أخبارالاقتصاد الأخضرابتكارات ومبادرات

من أكياس الخبز إلى النفط.. هل يتحول البلاستيك صعب التدوير إلى مصدر جديد للطاقة؟

تحويل البلاستيك إلى زيت.. فرصة لتقليل الحرق أم تأجيل لانبعاثات الكربون؟

مصنع بريطاني يستهدف معالجة 120 ألف طن من الأغلفة البلاستيكية سنويًا وتحويلها إلى زيت بالتحلل الحراري.. لكن الجدل يمتد من جدوى التقنية وانبعاثاتها إلى القواعد القانونية ومصير الوقود الناتج

قد لا تكون الأكياس البلاستيكية الرقيقة التي تغلف الخبز والوجبات الجاهزة مجرد نفايات يصعب التعامل معها؛ إذ يمكن لتقنيات المعالجة الكيميائية أن تحول بعض هذه المخلفات إلى زيت قابل للتكرير، بما يفتح مسارًا بديلًا للتعامل مع أنواع البلاستيك التي لا تناسبها طرق إعادة التدوير التقليدية.

لكن هذه الإمكانية تثير سؤالًا بيئيًا واقتصاديًا مهمًا: هل يمثل تحويل البلاستيك إلى زيت حلًا أفضل من حرقه، أم أنه ينقل جزءًا من التلوث والانبعاثات إلى مرحلة أخرى؟

هذا السؤال يبرز في بريطانيا، حيث حصلت شركة «إندوليس» (Endolys) على موافقة تخطيطية لإنشاء مصنع في دارلينجتون شمال شرقي إنجلترا، تقول الشركة إنه سيكون أول منشأة بريطانية كبيرة مخصصة لإعادة تدوير الأغلفة البلاستيكية بهذه الطريقة.

ويستهدف المشروع معالجة ما يصل إلى 120 ألف طن من المخلفات البلاستيكية سنويًا، تشمل أكياس الخبز والأغلفة والعبوات المرنة، لإنتاج نحو 80 ألف طن من زيت التحلل الحراري.
لكن تشغيل المنشأة يظل مرتبطًا بالحصول على التصريح البيئي المطلوب من وكالة البيئة البريطانية.

ولا يعني ذلك أن التقنية أصبحت حلًا نهائيًا لأزمة البلاستيك؛ فنجاحها يتوقف على كفاءة المعالجة، والطاقة المستخدمة، والتلوث الناتج، وكيفية استخدام الزيت، ومدى قدرتها على منافسة خيارات أخرى لإدارة المخلفات.

كيف يتحول البلاستيك إلى زيت؟

البلاستيك

تعتمد التقنية المعروفة باسم «التحلل الحراري» على تسخين البلاستيك إلى درجات حرارة مرتفعة في غياب الأكسجين أو مع الحد منه بشدة، ما يؤدي إلى تفكك البوليمرات إلى خليط من المنتجات، يشمل الزيت والغاز وبقايا صلبة.

وتختلف هذه العملية عن حرق البلاستيك مباشرة؛ إذ تهدف إلى تفكيك المادة حراريًا بدلًا من إشعالها في وجود الأكسجين.

لكن الزيت الناتج ليس ديزلًا جاهزًا للاستخدام في السيارات أو الشاحنات.
فهو أقرب إلى النفط الخام من حيث حاجته إلى المعالجة، وقد يتطلب التنقية والتكرير لإزالة الملوثات والمواد غير المرغوبة قبل استخدامه في إنتاج الوقود أو بعض المواد الكيميائية.

كما أن بعض أنواع البلاستيك قد تحتوي على أحبار أو بقايا أغذية أو مركبات الكلور، ويمكن أن تنتقل ملوثاتها إلى الزيت الناتج، ما يجعل المعالجة اللاحقة جزءًا أساسيًا من العملية.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين تحويل المخلفات إلى مادة وسيطة يمكن استخدامها صناعيًا، وبين إنتاج وقود نهائي صالح للاستخدام؛ فكل مرحلة لها متطلبات بيئية وتقنية وتكاليف مختلفة.

لماذا يصعب تدوير الأغلفة البلاستيكية؟

الأغلفة البلاستيكية

تُعد الأغلفة والأكياس البلاستيكية المرنة من المواد التي تواجه تحديات في منظومات إعادة التدوير التقليدية، بسبب رقتها وتنوع تركيبتها واحتمال احتوائها على طبقات متعددة من مواد مختلفة.

وقد تتسبب بقايا الطعام والأحبار والمواد المضافة في زيادة صعوبة فرزها ومعالجتها، في حين لا تتوافر في كل المناطق بنية تحتية كافية لجمعها وإعادة تدويرها.

وفي إنجلترا، كان من المقرر توسيع جمع الأغلفة والأكياس البلاستيكية من جميع المنازل بحلول مارس 2027، قبل تأجيل الموعد إلى عام 2030، في ظل تحديات تتعلق بتوافر مرافق المعالجة.
ونتيجة لذلك، ينتهي جزء من هذه المخلفات إلى الحرق أو مسارات أخرى للتخلص منها، بدلًا من إعادة استخدامها في منتجات جديدة.

ويطرح التحلل الحراري خيارًا لمعالجة جزء من هذه النفايات، لكنه لا يلغي الحاجة إلى تحسين جمع البلاستيك وفرزه وتقليل استخدامه من الأصل.

مصنع دارلينجتون.. 120 ألف طن من المخلفات سنويًا

يمثل مشروع دارلينغتون مثالًا على محاولة توسيع استخدام التحلل الحراري لمعالجة البلاستيك المرن الذي يصعب تدويره.

وبحسب المعلومات الواردة في المادة، تستهدف المنشأة استقبال ما يصل إلى 120 ألف طن من المخلفات سنويًا، وإنتاج نحو 80 ألف طن من زيت التحلل الحراري.

وتعكس هذه الأرقام حجمًا صناعيًا ملحوظًا، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على الجدوى البيئية للمشروع.
فالتقييم يتطلب معرفة مقدار الطاقة المستهلكة في جمع المخلفات ونقلها وتسخينها ومعالجة الزيت، وحجم الانبعاثات الناتجة، ونسبة المواد التي تتحول فعلًا إلى منتجات قابلة للاستخدام، ومصير البقايا المتبقية.

كما أن الموافقة التخطيطية لا تعني بالضرورة أن المصنع بدأ التشغيل التجاري أو حقق الإنتاج المستهدف؛ إذ يشير التقرير إلى أن المشروع يحتاج إلى تصريح بيئي قبل المضي في تشغيله.

تجارب دولية بنتائج متفاوتة

لا تزال نتائج مشروعات التحلل الحراري للبلاستيك متفاوتة من دولة إلى أخرى، وهو ما يبرز أهمية تقييم كل مشروع وفق ظروفه التقنية والاقتصادية.

ففي ولاية تكساس الأمريكية، تعالج منشأة تابعة لشركة إكسون موبيل أكثر من 70 ألف طن من النفايات البلاستيكية سنويًا بهذه الطريقة، وفق المادة.

وفي المقابل، لم يصل مصنع للتحلل الحراري في روتردام بهولندا إلى الطاقة الإنتاجية التي كان يستهدفها، رغم وجود اتفاق لتوريد منتجاته إلى شركة شل، ثم أُغلق نهائيًا بحسب المصدر الذي استندت إليه المادة.

وفي اليابان، افتُتحت عام 2025 منشأة تستخدم تقنية مرتبطة بالمعالجة الحرارية للمخلفات البلاستيكية بواسطة الماء الساخن المضغوط، وتبلغ قدرتها المعلنة نحو 20 ألف طن سنويًا.

وتشير هذه الأمثلة إلى أن وجود تقنية قابلة للتطبيق لا يضمن تلقائيًا نجاحها التجاري؛ إذ تتداخل عوامل مثل تكاليف التشغيل، وتوافر المخلفات المناسبة، وجودة المنتج، والتمويل، والقدرة على تأمين أسواق مستقرة للزيت الناتج.

هل يقلل التحلل الحراري التلوث والانبعاثات؟

التحلل الحراري

تستند الحجج المؤيدة للتحلل الحراري إلى إمكانية الاستفادة من بعض المخلفات التي تُحرق حاليًا، وإنتاج مادة يمكن استخدامها في صناعات أخرى بدلًا من التخلص منها مباشرة.

وتشير دراسات استشهدت بها المادة إلى أن التحلل الحراري قد يحقق مزايا بيئية مقارنة بالحرق المباشر في ظروف معينة.

فقد خلصت دراسة إيطالية قارنت بين التحلل الحراري والحرق إلى أن المخاطر الصحية المقدرة في السيناريوهات التي تناولتها كانت منخفضة، بينما أشارت دراسة ألمانية إلى أن تحويل البلاستيك إلى زيت بدلًا من حرقه قد يقلل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المرتبطة بمعالجة النفايات بأكثر من النصف، وقد يصل الخفض إلى 94% في سيناريو يفترض استمرار تحسن نظافة الكهرباء في ألمانيا.

لكن هذه النتائج لا تعني أن كل مصنع للتحلل الحراري أقل تلويثًا بالضرورة من كل محرقة نفايات؛ فالمقارنة تعتمد على حدود الدراسة، ومزيج الطاقة، وكفاءة المنشأة، ونوع المخلفات، وطريقة احتساب الانبعاثات، والاستخدام النهائي للزيت.

وتحتاج التقنية أيضًا إلى طاقة لتسخين البلاستيك، وقد تحرق المنشأة جزءًا من الغاز الناتج لتوفير احتياجاتها التشغيلية. كما ينبغي التعامل مع الملوثات الموجودة في الزيت والبقايا الصلبة، ومراقبة الانبعاثات الصادرة عن مراحل التشغيل المختلفة.

وإذا استُخدم الزيت لاحقًا وقودًا، فإن حرقه سيؤدي إلى إطلاق الكربون الذي يحتوي عليه إلى الغلاف الجوي.
لذلك لا يمكن اعتبار تحويل البلاستيك إلى زيت وسيلة لإزالة الكربون، بل يجب تقييمه بوصفه أحد خيارات إدارة المخلفات والاستفادة منها، مع احتساب الانبعاثات على امتداد دورة الحياة.

هل يمكن أن يساعد في تقليل الاعتماد على واردات النفط؟

النفط

يربط النقاش البريطاني بين إدارة النفايات وأمن الطاقة، لكن حجم المساهمة المحتملة يحتاج إلى وضعه في سياقه الصحيح.

فبحسب المادة، ستنتج منشأة دارلينغتون، إذا حققت هدفها المعلن، نحو 80 ألف طن من زيت التحلل الحراري سنويًا.
ويعادل ذلك قرابة 0.1% من 61 مليون طن من المنتجات النفطية التي استخدمتها المملكة المتحدة في عام 2025، وفق الأرقام الواردة في المصدر.

وهذا يعني أن إنتاج المنشأة وحده لا يمكن أن يحدث تحولًا كبيرًا في اعتماد البلاد على النفط المستورد، كما أن الزيت الناتج ليس بالضرورة مكافئًا مباشرة للمنتجات النفطية النهائية من حيث الاستخدام.

وتزداد أهمية هذه النقطة لأن الشركة، بحسب التقرير، اتفقت على بيع إنتاجها إلى تاجر عالمي لتوريده إلى مصافٍ أوروبية.
وبذلك لا يضمن إنتاج الزيت داخل بريطانيا أن يعود كامل أثره على أمن الطاقة البريطاني؛ فالأمر يعتمد على وجهة المنتج النهائي واستخدامه.

وتشير المادة كذلك إلى أن المخلفات البلاستيكية المتبقية في النفايات الإنجليزية تبلغ نحو 4.2 مليون طن سنويًا. ويطرح كاتب المقال سيناريو افتراضيًا لمعالجة نصف هذه الكمية وتحويلها إلى زيت، مع الاحتفاظ بالمنتج داخل بريطانيا، باعتباره وسيلة محتملة لتوفير جزء إضافي من احتياجات البلاد النفطية.

لكن هذا السيناريو ليس إنتاجًا قائمًا أو نتيجة مضمونة؛ إذ يفترض توافر تقنيات ومرافق قادرة على معالجة كميات ضخمة، وتحقيق مردود مماثل، وتأمين أسواق للمنتج، والاحتفاظ به محليًا، مع مراعاة أن تركيب النفايات البلاستيكية ليس متجانسًا وأن ليس كل البلاستيك مناسبًا لهذه العملية.

معركة القواعد القانونية: هل يُعد الزيت الناتج إعادة تدوير؟

يتجاوز النقاش الجانب التقني إلى تعريف إعادة التدوير نفسه.
فبحسب المقال المنشور في «ذا كونفرسيشن»، تستبعد القواعد التي يستند إليها قانون النفايات البريطاني تحويل المخلفات إلى مواد ستُستخدم وقودًا من تعريف إعادة التدوير.
ويهدف هذا التمييز إلى تشجيع إبقاء المواد في دورة الاستخدام بوصفها مواد، بدلًا من تحويلها إلى طاقة أو وقود.

ومن وجهة نظر الكاتب، وهو باحث قانوني يدرس كيفية تعريف إعادة التدوير في التشريعات، فإن القواعد الحالية قد لا تمنح مساحة كافية لتجربة حلول لبعض أنواع البلاستيك التي يصعب تدويرها بالوسائل التقليدية.

ويقترح إعادة النظر في التعامل مع المخلفات البلاستيكية التي لا تتوافر لها بدائل عملية لإعادة التدوير المادي، بما يتيح تقييم خيارات التحويل إلى زيت في حالات محددة.

غير أن هذا الطرح يمثل رأيًا تحليليًا للكاتب، وليس إجماعًا علميًا على أن تحويل البلاستيك إلى وقود ينبغي أن يُصنف إعادة تدوير.
كما أن تغيير التعريف القانوني وحده لا يضمن تحسن الأداء البيئي؛ بل ينبغي أن ترتبط أي سياسة جديدة بمعايير واضحة للانبعاثات، وكفاءة الموارد، وإدارة البقايا، والاستخدام النهائي للمنتج.

هل التحويل إلى وقود أفضل من إعادة تصنيع البلاستيك؟

لا ينبغي وضع إعادة التدوير المادي والتحويل الكيميائي إلى زيت في مرتبة واحدة دون النظر إلى نوع المخلفات والنتيجة النهائية.

فعندما يمكن إعادة تدوير البلاستيك إلى منتجات جديدة بجودة مقبولة وبأثر بيئي مناسب، فإن إبقاء المادة في دورة الاستخدام قد يكون أفضل من تحويلها إلى وقود يُحرق لاحقًا.

أما المخلفات التي يصعب تدويرها ماديًا، فقد يتيح التحلل الحراري خيارًا إضافيًا، لكن جدواه يجب أن تُقارن ببدائل أخرى تشمل تحسين الفرز، وتقليل التغليف غير الضروري، وإعادة الاستخدام حيثما أمكن، واسترداد الطاقة أو التخلص الآمن من النفايات وفق المعايير البيئية.

وتظل الأولوية الأوسع هي الحد من إنتاج المخلفات البلاستيكية من البداية، بدلًا من الاعتماد على تقنيات المعالجة وحدها للتعامل مع كميات تتزايد باستمرار.

من الاقتصاد الدائري إلى تقييم دورة الحياة

الاقتصاد الدائري
الاقتصاد الدائري

تسلط القضية الضوء على تحدٍّ أساسي في الاقتصاد الدائري: ليس كل تحويل للنفايات إلى منتج جديد يحقق النتيجة البيئية نفسها.

فالحكم على التحلل الحراري يحتاج إلى تقييم دورة الحياة، بدءًا من جمع المخلفات ونقلها، مرورًا بالطاقة والمواد المستخدمة في المعالجة، ووصولًا إلى تنقية الزيت واستخدامه النهائي والتعامل مع البقايا.

ويجب كذلك قياس الانبعاثات والملوثات الفعلية للمنشآت، ومقارنتها بالبدائل الواقعية المتاحة، لا بمجرد افتراض أن تحويل البلاستيك إلى زيت أفضل تلقائيًا من الحرق.

الخلاصة: يمكن للتحلل الحراري أن يوفر مسارًا للتعامل مع بعض أنواع البلاستيك التي يصعب تدويرها، وربما يقلل الأثر البيئي مقارنة ببعض طرق التخلص التقليدية في ظروف محددة. لكنه ليس حلًا شاملًا لأزمة البلاستيك، ولا وسيلة لإزالة الكربون، ولا ضمانة مستقلة لأمن الطاقة. ويتوقف نجاحه على أدلة بيئية موثوقة، وتنظيم قانوني دقيق، وشفافية بشأن الانبعاثات، وإعطاء الأولوية لتقليل النفايات وإعادة استخدام المواد وتدويرها حيثما أمكن.

مقال تحليلي للباحث القانوني روبرت هارجريفز، نشرته منصة «ذا كونفرسيشن» وأعادت نشره Phys.org.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة