أخبارالاقتصاد الأخضرالسياحة

الحر الشديد يغير خريطة السفر.. كيف يعيد تغير المناخ تشكيل عطلات السياح؟

من الشاطئ إلى الجبال.. كيف تدفع الحرارة القياسية السياح لتغيير خططهم؟

لم يعد الطقس مجرد عامل ثانوي عند التخطيط للعطلات، إذ بدأت درجات الحرارة المرتفعة والظواهر الجوية المتطرفة في التأثير بشكل مباشر على قرارات المسافرين، من اختيار الوجهة وتوقيت الرحلة إلى الأنشطة التي يمارسونها أثناء العطلات.

وتشير دراسة جديدة إلى أن تغير المناخ، وخاصة موجات الحر الشديدة، بدأ بالفعل في إعادة تشكيل سلوك السياح، بعدما أصبحت درجات الحرارة المرتفعة والحرائق والفيضانات والعواصف عوامل تدفع بعض المسافرين إلى تعديل خططهم أو تغيير وجهاتهم أو حتى إلغاء رحلاتهم.

وأجرى الباحثان كيرستن زاندر وستيفن غارنيت دراسة وطنية عبر الإنترنت شملت 2292 شخصًا في أستراليا، بهدف معرفة مدى تأثير الطقس في قرارات السفر، وخلصا إلى أن تغير أنماط الطقس بدأ يترك بصمته بوضوح على السياحة.

الحرارة تدخل حسابات المسافرين

كشفت الدراسة أن نحو خُمس المشاركين غيّروا عطلتهم الأخيرة بسبب ظروف الطقس، وشملت الأسباب الحرائق والفيضانات والعواصف والأمطار الغزيرة، لكن الحرارة الشديدة كانت من أبرز العوامل التي ركز عليها الباحثون.

وأظهرت النتائج أن 6% من الأستراليين غيّروا خطط عطلاتهم بسبب توقعات الطقس الحار، بينما قرر نحو ثلث المشاركين عدم السفر إلى وجهات اعتبروها شديدة الحرارة، مثل دبي أو المناطق الشمالية من أستراليا.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل دليلًا على أن ارتفاع درجات الحرارة لا يؤثر فقط في صحة الإنسان والبيئة، وإنما بدأ أيضًا في تغيير أنماط الحركة السياحية واختيار الوجهات.

وتكتسب هذه الظاهرة أهمية متزايدة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية، إذ أصبحت موجات الحر أكثر تكرارًا وشدة، ما يجعل الظروف المناخية عاملًا متزايد الأهمية عند التخطيط للسفر.

التخطيط للسفر

الطقس يغير موعد الرحلة

لم يقتصر تأثير الطقس على قرار السفر من عدمه، بل امتد إلى موعد العطلة.

ومن بين المشاركين الذين غيّروا خططهم بسبب الطقس، قام 36% بتقصير أو تمديد رحلاتهم أو تغيير مواعيدها الأصلية استجابة لظروف جوية غير متوقعة.

وشملت الأسباب الرئيسية لتغيير المواعيد حرائق الغابات والعواصف وتوقعات هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة.

ويعني ذلك أن الموسم السياحي التقليدي قد يصبح أقل ثباتًا مع استمرار تغير المناخ، إذ قد يضطر المسافرون إلى اختيار فترات مختلفة من العام لتجنب موجات الحر أو الظواهر الجوية الخطرة.

الأنشطة السياحية تتغير أيضًا

وجد الباحثون أن الطقس يؤثر كذلك في نوع الأنشطة التي يختارها السياح أثناء العطلات.

فقد غيّر نحو 31% من الأشخاص الذين يتأثرون بالطقس أنشطتهم المخطط لها، بما يتناسب مع التوقعات الجوية.

فعلى سبيل المثال، قد يلجأ السياح إلى الأنشطة الداخلية والتسوق بدلًا من الأنشطة الخارجية في الأيام شديدة الحرارة أو الرطوبة.

وكان هذا السلوك أكثر وضوحًا بين السياح الذين يزورون الشواطئ أو يسافرون لزيارة الأصدقاء والأقارب.

الأنشطة السياحية
الأنشطة السياحية

تغيير الوجهة بدلًا من إلغاء الرحلة

أظهرت الدراسة أن الطقس المتطرف يمكن أن يدفع السياح أيضًا إلى تغيير وجهاتهم.

فنحو خُمس الأشخاص الذين عدّلوا خططهم السياحية تخلوا عن وجهتهم الأصلية واختاروا مكانًا آخر للسفر.

وكان تغيير الوجهة أكثر شيوعًا بين الأشخاص الذين يمارسون أنشطة تعتمد على الطبيعة، مثل التخييم والمشي لمسافات طويلة وركوب الدراجات والرياضات المائية.

وجاءت الكوارث الطبيعية في مقدمة أسباب تغيير الوجهة، تلتها الحرارة المرتفعة ثم الأمطار.

وفي المقابل، قرر نحو 10% من المشاركين التخلي عن الرحلة والبقاء في المنزل بسبب سوء الأحوال الجوية.

السياح لا يزالون يسافرون رغم الطقس السيئ

رغم هذه التغيرات، كشفت الدراسة عن نتيجة مفاجئة، إذ إن 80% من المشاركين التزموا بخطط عطلاتهم الأصلية بغض النظر عن حالة الطقس.

وكان السياح الذين يفضلون الأنشطة الطبيعية أقل ميلًا إلى تغيير خططهم حتى في الظروف الجوية غير المواتية.

ويرى الباحثون أن ذلك قد يمثل مصدر قلق صحي، خصوصًا مع المخاطر المتزايدة للتعرض للحرارة الشديدة أثناء المشي لمسافات طويلة والأنشطة الرياضية في الهواء الطلق.

مخاطر أكبر على كبار السن

أظهرت النتائج أيضًا أن كبار السن كانوا أكثر ميلًا إلى مواصلة السفر رغم تقلبات الطقس.

وقد يرجع ذلك إلى صعوبة تغيير الحجوزات المدفوعة مسبقًا أو محدودية الموارد المالية أو ضعف القدرة على استخدام الأدوات الرقمية التي توفر تحذيرات جوية فورية.

لكن هذه الفئة تحديدًا أكثر عرضة لمخاطر الحرارة الشديدة، ما يفرض على شركات السياحة ومنظمي الرحلات اتخاذ احتياطات إضافية عند تنظيم الأنشطة لكبار السن.

خطر تغير المناخ على كبار السن
خطر الحرارة الشديدة على كبار السن

نصف المسافرين تقريبًا غير مستعدين للحرارة

تثير الدراسة القلق أيضًا بشأن مدى استعداد السياح للتعامل مع موجات الحر.

فقد تبين أن نحو نصف المشاركين كانوا غير مستعدين بشكل كافٍ للتعامل مع الحرارة الشديدة، بينما لم يكن نحو 5% منهم مستعدين على الإطلاق.

كما لم يكن لدى ما يقرب من نصف المشاركين تطبيقات للطقس على هواتفهم توفر تحذيرات فورية بشأن الظروف الجوية الخطرة.

ويرى الباحثون أن نقص الاستعداد قد يصبح أكثر خطورة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وزيادة تواتر موجات الحر.

السياحة تحتاج إلى التكيف مع عصر الحرارة

يشدد الباحثون على ضرورة تطوير إجراءات حماية السياح، خاصة في الوجهات التي تعتمد على الأنشطة الخارجية.

وتشمل الإجراءات المقترحة تعزيز أنظمة التحذير من الحرارة، وتوفير مناطق مظللة في المواقع السياحية، وزيادة مصادر المياه، وتقديم معلومات واضحة للسياح حول كيفية التعامل مع الحرارة.

كما ينبغي تجنب ممارسة الأنشطة البدنية الشاقة، مثل المشي لمسافات طويلة، خلال أكثر ساعات اليوم حرارة، مع تدريب العاملين في المواقع السياحية والمتنزهات الوطنية على التعامل مع حالات الإجهاد الحراري.

ويرى الباحثون أن التوعية تمثل عنصرًا أساسيًا في هذا التكيف، إذ أظهرت الدراسة أن تثقيف الأشخاص بشأن مخاطر الحرارة الشديدة يمكن أن يدفعهم إلى تجنب الوجهات المعرضة لموجات الحر.

تغير المناخ يعيد رسم خريطة السياحة

تكشف النتائج أن تأثير تغير المناخ على السياحة لم يعد مجرد توقع مستقبلي، بل بدأ يظهر بالفعل في سلوك المسافرين.

فالحرارة الشديدة والحرائق والفيضانات والعواصف أصبحت عوامل تؤثر في موعد السفر والوجهة والأنشطة السياحية، وأحيانًا قرار السفر نفسه.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، قد تضطر صناعة السياحة إلى إعادة التفكير في تصميم الرحلات والمواسم السياحية وإجراءات السلامة، بحيث تصبح القدرة على التكيف مع الطقس المتطرف جزءًا أساسيًا من مستقبل السفر.

وتشير الدراسة إلى أن الحفاظ على سلامة السياح في عالم أكثر حرارة لن يعتمد فقط على توقعات الطقس، بل أيضًا على قدرة الوجهات السياحية وشركات السفر والمسافرين أنفسهم على الاستجابة لهذه التغيرات.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة