أخبارالطاقةتغير المناخ

لأول مرة.. اكتشاف الميثانول الثقيل بالكامل في الفضاء حول نجم حديث الولادة

اكتشاف كوني جديد يكشف أسرار الكيمياء في المراحل الأولى لتكوّن النجوم والكواكب

رصد علماء الفلك، للمرة الأولى، جزيئات الميثانول الثقيل بالكامل في الفضاء، بعدما اكتشفوا هذا الشكل النادر من المركبات الكيميائية حول نجم حديث الولادة يقع على بُعد نحو ألف سنة ضوئية من الأرض، داخل سحابة برشاوس الجزيئية.

وجاء الاكتشاف باستخدام مصفوفة أتاكاما المليمترية وتحت المليمترية الكبيرة «ألما» (ALMA) في تشيلي، ليكشف عن وفرة من هذا المركب تفوق بكثير ما تتوقعه النماذج الكيميائية الحالية، ويفتح تساؤلات جديدة بشأن التفاعلات التي تحدث خلال المراحل الأولى من تكوّن النجوم والكواكب.

ويتميز هذا الشكل من الميثانول باستبدال ذرات الهيدروجين الأربع في تركيبه بنظير الهيدروجين الأثقل، المعروف باسم الديوتيريوم، ويُعبَّر عن المركب بالصيغة الكيميائية CD₃OD، ويُعرف باسم الميثانول كامل الديوتيريوم.

ونُشرت الدراسة في مجلة «Astronomy & Astrophysics» العلمية.

وقاد أرنو بيلوش، من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في مدينة بون الألمانية، فريق البحث الذي نُشرت نتائجه في مجلة «Astronomy & Astrophysics»، بمشاركة 15 باحثًا من ثماني دول، بينها ألمانيا وفرنسا وكوريا الجنوبية وتايوان واليابان.

الديوتيريوم.. نظير نادر يكشف تاريخ الجزيئات

الديوتيريوم أحد نظائر الهيدروجين، ويحتوي على بروتون ونيوترون في نواته، بينما تحتوي نواة الهيدروجين الأكثر شيوعًا على بروتون واحد فقط. ويمنحه هذا النيوترون كتلة أكبر، من دون أن يغير تصنيفه عنصرًا من عناصر الهيدروجين.

ورغم ندرته، فإن الديوتيريوم يؤدي دورًا مهمًا في دراسة الكيمياء الكونية؛ إذ تشير بيانات الدراسة إلى وجود نحو 1.6 ذرة ديوتيريوم لكل 100 ألف ذرة هيدروجين في قرص مجرتنا.

لكن الظروف تختلف داخل السحب الجزيئية الكثيفة والباردة التي تتشكل فيها النجوم، حيث يمكن أن ترتفع نسبة الجزيئات المحتوية على الديوتيريوم إلى مستويات تفوق كثيرًا ما يُتوقع استنادًا إلى وفرته العامة.

ووفقًا لجمعية ماكس بلانك، تتشكل هذه الجزيئات في ظروف شديدة البرودة خلال المراحل المبكرة من تكوّن النجوم، ولذلك يمكن أن تحتفظ بآثار كيميائية تساعد العلماء على فهم ما حدث في تلك المرحلة.

وقد استخدم الباحثون الديوتيريوم من قبل لدراسة تاريخ الماء في الأنظمة الكوكبية؛ إذ ساعد تحليل الماء الثقيل في تحديد خصائص الماء الموجود في أنظمة نجمية أخرى، كما استُخدمت نسب الديوتيريوم إلى الهيدروجين لاختبار مدى التشابه بين مياه بعض المذنبات ومياه محيطات الأرض.

وتمنح هذه القياسات العلماء وسيلة لدراسة الظروف الكيميائية التي سبقت تكوّن الكواكب، بدلًا من الاكتفاء برصد حالتها الحالية.

كيف يتشكل الميثانول في الفضاء؟

الميثانول أبسط أنواع الكحولات، ويُعرف على الأرض باستخداماته الصناعية، لكنه يتشكل أيضًا في البيئات بين النجمية.

ولا يتكون الميثانول في الفضاء بالطريقة نفسها التي يُنتج بها صناعيًا على الأرض؛ إذ تنشأ جزيئاته على أسطح حبيبات الغبار الدقيقة المغطاة بطبقات من الجليد داخل السحب الجزيئية الباردة، قبل أن يبدأ النجم في الإضاءة.

ومع ارتفاع درجة الحرارة المحيطة بفعل النجم الناشئ، تتحرر جزيئات الميثانول وغيرها من المركبات من الجليد إلى الحالة الغازية، فتُصبح قابلة للرصد باستخدام التلسكوبات الراديوية.

وتتيح مصفوفة «ألما»، التي تضم مجموعة من الهوائيات الراديوية في صحراء أتاكاما بتشيلي، تحليل الإشارات الصادرة عن هذه الجزيئات وتحديد هويتها الكيميائية.

وقالت سيلفيا سبيتسانو، الباحثة في معهد ماكس بلانك للفيزياء خارج الأرض، والمؤلفة الثانية للدراسة، إن قياس نسب الديوتيريوم يتيح تتبع التطور الكيميائي للجزيئات خلال تكوّن النجوم والكواكب.

وسبق للعلماء رصد أشكال من الميثانول تحتوي على ذرة واحدة من الديوتيريوم منذ عام 1988، ثم اكتُشفت لاحقًا أشكال تحتوي على ذرتين وثلاث ذرات منه حول النجم الفتي «IRAS 16293-2422».

وفي عام 2023، تمكن فريق مختبري بقيادة الباحث فاسيلي إيلوشين من قياس الإشارة الطيفية للميثانول كامل الديوتيريوم، وبدأ البحث عن هذا المركب في النظام النجمي نفسه.

كما بحثت أودري كوتان وزملاؤها عن المركب حول النجم الفتي «BHR71-IRS1». ورصد الفريقان إشارات محتملة، لكن البيانات لم تكن كافية لتأكيد وجوده بصورة قاطعة.

رصد 11 نجمًا ناشئًا.. واكتشاف واحد

جاء الاكتشاف الجديد ضمن برنامج «COMPASS»، الذي استخدم تلسكوب ألما لدراسة 11 نجمًا ناشئًا قريبًا، تتشابه بعض خصائصها مع خصائص الشمس في مراحلها الأولى.

واستغرق الرصد أكثر من 100 ساعة باستخدام المصفوفة، التي يمكن أن يصل عدد هوائياتها العاملة معًا إلى 66 هوائيًا، وفقًا للمرصد الوطني لعلم الفلك الراديوي في الولايات المتحدة.

ويقود البرنامج ييس يورغنسن، الأستاذ في معهد نيلز بور بجامعة كوبنهاجن، بالتعاون مع باحثين من مؤسسات علمية دولية، من بينها المرصد الوطني لعلم الفلك الراديوي وجامعتا برن وتولوز وجامعة سيول الوطنية.

وأوضح يورغنسن أن أحد الأسئلة المهمة يتمثل في كيفية تأثير المكونات الكيميائية التي تتشكل في هذه المراحل المبكرة في ظروف الكواكب الناشئة، وربما في الظروف المرتبطة بنشأة الحياة عليها.

ونُشرت النتائج الأولى للبرنامج في سبع أوراق بحثية بالتزامن، في إطار مسعى أوسع لفهم التركيب الكيميائي للأنظمة النجمية الفتية.

وسبق أن رصد تلسكوب ألما نظائر نادرة للميثانول في قرص يحيط بنجم ناشئ، لكن اكتشاف الشكل كامل الديوتيريوم يمثل خطوة إضافية في تتبع الأنواع الكيميائية الموجودة في البيئات التي تتشكل فيها النجوم والكواكب.

نجم ناشئ في سحابة برشاوس

ظهر الميثانول الثقيل حول النجم الناشئ «IRAS4A2»، وهو أحد نجمين فتيين يشكلان معًا النظام المعروف باسم «IRAS4A»، داخل منطقة تشكل النجوم «NGC 1333» في سحابة برشاوس الجزيئية.

ووجّه الباحثون تلسكوب ألما نحو هذا النظام خلال الفترة الممتدة من يناير 2023 إلى أغسطس 2024، باستخدام تسعة إعدادات رصد مختلفة، ثم حللوا الطيف الراديوي الصادر عنه بحثًا عن البصمات الطيفية للجزيئات.

وأسفر التحليل عن تحديد عشر إشارات واضحة للميثانول كامل الديوتيريوم، ما أتاح للفريق تأكيد رصد هذا المركب في الفضاء.

وتبلغ درجة حرارة الغاز في المنطقة نحو 200 كلفن، أي قرابة 73 درجة مئوية تحت الصفر.

وتتميز المنطقة المحيطة بالنجم «IRAS4A2» بكثافة الإشارات الجزيئية، إلى درجة أن النموذج الطيفي المستخدم في تحليل بياناتها يضم بالفعل 154 مكونًا جزيئيًا.

كما ارتبط النظام نفسه باكتشاف سابق للأمونيا الثقيلة حول نجم ناشئ، وهو اكتشاف أُعلن عنه عام 2002.

وعندما فحص الفريق النجوم العشرة الأخرى ضمن برنامج الرصد، لم يجد في النتائج الأولية أي دليل على وجود الميثانول كامل الديوتيريوم حولها.

ويشير ذلك إلى أن رصد المركب في هذه العينة اقتصر على «IRAS4A2»، لكنه لا يعني بالضرورة غيابه عن جميع النجوم الناشئة الأخرى في الكون.

وفرة تفوق التوقعات النظرية بنحو 100 مرة

لم يقتصر الاكتشاف على تحديد وجود الميثانول كامل الديوتيريوم، بل كشف أيضًا عن نمط كيميائي لا تتوافق معه النماذج النظرية الحالية بصورة جيدة.

فقد تمكن الفريق من تحديد تسعة أشكال مختلفة من الميثانول تتوافر لها بيانات طيفية مختبرية في قواعد البيانات العامة، بما يشمل الأشكال التي تحتوي على أعداد مختلفة من ذرات الديوتيريوم.

وأظهرت القياسات أن نسبة أشكال الميثانول المحتوية على الديوتيريوم ترتفع كلما زاد عدد ذرات هذا النظير في الجزيء، بمعدلات تتجاوز ما يمكن تفسيره بمجرد الوفرة النسبية للهيدروجين والديوتيريوم.

وتشبه هذه النتيجة نمطًا سبق رصده حول النجم الناشئ «BHR71-IRS1»، بينما أظهر نظام «V883 Orionis»، وهو نجم فتي يشهد نوبات من النشاط المتزايد، وفرة أقل من هذه الأشكال الثقيلة.

وعند مقارنة النتائج بالنماذج الكيميائية السابقة، وجد الباحثون فجوة كبيرة بين التوقعات والقياسات الفعلية.

فأحد النماذج المنشورة عام 2014، بقيادة الباحثة تاكيه وزملائها، قدّر وفرة شكلين من الأشكال الأثقل للميثانول بأقل من القيم المرصودة بنحو 10 إلى 100 مرة.

ووفقًا لبيان جمعية ماكس بلانك، فإن وفرة الميثانول كامل الديوتيريوم في الرصد الجديد تبلغ نحو 100 ضعف ما تتوقعه النماذج النظرية.

وقال بيلوش، إن هذه النتائج تشير إلى احتمال غياب عملية كيميائية أساسية من النماذج المستخدمة حاليًا لتفسير تكوّن جزيئات الميثانول التي تحتوي على أعداد متعددة من ذرات الديوتيريوم.

ويعني ذلك أن العلماء قد يحتاجون إلى إعادة تقييم بعض الافتراضات المتعلقة بالتفاعلات الكيميائية على حبيبات الغبار الجليدية، أو الظروف التي تسمح بتكوين هذه الجزيئات وتراكمها قبل أن تتحرر إلى الغاز.

أسئلة مفتوحة وتجارب مختبرية جديدة

رغم وضوح الإشارات التي رصدها الفريق، لا تزال بعض جوانب النتائج بحاجة إلى مزيد من الدراسة.

فقد رصد الباحثون كمية من الميثانول العادي أقل مما توقعوه، ويرجحون أن الغاز قد يكون موزعًا في تجمعات كثيفة وغير متجانسة، وهو ما قد يؤثر في تقدير الوفرة الفعلية للجزيئات.

ومن شأن الحصول على صور أكثر وضوحًا ودقة مكانية أن يساعد في تحديد توزيع الغاز وفهم الظروف التي تتشكل فيها المركبات المختلفة.

كذلك، لم يتمكن الفريق بعد من البحث بصورة حاسمة عن شكلين إضافيين من الميثانول الثقيل، لأن قواعد البيانات العامة لا تتضمن حتى الآن تنبؤات كافية بالإشارات الطيفية الخاصة بهما.

وقد تكون بعض الخطوط الطيفية غير المعروفة في بيانات «IRAS4A2» مرتبطة بهذين الشكلين، لكن تأكيد ذلك يتطلب قياسات مختبرية إضافية.

ويعمل فريق سبيتسانو في مركز الدراسات الكيميائية الفلكية بمدينة جارشينغ الألمانية على دراسة هذين الشكلين وتحديد خصائصهما الطيفية، بما قد يساعد في التعرف عليهما في الرصد الفلكي مستقبلًا.

وقالت الباحثة جونغ أون لي إن العلماء لا يزالون في بداية استكشاف الإمكانات العلمية الواسعة التي تتيحها مجموعة البيانات الجديدة.

وتفتح النتائج المجال أمام فهم أدق للتفاعلات الكيميائية التي تحدث قبل اكتمال تكوّن النجوم والكواكب، لكنها لا تقدم دليلًا مباشرًا على وجود حياة خارج الأرض.

وتكمن أهميتها في إظهار أن الكيمياء الموجودة في البيئات النجمية الفتية قد تكون أكثر تعقيدًا مما تتنبأ به النماذج الحالية، وأن بعض العمليات المسؤولة عن تكوين الجزيئات الغنية بالديوتيريوم لا تزال غير مفهومة بالكامل.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة