في وقت تتصاعد فيه الجهود العالمية لمواجهة تغير المناخ، جاءت الحرب على Iran لتكشف جانبًا مظلمًا غالبًا ما يتم تجاهله:
البصمة الكربونية الضخمة للنزاعات العسكرية، والتي قد تقوّض سنوات من العمل المناخي خلال أيام قليلة فقط.
فخلال أول أسبوعين من التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، أطلقت العمليات الحربية انبعاثات من الغازات المسببة للاحتباس الحراري تجاوزت إجمالي الانبعاثات السنوية لدولة مثل Iceland، في مؤشر صادم على حجم التأثير البيئي للحروب الحديثة.
العمليات العسكرية.. المصدر الأكبر للانبعاثات
تشير التقديرات إلى أن آلاف الطلعات الجوية العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل كانت العامل الرئيسي وراء هذا الارتفاع الكبير في الانبعاثات.
فالمقاتلات الحديثة، مثل طائرة إف-35، تستهلك كميات هائلة من الوقود، إذ تحرق ما بين 5600 و6500 لتر من الكيروسين في المهمة الواحدة، ما ينتج عنه نحو 14 إلى 17 طنًا من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يعادل تقريبًا الانبعاثات الكاملة لسيارة تقليدية طوال عمرها.
ولا تقتصر الانبعاثات على الطائرات فقط، بل تشمل أيضًا:
- السفن الحربية التي تعمل بالديزل
- الطائرات بدون طيار
- طائرات التزود بالوقود والنقل العسكري
- المعدات البرية الثقيلة
الانفجارات والحرائق.. تأثير مباشر
رغم أن القصف واستهداف منشآت النفط والغاز يطلقان كميات كبيرة من الانبعاثات، فإن الخبراء يشيرون إلى أن احتراق الوقود العسكري يظل المصدر الأكبر، متجاوزًا تأثير التدمير المباشر للبنية التحتية للطاقة بما يصل إلى 20 أو 30 ضعفًا.
ومع ذلك، تظل هناك مخاطر إضافية، مثل:
- تسرب غاز الميثان من منشآت الغاز
- انبعاث الكربون الأسود من الحرائق
- إطلاق ملوثات هوائية خطرة تؤثر على المناخ والصحة
الطيران المدني.. ضحية غير مباشرة
لم تقتصر تداعيات الحرب على العمليات العسكرية، بل امتدت إلى قطاع الطيران المدني، حيث اضطرت شركات الطيران إلى تغيير مسارات الرحلات بعيدًا عن مناطق النزاع.
هذا التحول أدى إلى:
- زيادة استهلاك الوقود
- إطالة زمن الرحلات
- ارتفاع الانبعاثات بشكل غير مباشر
ومع عبور مئات الآلاف من المسافرين يوميًا عبر منطقة الخليج قبل الحرب، فإن التأثير التراكمي لهذه التغييرات يُعد كبيرًا.
الذكاء الاصطناعي.. مصدر جديد للانبعاثات
مع تزايد استخدام التقنيات المتقدمة في الحروب، يبرز الذكاء الاصطناعي كمصدر جديد للانبعاثات، نتيجة اعتماده على مراكز بيانات تستهلك كميات ضخمة من الكهرباء.
وقد شكّلت هذه المراكز نحو 1.5% من استهلاك الكهرباء عالميًا في عام 2024، مع توقعات بمضاعفة هذا الرقم بحلول 2030، ما يضيف بعدًا جديدًا لتأثير الحروب على المناخ.
آثار طويلة الأمد تتجاوز ساحة المعركة
لا تتوقف التأثيرات المناخية للحروب عند لحظة القتال، بل تمتد لسنوات وربما عقود، وتشمل:
- إعادة الإعمار: التي تتطلب كميات ضخمة من الطاقة والمواد، ما يرفع الانبعاثات
- حرائق الغابات الناتجة عن العمليات العسكرية
- التوسع في الإنفاق العسكري عالميًا، ما يزيد من الانبعاثات المستقبلية
وقد أظهرت تجارب سابقة، مثل الحرب في Ukraine، أن الانبعاثات يمكن أن تصل إلى مئات الملايين من الأطنان على مدار سنوات النزاع.
الطاقة في قلب الصراع
من أبرز التداعيات غير المباشرة للحرب تأثيرها على أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع التوترات في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط في العالم.
وقد يؤدي ذلك إلى:
- ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي
- اضطرار بعض الدول للعودة إلى الفحم أو الوقود الأحفوري
- تأخير خطط التحول إلى الطاقة النظيفة
وفي المقابل، قد تدفع هذه الأزمة دولًا أخرى إلى تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، لتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة غير المستقرة.
مفترق طرق عالمي
يرى خبراء أن العالم قد ينقسم إلى مسارين:
- دول تسرّع التحول للطاقة النظيفة لتعزيز استقلالها
- دول تغرق أكثر في الاعتماد على الوقود الأحفوري بسبب الأزمات
ويؤكد هذا الواقع أن التحول إلى الطاقة المتجددة لم يعد خيارًا بيئيًا فقط، بل ضرورة اقتصادية وأمنية.
حلقة مفرغة بين المناخ والحروب
تسلط هذه الحرب الضوء على علاقة معقدة بين تغير المناخ والصراعات، حيث يمكن أن يؤدي نقص الموارد الناتج عن التغير المناخي إلى زيادة التوترات، بينما تؤدي الحروب بدورها إلى تسريع التدهور البيئي.
الخلاصة
تكشف الحرب على Iran أن النزاعات العسكرية ليست مجرد أزمات سياسية أو إنسانية، بل أزمات مناخية حادة أيضًا.
ومع ارتفاع الانبعاثات بشكل هائل خلال فترات قصيرة، يصبح من الواضح أن تحقيق أهداف المناخ العالمية لن يكون ممكنًا دون معالجة البصمة الكربونية للقطاع العسكري.
وفي النهاية، تؤكد هذه الأزمة حقيقة أساسية: كلما طال الاعتماد على الوقود الأحفوري، زادت هشاشة الدول أمام الصدمات الجيوسياسية، وكلما تسارع التحول للطاقة النظيفة، زادت القدرة على الصمود في عالم مضطرب.
