هل يمكن التنبؤ بالطقس لـ4 أشهر؟.. دراسة تحدد سقفًا نظريًا عند 129 يومًا
لماذا لا يمكن التنبؤ بالطقس إلى ما لا نهاية؟.. العلماء يكشفون السر
هل يمكن أن يصل العلم يومًا إلى مرحلة يصبح فيها من الممكن التنبؤ بحالة الطقس لأشهر مقبلة بدقة عالية؟ دراسة علمية جديدة تقدم إجابة مثيرة، لكنها تضع في الوقت نفسه سقفًا نظريًا للقدرة على التنبؤ بالطقس يبلغ نحو 129 يومًا.
ويشير الباحثون إلى أن هذا الرقم لا يعني أن نشرات الطقس ستتمكن قريبًا من تقديم توقعات دقيقة لأربعة أشهر، وإنما يمثل حدًا نظريًا أقصى يمكن أن تصل إليه القدرة على التنبؤ بالطقس في ظل ظروف مثالية للغاية، تشمل معرفة الحالة الأولية للغلاف الجوي بصورة كاملة، وفهم القوانين التي تحكم حركته، ومعرفة الظروف الخارجية واسعة النطاق بدقة.
ونشرت الدراسة في دورية Advances in Atmospheric Sciences، وتقدم طريقة مختلفة تمامًا عن الأساليب التقليدية لتحديد المدة التي يمكن خلالها التنبؤ بالطقس.

لماذا يصعب التنبؤ بالطقس لفترات طويلة؟
منذ ظهور التنبؤ العددي بالطقس في خمسينيات القرن الماضي، يحاول علماء الأرصاد فهم الحدود الطبيعية التي تقيد قدرتهم على توقع حالة الغلاف الجوي.
ويعتمد أحد الأساليب الأساسية على دراسة كيفية نمو الأخطاء الصغيرة الموجودة في التنبؤات الحالية مع مرور الوقت.
فالغلاف الجوي نظام شديد التعقيد، ويمكن لاختلافات صغيرة جدًا في الحالة الأولية أن تتضخم بمرور الوقت، ما يؤدي في النهاية إلى اختلاف كبير بين التوقع والحالة الفعلية للطقس.
لكن الباحثين يرون أن هذا النهج لا يقدم إجابة كاملة عن الحد النهائي للقدرة على التنبؤ.
وقال وي تشانج، الباحث الرئيسي في الدراسة وعالم المناخ بجامعة ميامي والمعهد التعاوني لأبحاث الغلاف الجوي والمحيطات التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية «NOAA»، إن المشكلة تكمن في عدم وجود معرفة كافية حول كيفية تصرف الأخطاء التي تكون أصغر بكثير من الأخطاء الموجودة في التنبؤات الحالية.
وبالتالي، فإن مجرد تتبع الأخطاء الحالية لا يكفي، وفق الباحثين، لتحديد الحد النظري النهائي للتنبؤ بالطقس.

البحث عن إجابة في طاقة الغلاف الجوي
بدلًا من التركيز على أخطاء التنبؤ، اتجه فريق البحث إلى الطاقة التي تحرك الغلاف الجوي.
وطرح الباحثون سؤالًا مختلفًا: إذا افترضنا ظروفًا مثالية نعرف فيها الحالة الأولية للغلاف الجوي بصورة كاملة، ونعرف القوانين الفيزيائية التي تحكم حركته، وكذلك الظروف المستقبلية واسعة النطاق التي تؤثر فيه، فما المدة التي يمكن أن تظل خلالها التنبؤات ممكنة من الناحية النظرية؟
وفي هذا السيناريو المثالي، يفترض الباحثون أن المعرفة الدقيقة بالحالة الأولية للغلاف الجوي ستظل محفوظة من خلال الديناميكيات المعروفة بدقة، ما يعني أن التنبؤ بالحالة الحقيقية للغلاف الجوي يمكن أن يستمر إلى أجل غير محدد.
لكن هناك مصدرًا آخر لعدم اليقين لا يمكن التخلص منه بالكامل، بحسب الدراسة.
الفوتونات تضيف عنصرًا من عدم اليقين
يرى الباحثون، أن الإشعاع الشمسي يمثل مصدرًا أساسيًا للطاقة التي تحرك الغلاف الجوي.
وتصل الطاقة الشمسية باستمرار إلى الأرض على هيئة إشعاع، وتنتقل آثار هذه الطاقة في النهاية إلى مختلف مكونات الغلاف الجوي.
وفي نموذج الدراسة، افترض العلماء وجود قدر من عدم اليقين على المستوى الكمي مرتبط بمرحلة الفوتونات القادمة من الإشعاع الشمسي.
ومع انتقال الطاقة الشمسية عبر دورة الطاقة في الغلاف الجوي، تنتشر هذه التأثيرات تدريجيًا إلى أجزاء مختلفة من النظام الجوي.
ويرى الباحثون، أنه بعد فترة زمنية معينة، تصبح حالة الغلاف الجوي متأثرة بدرجة كبيرة بهذا المصدر من عدم اليقين، بحيث تضيع المعلومات المرتبطة بالحالة الأولية التي بدأ منها التنبؤ.
وأطلق الباحثون على هذه النقطة اسم «نقطة دوران الطاقة» (Energy Turnover Point).
وبعد الوصول إليها، يصبح التنبؤ بالحالة الداخلية للطقس مستحيلًا من الناحية النظرية، حتى في ظل الافتراضات المثالية التي وضعتها الدراسة.

129 ± 7 يومًا.. السقف النظري
وبالاعتماد على إجمالي طاقة الغلاف الجوي، وتدفق الإشعاع الشمسي، وحجم حالات عدم اليقين في القياسات، قدر الباحثون أن الحد النظري المحتمل للتنبؤ بالطقس يبلغ نحو 129 يومًا، بهامش خطأ قدره 7 أيام.
وهذا يعني أن الحد النظري يقع تقريبًا بين 122 و136 يومًا.
لكن الرقم لا ينبغي تفسيره باعتباره توقعًا بأن العلماء سيتمكنون قريبًا من معرفة الطقس بدقة لمدة 129 يومًا.
فالقدرات الحالية للتنبؤ الجوي الماهر تمتد لنحو 14 يومًا فقط في أفضل الظروف، وتتناقص دقة التوقعات كلما زادت المدة الزمنية.
وبالتالي، فإن الدراسة تتحدث عن سقف نظري بعيد جدًا عن المستوى العملي الحالي.

من 14 يومًا إلى 129 يومًا
إذا ثبتت نتائج الدراسة من خلال أبحاث مستقلة، فإنها قد توفر للعلماء هدفًا نظريًا واضحًا لما يمكن أن تصل إليه تكنولوجيا التنبؤ بالطقس في المستقبل.
وتشير الدراسة إلى أن الفترة الإضافية بين القدرة الحالية على التنبؤ والحد النظري ليست كلها متساوية من حيث جودة التوقعات.
ففي ظل الظروف المثالية التي افترضها الباحثون، يمكن من الناحية النظرية تمديد مستوى المهارة الذي يتمتع به تنبؤ اليوم الخامس إلى نحو 62 يومًا.
لكن الفترة المتبقية حتى الوصول إلى الحد النظري البالغ 129 يومًا ستكون ذات فائدة محدودة، وستوفر في أفضل الأحوال إرشادات منخفضة الثقة بدلًا من توقعات دقيقة يمكن الاعتماد عليها بصورة مماثلة للتوقعات قصيرة المدى.
وهذا التفريق مهم، لأن الوصول إلى 129 يومًا نظريًا لا يعني أن توقعات الطقس اليومية ستصبح دقيقة لأربعة أشهر.
هل تفتح الدراسة الطريق لتوقعات أطول؟
إذا تأكدت النتائج من خلال حسابات وتجارب مستقلة، فقد يكون للدراسة تأثير مهم في طريقة تفكير العلماء بشأن مستقبل التنبؤ بالطقس.
فبدلًا من النظر إلى حدود التنبؤ باعتبارها نتيجة مباشرة لتطور النماذج الحاسوبية أو زيادة قدرات الحواسيب فقط، تقدم الدراسة منظورًا فيزيائيًا يبحث عن الحد الأقصى الذي تسمح به طبيعة النظام الجوي نفسه.
ويعمل تشانج وزملاؤه حاليًا على تطوير تقديرات مستقلة أخرى لاختبار النتيجة والتأكد من مدى صلابتها.
وإذا تأكد الرقم، فإن «129 يومًا» لن يكون موعدًا تنتقل بعده نشرات الطقس فجأة من الدقة إلى العجز، وإنما سيكون حدًا نظريًا أقصى يساعد العلماء على فهم المسافة التي تفصل قدرات التنبؤ الحالية عن أقصى ما قد تسمح به قوانين الفيزياء.
وبذلك، تضع الدراسة تصورًا طموحًا لمستقبل التنبؤ الجوي: نحو أربعة أشهر من إمكانية التنبؤ النظري، مقابل نحو أسبوعين فقط من التنبؤ الماهر المتاح اليوم.





