.

لكن خلال المستقبل القريب جدًا، قد يكتسب مفهوم «الحياة الليلية» معنى مختلفًا تمامًا.

فقد تصبح الحياة الليلية ببساطة الحياة الطبيعية التي يمارسها الناس خلال ساعات الليل، لتجنب حرارة النهار الحارقة والخطيرة.

وهكذا، لا يقتصر التكيف مع تغير المناخ على بناء مدن أكثر خضرة أو تبريدًا، بل قد يتطلب أيضًا إعادة التفكير في متى يعيش الناس مدنهم ويستخدمون خدماتها ومرافقها.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. Your blog is a treasure trove of valuable insights and thought-provoking commentary. Your dedication to your craft is evident in every word you write. Keep up the fantastic work!

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة