“التمويل المناخي”.. هل ينجح COP27 في تلبية احتياجات إفريقيا؟
تقرير مبادرة سياسة المناخ CPI يرى أن إفريقيا تحتاج إلى 250 مليار دولار سنويًا

كتبت أسماء بدر
حجم تمويل المناخ في أفريقيا أقل بشكل كبير مما هو مطلوب لتنفيذ المساهمة المحددة وطنيا NDCs في المنطقة، ويقدر تقرير مبادرة سياسة المناخ CPI احتياجات تمويل المناخ في إفريقيا بمتوسط 250 مليار دولار أمريكي سنويًا من 2020-2030، والتي يجب أن يتم توفيرها من قبل المستثمرين العامين الخاصين والدوليين، وفي الوقت نفسه، بلغ إجمالي التمويل السنوي للمناخ الذي تم حشده في إفريقيا في عام 2020 ما قيمته 29.5 مليار دولار أمريكي فقط.
احتياجات مصر وإفريقيا للتكيف مع آثار تغير المناخ، وتمويل مشروعات خاصة بخفض الانبعاثات، قضية تُوليها مصر أهمية كبرى خلال رئاستها لمؤتمر شرم الشيخ لتغير المناخ COP27، مطالبة بتنفيذ المادة 9 من اتفاق باريس الذي ينص على أن تقدم البلدان المتقدمة الأطراف موارد مالية لمساعدة البلدان النامية في كل من التخفيف والتكيف، مواصلة لالتزاماتها بموجب الاتفاقية المُوقّعة عام 2015.
وفي تقرير المساهمات المحددة وطنيًا المحدّثة حتى عام 2030، الذي قدمته مصر خلال شهر يوليو عام 2022، تُقدر الموارد المالية المطلوبة لتنفيذ المساهمات الوطنية بحد أدنى 246 مليار دولار أمريكي، تتطلب تدخلات التخفيف 196 مليار دولار أمريكي منها، بينما تذهب 50 مليار دولار أمريكي إلى تنفيذ تدخلات التكيف.
3 % حجم إسهامات إفريقيا من الانبعاثات
القارة الإفريقية الأقل إسهامًا في الانبعاثات الكربونية والتي تقدر بنسبة 3% من إجمالي الانبعاثات العالمية، رغم ذلك فهي الأكثر تضررًا، يقول الدكتور محمود محيي الدين، رائد المناخ للرئاسة المصرية لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة للتغير المناخي COP27.
شدد محيي الدين على أن الأمر الأكثر خطورة هو تضرر إفريقيا من بعض الإجراءات التي يتم اتخاذها للتعامل مع المناخ باختزال مشكلة الاستدامة في بعض الإجراءات الجزئية، مؤكدًا على ضرورة التركيز على الاستثمارات في البنية الاساسية التي تضررت من تبعات المناخ من خلال تبني منهج متكامل.

وأوضح رائد العمل المناخي لمؤتمر COP27، أن ملف التمويل سيكون هو الملف الأكبر في قمة المناخ القادمة، لافتًا إلى أن هذا الملف لا ينحصر فقط في تعهد توجيه 100 مليار دولار للدول النامية، إذ لا يتجاوز هذا الرقم 5% من احتياجات العمل المناخي بالدول النامية ولكن سيتم التمسك به كحد أدنى وليس أقصى، ولا بد من موائمة موازنة الدول مع العمل المناخي وأهداف التنمية المستدامة.
ووفقا لما ذكره محيي الدين، فإنه ليس من باب العدل أن تقترض الدول النامية لحل مشاكل تسببت بها الدول المتقدمة، مشددا على ضرورة تعزيز الشراكات بين القطاع العام والخاص وتوفير تمويل ميسر طويل الأجل، حيث إن المستقبل مرهون بمدى قدرة الدول والقطاع الإنتاجي على التطور في مجالات الاستدامة والتحول الرقمي.
فجوة تمويلية وأزمات عالمية
يرى هشام عيسى، رئيس الإدارة المركزية للتعاون الدولي بوزارة البيئة المصرية السابق، وخبير علوم البيئة وتغير المناخ، أن القارة الإفريقية تحتاج إلى مخصصات تمويلية كبيرة سواء للتكيف مع الآثار السلبية لتغير المناخ أو لمعالجة الخسائر والأضرار التي تعرضت لها جراءه مثل الجفاف والتصحر وتداعياتها على المحاصيل الزراعية والأمن الغذائي بها، وهو ما ألقى بظلاله على زيادة معدلات الهجرة غير الشرعية للسكان المحليين، مشيرًا إلى اختلاف التأثيرات السلبية على الدول الإفريقية وفقًا لطبيعة كل بلد، فمثلًا بلدان شمال إفريقيا مهددة بالغرق بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر.

ويضيف عيسى في تصريحات خاصة لـ “المستقبل الأخضر”، لا يمكن تقدير الاحتياجات التمويلية لقارة إفريقيا، إذا إن ما تحتاجه مصر فقط لتنفيذ مساهماتها الوطنية يصل إلى 246 مليار دولار سنويًا، موضحًا أن هناك فجوة تمويلية كبيرة بين طموحات القارة للتصدي لتغير المناخ وبين المتاح فعليًا من التمويل الذي تقدمه الدول الأوروبية، وهو ما يتم طرحه ومناقشته سنويًا في مؤتمرات الأطراف بشأن تغير المناخ دون التوصل إلى نتائج ملموسة في هذه القضية، ما ينعكس على جدية الدول المانحة في توفير التمويل اللازم.
وبحسب خبير علوم البيئة وتغير المناخ، فإن الأحداث الأخيرة التي شهدها العالم مثل الحرب الروسية الأوكرانية التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية، إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم وزيادة الأسعار، وبالتالي سوف تفرض نفسها على قضية التمويل في مؤتمر الأطراف COP27 بمصر، مما يؤثر سلبًا على إمكانية الدول المتقدمة بالوفاء بما جاء في المادة التاسعة لاتفاق باريس لمكافحة تغير المناخ.
مبادرة لحشد التمويل المناخي لإفريقيا
وفقًا لتقرير مبادرة سياسة المناخ CPI، ستتطلب تلبية احتياجات تمويل المناخ في إفريقيا مستويات استثمار أعلى بكثير، لا سيما من القطاع الخاص، نظرًا لارتفاع المخاطر الحقيقية والمتصورة المرتبطة بالاستثمار في القارة، فقد لعب القطاع الخاص تقليديًا دورًا هامشيًا في توفير التمويل المتعلق بالمناخ في إفريقيا، حيث يمثل 14% فقط من إجمالي التدفقات في 2019/2020.
ويرى التقرير أنه يجب أن يلعب القطاع الخاص دورًا أكثر بروزًا في سد فجوة تمويل المناخ في إفريقيا، نظرًا لندرة التمويل العام – مع تفاقم ميزانيات الحكومات بسبب جائحة COVID-19 وغزو روسيا لأوكرانيا، لكن ذلك سيتطلب أيضًا تحولات في الاستثمارات الحالية والمخططة من التقنيات إلى العمل المناخي.
كما يتطلب تعبئة تجمعات رأس المال الكبيرة مثل صناديق التقاعد وصناديق الثروة السيادية التي تمتلك حاليًا أكثر من 700 مليار من الأصول الخاضعة للإدارة في إفريقيا، تكمن الفرص الهائلة أيضًا في تسخير قدرة إفريقيا الكبيرة والمتزايدة على الابتكار، حيث يقوم رواد الأعمال في الاقتصاد الأخضر بتطوير حلول مناخية في شكل نماذج أعمال ومنتجات مالية جديدة.
مبادرة غير مسبوقة لتشجيع الاستثمار
أعلنت الرئاسة المصرية لمؤتمر COP27 عن مبادرة غير مسبوقة لتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالعمل المناخي ووضع مشروعات المناخ وفرص الاستثمار فيها على طاولة واحدة مع المستثمرين ومنظمات التمويل الدولية وبنوك التنمية وغيرها من الجهات الفاعلة بغرض البدء الفعلي في تنفيذ المشروعات التي من شأنها تحقيق أهداف العمل المناخي.

تتضمن المبادرة المصرية عقد خمس منتديات إقليمية كبرى، بدأت بالمنتدى الخاص بإفريقيا في أديس أبابا بوصفها مقر لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا الذي عُقد في الفترة من 2 إلى 4 أغسطس، ويستهدف المنتدى حشد التمويل وضمان تدفق الاستثمارات لبناء نظام بيئي في إفريقيا قادر على الصمود في مواجهة التغير المناخي، إلى جانب دفع أجندات أفريقيا للتنمية 2030 و2060 إلى الأمام، وإيجاد حلول مناخية واقتصادية صديقة للبيئة بما يساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ككل في أفريقيا، وزيادة أوجه الاستفادة من سوق الكربون الأفريقي، وإزالة معوقات مقايضة الديون المتعلقة بالعمل المناخي وإجراءات التكيف مع آثار التغير المناخي، وتعزيز التعاون بين القطاعات والدول المختلفة لإدارة مخاطر العمل المناخي والتحول إلى الاقتصاد الأخضر.





