أخبارالمدن الذكيةالاقتصاد الأخضر

البلاستيك الأسود المعاد تدويره يطلق 84 مادة كيميائية.. مخاطر خفية في أدوات المطبخ

من أدوات المطبخ إلى أجنة الأسماك.. مواد كيميائية تتسرب من البلاستيك الأسود المعاد تدويره

قد تبدو إعادة تدوير البلاستيك خطوة ضرورية للحد من النفايات، لكن دراسة جديدة تكشف جانبًا أقل وضوحًا من المشكلة: المواد الكيميائية التي يمكن أن تبقى داخل البلاستيك بعد استخدامه الأول، ثم تنتقل إلى المنتجات المصنوعة منه بعد إعادة تدويره.

وأظهرت دراسة أجراها باحثون من جامعة غوتنبرغ في السويد أن حبيبات البلاستيك الأسود المعاد تدويره أطلقت 84 مادة كيميائية مختلفة في الماء خلال 48 ساعة.

وعند تعريض أجنة أسماك الزيبرا لهذه المياه، تغير نشاط مجموعة من الجينات المرتبطة بتكوين الخلايا الدهنية والتمثيل الغذائي للدهون والإشارات الهرمونية.

لكن الباحثين يؤكدون أن هذه التغيرات الجينية تمثل إشارة جزيئية مبكرة وليست دليلًا بحد ذاتها على حدوث إصابة أو مرض، كما لم تتأثر معدلات البقاء أو الفقس أو سلوك السباحة لدى الأسماك في التجارب.

وتكتسب النتائج أهمية لأن الحبيبات التي اختبرها الباحثون تمثل المادة الخام التي يمكن أن تستخدمها المصانع لإنتاج أدوات سوداء مثل الملاعق والملاعق المسطحة وأوعية الطعام الجاهز وحاويات التخزين.

ونُشرت الدراسة في Journal of Hazardous Materials.

البلاستيك الأسود المعاد تدويره

حبيبات بلاستيكية من 3 دول

كان فريق جامعة غوتنبرغ قد فحص هذه الحبيبات في دراسة سابقة باستخدام مذيبات كيميائية بدلًا من الماء، ووجد ما بين 123 و190 مركبًا في الحبيبات السوداء.

وكان البلاستيك الأسود يحمل عددًا من المواد الكيميائية أكبر من الألوان الأخرى في مجموعة البيانات السابقة.

ويربط الباحثون ذلك، جزئيًا، بمسارات إعادة تدوير النفايات الإلكترونية، وهي مسارات سبق أن أثارت مخاوف بشأن انتقال مثبطات اللهب إلى المنتجات البلاستيكية السوداء، بما فيها بعض أدوات المطبخ.

واستخدمت الدراسة الجديدة حبيبات من الهند ونيجيريا وتايوان، وخلط الباحثون كميات متساوية منها.

ووضع الفريق الحبيبات في الماء عند درجة حرارة تقارب 22 درجة مئوية لمدة 24 أو 48 ساعة، وبتركيزين بلغ أحدهما 10 جرامات من البلاستيك لكل لتر من الماء، والآخر 30 جرامًا لكل لتر.

ويعادل وزن 10 جرامات تقريبًا وزن زجاجة مياه بلاستيكية واحدة، بعد ذلك فصل الباحثون الحبيبات باستخدام مرشح من النايلون، ووضعوا المياه الناتجة في أطباق تحتوي على أجنة سمك الزيبرا التي كان عمرها نحو 3 ساعات.

وضم كل اختبار 30 جنينًا، وتكررت التجارب على مدى 3 أسابيع منفصلة.

84 مادة كيميائية خرجت إلى الماء

أجرى التحليل الكيميائي فريق بقيادة إريك كارمونا من مركز هلمهولتز للأبحاث البيئية في لايبزيغ بألمانيا، وحدد الباحثون 84 مركبًا في المياه الناتجة بعد 48 ساعة من التعرض.

وكان 80 مركبًا من هذه المواد موجودًا بالفعل بعد 24 ساعة، ولكن بتركيزات أقل، بينما بلغ متوسط الزيادة في تركيز المواد بين نقطتي القياس نحو 3 أضعاف.

وضمت المواد المكتشفة:

  •  19 مبيدًا حشريًا أو زراعيًا.
  •  12 مادة دوائية.
  •  10 مواد كيميائية صناعية تستخدم في منشآت البتروكيماويات.

ومن بين المواد التي ظهرت في المياه عقار ترامادول المسكن للألم، والذي لم يُكتشف بعد 24 ساعة، لكنه ظهر بعد 48 ساعة بتركيز بلغ 210 نانوجرامات لكل لتر.

كما ارتفع تركيز مبيد الأعشاب أميتـرين من 78 إلى 328 نانوجرامًا لكل لتر خلال الفترة نفسها، بينما زاد تركيز طارد الحشرات DEET بأكثر من الضعف.

مواد ملدنة ومثبطات لهب

لم تقتصر المواد المتسربة على مبيدات أو أدوية ربما وصلت إلى البلاستيك خلال استخدامه الأول.

فقد وجد الباحثون أيضًا إضافات بلاستيكية، من بينها مادة DCHP التابعة لمجموعة الفثالات، والملدن البديل DINCH.

وطُرح DINCH في الأسواق باعتباره بديلًا أكثر أمانًا لبعض الفثالات المحظورة، لكن دراسات لاحقة على أسماك الزيبرا ربطته أيضًا باضطرابات في الإشارات الهرمونية.

كما وجد الباحثون مثبطًا للهب هو tri(butoxyethyl)phosphate، وكان من بين أكثر المركبات وفرة في المياه.

أما أكبر مساهم منفرد في الحمل الكيميائي فكان N-ethyl-o-toluenesulfonamide، وهي مادة تستخدم في الطلاءات وأحبار الطباعة ومستحضرات التجميل.

بلغ تركيز هذه المادة نحو 29 ميكروجرامًا لكل لتر، بينما بلغ مجموع المواد التي تمكن المختبر من قياسها نحو 32 ميكروجرامًا لكل لتر.

ويرجح الباحثون أن المبيدات والأدوية والمبيدات الحيوية وصلت إلى البلاستيك خلال فترة استخدام المنتجات الأصلية، قبل أن يتم تقطيع البلاستيك وإذابته وإعادة تشكيله.

وقال إريك كارمونا إن النتائج تمثل دليلًا إضافيًا على تعقيد تدفقات النفايات البلاستيكية خلال عمليات إعادة التدوير.

البلاستيك الأسود المعاد تدويره

تغيرات في جينات الدهون والهرمونات

بعد مرور 120 ساعة، استخلص الباحثون الحمض النووي الريبي (RNA) من الأجنة وقاسوا نشاط 13 جينًا.

كان 8 من هذه الجينات مرتبطًا بتكوين الخلايا الدهنية واستقلاب الدهون، بينما ارتبطت الجينات الخمسة الأخرى بالإشارات الهرمونية، بما في ذلك مستقبلات هرمونات الإستروجين والأندروجين والغدة الدرقية.

ولم تُظهر معظم المعالجات تغيرات قابلة للقياس، فالمياه الناتجة بعد 24 ساعة، سواء عند التركيز المنخفض أو المرتفع، لم تغير نشاط الجينات الـ13.

كما لم يُحدث التعرض لمياه الـ48 ساعة بتركيز 10 جرامات لكل لتر تغيرًا في معظم الجينات، باستثناء جين واحد.

لكن النتائج اختلفت عند أعلى تركيز، أي المياه الناتجة بعد 48 ساعة من التعرض لـ30 جرامًا من البلاستيك لكل لتر.

وأظهرت الدراسة ارتفاع نشاط tmem18، وهو جين ارتبط في البشر بمخاطر السمنة، إلى جانب جين lipoprotein lipase وثلاثة جينات مرتبطة ببروتينات ربط الأحماض الدهنية.

كما ارتفع نشاط جين مستقبل الإستروجين عند كلا تركيزي التعرض لمدة 48 ساعة.

أما مستقبل الأندروجين فقد أظهر اتجاهًا نحو الارتفاع، لكنه لم يصل إلى مستوى الدلالة الإحصائية، في حين لم تتغير مستقبلات هرمونات الغدة الدرقية.

وقالت الباحثة الرئيسية أزورا كونيج كاردجار، إن قصر فترات تسرب المواد الكيميائية والتعرض لها يمثل مؤشرًا إضافيًا على أهمية المخاطر المحتملة، مضيفة أن التأثيرات المقاسة يمكن أن تغير فسيولوجيا الأسماك وصحتها.

الأجنة بدت طبيعية رغم التغيرات الجينية

رغم التغيرات التي رصدها الباحثون على مستوى نشاط بعض الجينات، لم تظهر الأجنة علامات واضحة على الضرر.

فقد تجاوزت معدلات البقاء والفقس 90% في جميع المجموعات، بينما بقيت التشوهات الخلقية أقل من 10%، بما في ذلك المجموعة الضابطة.

وأجرى الفريق أيضًا اختبارًا منفصلًا للسباحة، قارن فيه بين اليرقات التي تعرضت لمياه ناتجة عن البلاستيك المعاد تدويره وتلك التي تعرضت لمياه ناتجة عن حبيبات بولي إيثيلين جديدة.

ولم يجد الباحثون اختلافًا في المسافات التي قطعتها اليرقات أو عدد مرات حركتها.

ويؤكد الباحثون أن تغير نشاط الجينات لا يعني تلقائيًا حدوث إصابة أو ضرر صحي.

كما أن أياً من المواد الكيميائية المنفردة التي قاستها الدراسة لم يصل إلى تركيز معروف بأنه يسبب تأثيرًا بمفرده في الظروف المختبرة.

والأهم أن الأسماك تعرضت إلى مزيج من 84 مادة كيميائية في الوقت نفسه، ما يجعل تقييم التأثير المشترك لهذه المواد أكثر تعقيدًا.

البلاستيك الأسود المعاد تدويره

لماذا تثير النتائج مخاوف بشأن أدوات المطبخ؟

الدراسة لم تختبر ملاعق أو أوعية طعام سوداء جاهزة للاستخدام، وإنما اختبرت الحبيبات البلاستيكية التي تمثل المادة الخام التي تصل إلى المصنع قبل تشكيلها في المنتجات النهائية.

لكن أهمية هذه النتائج ترتبط بوجود أدلة أخرى على المواد الكيميائية في المنتجات البلاستيكية السوداء الملامسة للطعام.

ففي دراسة أجريت عام 2024 بقيادة منظمة Toxic-Free Future، اكتُشفت مثبطات لهب مبرومة في ملاعق سوداء وأوعية للسوشي ومنتجات أخرى ملامسة للطعام كانت معروضة للبيع في الولايات المتحدة.

وربط الباحثون وجود بعض هذه المواد بالبلاستيك الناتج عن إعادة تدوير الأجهزة الإلكترونية.

وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى مشكلة أساسية في إعادة تدوير البلاستيك: قد لا يعرف المصنع أو المستخدم النهائي جميع المواد الكيميائية الموجودة في دفعة البلاستيك المعاد تدويره.

مشكلة إعادة التدوير بلا سجل كيميائي

تقدر الدراسة حصة النفايات البلاستيكية التي يعاد تدويرها عالميًا بنحو 9% وفق بيانات تعود إلى عام 2019.

وتسعى الحكومات إلى زيادة هذه النسبة، فيما تستهدف بعض السياسات الوصول إلى معدلات إعادة تدوير تصل إلى 60%، لكن البلاستيك لا يتكون من مادة واحدة.

فأكثر من 16 ألف مادة كيميائية تدخل في تصنيع المنتجات البلاستيكية، ويُعرف عن نحو 4200 منها أنها تحمل خصائص خطرة، وفق الأرقام التي استشهدت بها المادة.

وفي المقابل، لا تخضع معظم هذه المواد لنظام تتبع شامل بعد خروج المنتج من المصنع.

وهذا يعني أن منشآت إعادة التدوير قد لا تمتلك المعلومات اللازمة لتحديد المواد الكيميائية التي تحتوي عليها النفايات البلاستيكية قبل إعادة إدخالها في دورة الإنتاج.

وتقول الباحثة بيثاني كارني ألمروث، أستاذة علم السموم البيئية في جامعة غوتنبرغ والباحثة الرئيسية في الدراسة، إن هذه المشكلة تمثل أحد التحديات الأساسية لفكرة إعادة تدوير البلاستيك.

نحو تتبع المواد الكيميائية في البلاستيك

نُشرت الدراسة في يونيو 2025، في وقت كانت فيه المفاوضات الدولية بشأن معاهدة عالمية لمكافحة التلوث البلاستيكي تقترب من جولتها النهائية المقررة في جنيف.

ودعا الباحثون إلى فرض حظر أو قيود على المواد الكيميائية الخطرة المستخدمة في البلاستيك، إلى جانب إلزام الشركات بتقديم معلومات عن المواد الكيميائية عبر سلسلة التوريد.

لكن جلسة التفاوض التي عقدت في جنيف بين 5 و14 أغسطس 2025 انتهت من دون التوصل إلى معاهدة عالمية.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن زيادة معدلات إعادة تدوير البلاستيك لا تتعلق فقط بكمية البلاستيك التي يمكن استعادتها من النفايات، وإنما أيضًا بقدرة الأنظمة على معرفة ما الذي يوجد داخل البلاستيك قبل إعادة استخدامه.

فمن دون معلومات كافية عن التركيب الكيميائي للنفايات البلاستيكية، تظل هناك صعوبة في ضمان أن المواد المعاد تدويرها لن تعيد إدخال مواد خطرة إلى منتجات جديدة.

إعادة التدوير تحتاج إلى شفافية كيميائية

لا تعني نتائج الدراسة أن جميع المنتجات المصنوعة من البلاستيك الأسود المعاد تدويره خطرة، ولا تثبت أن استخدام هذه المنتجات يسبب أضرارًا صحية للإنسان.

لكنها تكشف تحديًا مهمًا في مسار إعادة تدوير البلاستيك: المادة المعاد تدويرها قد تحمل معها تاريخًا كيميائيًا من الاستخدامات السابقة، في حين لا يكون هذا التاريخ معروفًا بصورة كاملة لمن يعيد تصنيعها.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما تدخل المواد الكيميائية في منتجات ملامسة للطعام أو في منتجات تستخدم في درجات حرارة مرتفعة.

ولهذا، يرى الباحثون أن تطوير إعادة تدوير آمنة للبلاستيك يتطلب إلى جانب رفع معدلات التدوير، تحسين تتبع المواد الكيميائية، ووضع قيود أكثر صرامة على المواد الخطرة، وتعزيز الشفافية عبر سلسلة التوريد.

فالهدف من الاقتصاد الدائري لا ينبغي أن يكون إبقاء البلاستيك داخل دورة الإنتاج فحسب، وإنما ضمان ألا تنتقل معه مواد كيميائية غير معروفة أو خطرة من منتج إلى آخر.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة