اكتشاف بروتين يتحكم في حرق السعرات الحرارية.. ما علاقة دهون الجسم البنية بالساعة البيولوجية؟
عندما يتحول الدهن إلى مصدر للحرارة.. بروتين يكشف سرًا جديدًا في استهلاك الطاقة
كشف باحثون عن دور بروتين يُعرف باسم SLC25A34 في تنظيم حرق الطاقة داخل الخلايا الدهنية، من خلال آلية تربط بين الساعة البيولوجية للجسم ودرجة الحرارة والنظام الغذائي، في اكتشاف قد يفتح مسارًا جديدًا لفهم اضطرابات التمثيل الغذائي والسمنة.
وأظهرت دراسة نُشرت في دورية Science أن هذا البروتين يؤدي دورًا مهمًا في تنظيم عمليتي تصنيع الدهون وحرقها داخل الخلايا الدهنية البنية، وهي خلايا متخصصة في استهلاك الطاقة لإنتاج الحرارة بدلًا من تخزينها فقط.
وفي تجارب على الفئران والخلايا، أدى خفض مستويات البروتين إلى تراجع قدرة الخلايا على استهلاك الوقود وإنتاج الطاقة. كما أظهرت اختبارات على خلايا دهنية بشرية نتائج تشير إلى أهمية البروتين في عملية التمثيل الغذائي.
ومع ذلك، لا تعني النتائج اكتشاف علاج جاهز للتخسيس أو وسيلة مثبتة لزيادة حرق السعرات لدى البشر؛ إذ لا تزال الآلية بحاجة إلى مزيد من الدراسة، ولم تثبت التجارب أن زيادة نشاط هذا البروتين تؤدي إلى فقدان الوزن لدى الإنسان.
الدهون البنية.. مصنع الجسم لإنتاج الحرارة
يحتوي جسم الإنسان على أنواع مختلفة من الأنسجة الدهنية، تختلف وظائفها عن بعضها.
فالدهون البيضاء تخزن الطاقة الزائدة، بينما تتميز الدهون البنية بوفرة الميتوكوندريا، وهي تراكيب داخل الخلايا مسؤولة عن عمليات إنتاج الطاقة، وتساعد على تحويل الطاقة الكيميائية إلى حرارة، خصوصًا عند التعرض للبرد.
ولا يعمل هذا النسيج بالمعدل نفسه طوال اليوم؛ إذ تتغير أنشطته وفقًا للساعة البيولوجية، كما يمكن أن تتأثر بالبرودة وتناول الطعام الغني بالدهون.
لكن السؤال الذي حاول الباحثون الإجابة عنه هو: كيف تستطيع الخلايا الدهنية البنية دمج هذه الإشارات المختلفة، بحيث تحافظ على إيقاع يومي منتظم، وفي الوقت نفسه تستجيب سريعًا عندما تتغير احتياجات الجسم؟
قاد البحث زاك جيرهارت هاينز، من مركز مؤسسة نوفو نورديسك لأبحاث التمثيل الغذائي الأساسي بجامعة كوبنهاجن، بالتعاون مع باحثين من مؤسسات علمية متعددة.
وبعد تحليل بيانات جينية وبروتينية من الدهون البنية لدى الفئران، حدد الفريق بروتينين استجابا للإشارات المرتبطة بالساعة البيولوجية والبرد. كان الأول هو UCP1، المعروف بدوره في إنتاج الحرارة داخل الدهون البنية، أما الثاني فكان SLC25A34، وهو بروتين لم تكن وظيفته الأيضية واضحة من قبل.

بروتين ارتفعت مستوياته 90 مرة عند التعرض للبرد
يقع بروتين SLC25A34 في الميتوكوندريا، وينتمي إلى عائلة من البروتينات التي تنقل الجزيئات عبر الأغشية الداخلية والخارجية للخلية أو داخل الميتوكوندريا، بحسب نوع البروتين ووظيفته.
وفي التجارب، كانت مستويات البروتين في الدهون البنية لدى الفئران التي عاشت عند درجة حرارة تقارب 29 درجة مئوية منخفضة نسبيًا مقارنة بأنسجة أخرى.
لكن عندما عرّض الباحثون الفئران لدرجة حرارة بلغت 4 درجات مئوية لمدة 24 ساعة، ارتفعت مستويات البروتين في الدهون البنية بنحو 90 مرة.
وبدأ الارتفاع خلال الساعات الثماني الأولى من التعرض للبرد، واستمرت المستويات المرتفعة خلال فترة التجارب التي امتدت إلى ثلاثة أسابيع.
وتشير هذه الاستجابة إلى ارتباط قوي بين البروتين وتنشيط الدهون البنية في ظروف البرد، لكنها لا تعني أن التعرض للبرد وسيلة آمنة أو مناسبة لإنقاص الوزن؛ فالدراسة بحثت آلية بيولوجية في ظروف تجريبية، ولم تختبر برنامجًا علاجيًا لفقدان الوزن لدى البشر.
الساعة البيولوجية تتحكم في توقيت نشاط البروتين
وجد الباحثون أن نشاط الجين المسؤول عن إنتاج البروتين يخضع لتنظيم الساعة البيولوجية، من خلال بروتينات تنظيمية منها REV-ERBα وREV-ERBβ.
وتعمل هذه البروتينات على كبح التعبير الجيني خلال مرحلة النوم، بما يساعد على تنظيم النشاط الأيضي وفقًا للإيقاع اليومي.
وعندما يبدأ الجسم مرحلة النشاط والاستيقاظ، يتراجع هذا الكبح، ما يسمح بعودة التعبير عن الجين. وأظهرت التجارب أن تعطيل بعض عناصر هذه الآلية يغير النمط اليومي لمستويات البروتين.
لكن الساعة البيولوجية ليست العامل الوحيد. فقد استطاع التعرض للبرد تجاوز الكبح المرتبط بتوقيت اليوم، كما شاركت بروتينات تنظيمية أخرى، من بينها PPARα، في الاستجابة للإشارات المرتبطة باستخدام الدهون.
وهكذا، لا يعمل البروتين بوصفه مفتاح تشغيل وإيقاف بسيطًا، بل يمثل نقطة التقاء بين عدة أنظمة تنظم استهلاك الطاقة وفقًا لاحتياجات الجسم والظروف المحيطة به.
كيف يؤثر الطعام والصيام في البروتين؟
لم تقتصر استجابة SLC25A34 على درجة الحرارة والساعة البيولوجية، بل امتدت إلى نوع الغذاء وحالة الصيام.
ففي تجارب على الفئران، أدى النظام الغذائي الغني بالدهون إلى زيادة محدودة في مستويات البروتين داخل الدهون البنية، بينما ارتفعت المستويات بدرجة أكبر مع النظام الكيتوني الذي احتوى على 93% من الدهون وفقًا لتركيبة النظام المستخدم في التجربة.
كما أدى الصيام لمدة 24 ساعة إلى زيادة مستويات البروتين في الدهون البنية والعضلات والقلب، دون تسجيل الاستجابة نفسها في الكبد.
وأظهرت التجارب أيضًا أن الإنسولين، وهو هرمون يؤدي أدوارًا أساسية في تنظيم استخدام المغذيات وتخزينها، استطاع زيادة مستويات البروتين في الخلايا الدهنية البنية.
وقد يبدو أن استجابة البروتين للصيام، الذي يدفع الجسم إلى استخدام مخزون الطاقة، وللإنسولين، الذي يرتبط بتنظيم تخزين المغذيات، تنطوي على تناقض. لكن الخلايا الدهنية البنية تحتاج إلى تنسيق عمليات متعددة في الوقت نفسه، بما فيها تكسير الدهون وتصنيع جزيئات دهنية جديدة.
ومن المهم التأكيد أن هذه النتائج لا تعني أن اتباع نظام غذائي شديد الارتفاع في الدهون أو الصيام لمدة 24 ساعة يزيدان حرق السعرات بصورة مفيدة لدى البشر. فقد أجريت هذه التجارب في ظروف محددة على الفئران والخلايا، ولا يمكن تحويلها مباشرة إلى توصيات غذائية للأشخاص.
لماذا تصنع الخلايا الدهون بينما تحرقها؟
من أبرز النتائج التي توصل إليها الفريق أن الخلايا الدهنية البنية لا تكتفي بتكسير الدهون المخزنة للحصول على الطاقة، بل تصنع أيضًا جزيئات دهنية جديدة في الوقت نفسه.
وتعرف هذه العملية باسم «دورة الدهون»، وهي تجمع بين تصنيع الدهون وتكسيرها، وتتيح للخلايا تنسيق مساراتها الأيضية بما يدعم إنتاج الحرارة واستهلاك الطاقة.
وعندما خفّض الباحثون مستويات SLC25A34 في خلايا الدهون البنية لدى الفئران، انخفض استهلاك الوقود وتراجع تصنيع الدهون الجديدة من السكر. كما نشطت جينات مرتبطة بالالتهاب.
وأدى إضافة الأسيتات، وهو مركب بسيط يمكن للخلايا استخدامه في بناء جزيئات أخرى، إلى تخفيف الانخفاض في حرق الوقود في التجارب الخلوية.
وتدعم هذه النتائج فكرة أن البروتين لا يشارك في مسار منفرد لحرق الدهون، بل يساعد على التنسيق بين عمليات تصنيعها وتكسيرها، بما يحافظ على نشاط الخلايا المنتجة للحرارة.
ما علاقة البروتين بالميتوكوندريا؟
يقترح الباحثون أن SLC25A34 يساعد على نقل مركب يُعرف باسم أوكسالوأسيتات إلى داخل الميتوكوندريا، وهو مركب يشارك في مسارات التمثيل الغذائي وإنتاج الطاقة.
ووفقًا للنموذج الذي طرحه الفريق، يمكن لهذه العملية أن تدعم دورة حمض الستريك داخل الميتوكوندريا، وفي الوقت نفسه تساعد على توفير المواد اللازمة لإنتاج أسيتيل مرافق الإنزيم A، وهو مركب أساسي في تصنيع الدهون وتنظيم عدد من العمليات الأيضية.
وتسهم هذه الآلية المقترحة في تفسير كيفية دعم البروتين لعمليتي تصنيع الدهون وأكسدتها في الوقت نفسه.
لكن الباحثين لم يثبتوا بصورة مباشرة ونهائية أن نقل الأوكسالوأسيتات هو الوظيفة الوحيدة للبروتين أو آليته الكاملة. ولذلك، يظل هذا التفسير نموذجًا مدعومًا بالبيانات التجريبية، يحتاج إلى اختبارات إضافية لتأكيد تفاصيله.
ماذا حدث عندما غاب البروتين عن الدهون البنية؟
لاختبار أهمية البروتين داخل الجسم الحي، أزال الباحثون الجين المسؤول عنه من الدهون البنية لدى ثماني إناث من الفئران، ثم قارنوا استجابتهن بمجموعة ضابطة تضم ثماني فئران من السلالة نفسها.
وبعد إعطاء النورإبينفرين، وهو ناقل كيميائي يستخدمه الجهاز العصبي لتنشيط الدهون البنية، أظهرت الفئران التي تفتقر إلى البروتين انخفاضًا في استهلاك الأكسجين مقارنة بالمجموعة الضابطة.
ويُستخدم استهلاك الأكسجين في هذه الاختبارات مؤشرًا على النشاط الأيضي وإنتاج الطاقة، لكنه لا يساوي وحده قياسًا مباشرًا لمقدار الوزن المفقود.
وتعزز هذه النتيجة الاستنتاج بأن SLC25A34 ضروري للحفاظ على النشاط الأيضي الطبيعي للدهون البنية في الظروف التي اختبرها الباحثون.
ماذا تكشف الخلايا البشرية؟
لم تقتصر الدراسة على الفئران؛ إذ اختبر الباحثون خلايا دهنية بنية بشرية نمت في المختبر من عينات دهون مأخوذة من منطقة عميقة في الرقبة خلال عمليات جراحية للغدة الدرقية في جامعة ديبريسن بالمجر.
وعندما خفّض الفريق مستويات البروتين، تراجع حرق الوقود في الخلايا المأخوذة من ثلاثة من أصل أربعة متبرعين.
وتدعم هذه النتيجة احتمال أن يكون للبروتين دور في التمثيل الغذائي للدهون البنية لدى البشر أيضًا. غير أن عدد العينات البشرية كان محدودًا للغاية، كما أن التجارب أُجريت على خلايا معزولة في المختبر، وليس على أشخاص خضعوا لتدخل علاجي.
ولهذا لا يمكن الجزم بأن التأثير نفسه سيظهر بالدرجة ذاتها داخل جسم الإنسان، أو أن زيادة نشاط البروتين ستؤدي إلى زيادة ملموسة في استهلاك السعرات أو فقدان الوزن.
هل يرتبط البروتين بانخفاض الوزن وتحسن المؤشرات الأيضية؟
في جزء آخر من الدراسة، حلل الباحثون بيانات من 24 دراسة بشرية للبحث عن علاقة بين مستويات SLC25A34 وبعض مؤشرات الصحة الأيضية.
وأظهرت النتائج أن ارتفاع مستويات البروتين في الدهون الموجودة تحت الجلد ارتبط بارتفاع أقل في مؤشر كتلة الجسم وصغر محيط الخصر، إلى جانب انخفاض مقاومة الإنسولين ومستويات بعض الدهون في الدم، وارتفاع مستويات البروتين الدهني عالي الكثافة، المعروف باسم الكوليسترول الجيد.
لكن هذه الارتباطات لم تظهر بالطريقة نفسها في الدهون المتراكمة حول الأعضاء الداخلية.
ويجب التعامل مع هذه النتائج بحذر؛ فالارتباط بين ارتفاع مستويات البروتين ومؤشرات صحية أفضل لا يثبت أن البروتين هو السبب المباشر وراء هذه المؤشرات، ولا يستبعد وجود عوامل أخرى تؤثر في العلاقة بينهما.
كما أن البيانات البشرية لا تثبت أن تناول طعام معين أو التعرض للبرد أو تغيير مواعيد النوم سيؤدي إلى رفع مستويات البروتين بطريقة تحقق نتائج صحية محددة.
هل يمهد الاكتشاف لعلاج جديد للسمنة؟
يرى الباحثون أن فهم كيفية دمج الساعة البيولوجية والحرارة والغذاء في تنظيم نشاط الدهون البنية قد يفتح مجالًا لاستكشاف أهداف علاجية جديدة لأمراض التمثيل الغذائي، بما فيها السمنة والسكري.
وتكمن أهمية هذا المسار في أنه يستهدف آليات تنظيم استهلاك الطاقة داخل الخلايا، بدلًا من التركيز على الشهية أو كمية الطعام وحدهما.
لكن تحويل هذا الاكتشاف إلى علاج يتطلب إثبات آلية عمل البروتين بصورة أكثر اكتمالًا، وتحديد آثار زيادة نشاطه أو تثبيطه في الأنسجة المختلفة، ثم إجراء دراسات سلامة وفعالية على البشر.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن البروتين يوجد في أنسجة أخرى، منها القلب، كما أن وظيفته خارج الدهون البنية لا تزال غير مفهومة بالكامل. وأي تدخل يؤثر في نشاطه قد تكون له نتائج تتجاوز استهلاك الطاقة في الخلايا الدهنية.
كما أشار الباحثون إلى أن بعض المؤلفين لهم صلات بشركات تعمل على تطوير علاجات للسكري والسمنة، وهو أمر يستدعي الإفصاح عنه عند تقييم البحث، لكنه لا يبطل النتائج تلقائيًا.
في المحصلة، تكشف الدراسة عن حلقة جديدة في شبكة تنظيم التمثيل الغذائي، تربط بين الساعة البيولوجية والبرد والطعام وبين تصنيع الدهون وحرقها. أما إمكانية استثمار هذا الاكتشاف في علاج السمنة، فما زالت سؤالًا مفتوحًا يحتاج إلى أبحاث إضافية قبل تقديم أي وعود علاجية.





