أخبارالاقتصاد الأخضرالزراعة

هل يبدأ تحسين محصول القمح من المحصول السابق؟ جينات الفول تكشف فرصة جديدة للمزارعين

تحسين إنتاجية القمح لا يبدأ من بذوره وحدها.. المحصول السابق قد يصنع الفارق

لا يتوقف تأثير المحاصيل الزراعية على كمية الإنتاج التي تحققها خلال موسم نموها، بل قد يمتد إلى المحصول الذي يُزرع بعدها، وهو ما كشفته دراسة حديثة وجدت أن أصنافًا مختلفة من الفول يمكن أن ترفع إنتاجية القمح اللاحق أو تقللها، بما يفتح مجالًا جديدًا أمام برامج تربية النباتات لتحسين إنتاجية المحصولين معًا.

وتشير النتائج إلى أن اختيار الصنف المزروع في الموسم الأول قد يؤثر في أداء المحصول التالي، حتى عندما تكون بذور المحصول الثاني من الصنف نفسه.

وقد اكتشف الباحثون أن بعض المناطق الجينية المرتبطة بارتفاع إنتاجية الفول ارتبطت أيضًا بانخفاض إنتاجية القمح الذي زُرع بعده، في حين بدت مناطق جينية أخرى مفيدة للمحصولين معًا.

لكن النتائج لا تزال أولية من الناحية التطبيقية؛ إذ أُجريت التجربة في موقع واحد خلال موسم واحد، ولم يثبت الباحثون بعد أن التأثير نفسه سيتكرر في بيئات زراعية مختلفة.

وقادت البحث الدكتورة ميليسنت سميث، من تحالف كوينزلاند للابتكار الزراعي والغذائي بجامعة كوينزلاند الأسترالية، ونُشرت الدراسة في دورية Nature Genetics .

تجربة ميدانية اختبرت 309 أنماط وراثية من الفول

يُعد الفول، المعروف أيضًا باسم الماش، من البقوليات التي تُزرع للحصول على بذورها الغنية بالبروتين، وكغيره من أفراد هذه العائلة النباتية، يستفيد من بكتيريا تعيش في جذوره وتساعد على تحويل النيتروجين الموجود في الهواء إلى صور يمكن للنبات استخدامها، وقد يبقى جزء من هذا النيتروجين في التربة بعد حصاده.

وفي يناير 2024، زرع فريق سميث 309 أنماط وراثية مختلفة من الفول الماشي في محطة أبحاث حكومية بجنوب ولاية كوينزلاند الأسترالية، وجاءت نسبة كبيرة من البذور من مجموعة وراثية يحتفظ بها المركز العالمي للخضراوات، وتضم عينات من 19 دولة.

ولضمان أن تكون ظروف التجربة أقرب إلى الحقول الزراعية المعتادة، اتخذ الباحثون خطوة تمهيدية لاستهلاك النيتروجين الزائد الذي قد يتراكم في تربة محطات الأبحاث نتيجة استخدام الأسمدة في تجارب سابقة؛ فزرعوا الذرة الرفيعة ثم الشوفان قبل زراعة الفول الماشي.

وبعد حصاد الفول، ترك الفريق بقايا النباتات في الحقل من دون حرث التربة.

وبعد 23 يومًا، زرع الباحثون صنفًا واحدًا من القمح، هو LongReach Raider، بحيث تطابقت مواقع قطع القمح مع المواقع التي نمت فيها أصناف الفول المختلفة.

ولم يحصل القمح على أسمدة أو ري إضافي، ما أتاح للباحثين مقارنة أدائه في ظل اختلاف المحصول السابق، مع تثبيت صنف القمح وظروف إدارته الأساسية.

اختلاف محصول القمح رغم زراعة الصنف نفسه

تراوحت إنتاجية القمح بين نحو1.05 و1.47 طن للفدان، بما يعادل تقريبًا 2.5 إلى 3.5 أطنان للهكتار، تبعًا لنوع الفول الماشي الذي نُمي في الموقع نفسه خلال الموسم السابق.

ولأن جميع القطع الزراعية زُرعت بصنف القمح ذاته، رأى الباحثون أن الاختلافات تشير إلى تأثير المحصول السابق في ظروف التربة أو خصائصها التي ورثها القمح.

ووفق تقديرات الفريق، فسّرت الاختلافات الجينية بين أصناف الفول الماشي ما بين 43% و65% من التباين في أداء القمح اللاحق.

ويُعرف هذا النوع من التأثير باسم «الأثر المتبقي للمحصول» أو «الأثر الإرثي الزراعي» (Legacy Effect)، ويشير إلى أن المحصول السابق قد يترك تغييرات في التربة والموارد المتاحة للكائنات النباتية، فتنتقل آثارها إلى المحصول التالي.

فالنبات الذي ينمو في الحقل يستهلك المياه والعناصر الغذائية، ويؤثر في المجتمعات الميكروبية الموجودة في التربة، وقد يضيف إليها مركبات أو يغيّر خصائصها. ويمكن لهذه التغييرات أن تؤثر في نمو المحصول التالي وإنتاجيته.

ونُشرت نتائج التجربة أيضًا في ورقة بحثية مصاحبة قادتها شانيس فان هيفتن وستيفاني برونر، فيما تناولت ورقة أخرى كيفية الاستفادة من هذه التأثيرات في برامج تربية محاصيل متعددة.

جينات قد تعزز إنتاج الفول وتضر بمحصول القمح

عند مقارنة النتائج، لاحظ الفريق اتجاهًا لافتًا: أصناف الفول الماشي التي أنتجت كميات أكبر من البذور أعقبها في بعض الحالات محصول قمح أقل إنتاجية.

ودفع ذلك الباحثين إلى فحص الحمض النووي للفول الماشي لتحديد المناطق الجينية المرتبطة بإنتاجية كل من الفول والقمح اللاحق.

وفي إحدى المناطق الجينية، ارتبطت المتغيرات التي دعمت إنتاجية الفول المرتفعة بأكبر التأثيرات السلبية على محصول القمح التالي.

وفي منطقة أخرى، ظهرت متغيرات جينية بدت مفيدة للمحصولين معًا.

وقالت سميث، إن ما فاجأ الفريق هو اكتشاف أن بعض أهم المناطق الجينية المرتبطة بإنتاجية كل محصول كانت تعمل في اتجاهين متعارضين، وهو أمر لم يكن الباحثون على دراية به من قبل.

وأضافت، أن ذلك لا يعني أن مربي النباتات ارتكبوا أخطاء في عملهم، بل إن برامج التربية نجحت في رفع إنتاجية المحصول الذي تستهدفه، لكنها لم تكن بالضرورة تأخذ في الحسبان تأثير الصنف المختار على المحصول الذي يليه.

وتسلط النتائج الضوء على أحد التحديات في تربية المحاصيل: فقد يؤدي الانتخاب لتحسين صفة معينة في نبات ما إلى نتائج غير متوقعة في النظام الزراعي الأوسع، خصوصًا عندما تُزرع المحاصيل بالتتابع في الحقل نفسه.

جذور النباتات والتربة.. تفسيرات محتملة

وجد الباحثون، أن بعض المناطق الجينية المرتبطة بالتأثيرات المتبقية تضم جينات لها صلة بنمو الجذور، ما يثير احتمال أن يكون شكل الجذور أو طريقة نموها أحد العوامل المؤثرة في المحصول اللاحق.

كما أظهرت عينات التربة المأخوذة بعد زراعة عشرة من أصناف الفول الماشي اختلافات في مستويات النترات، وهي صورة من صور النيتروجين التي تستطيع النباتات الاستفادة منها.

ورصد الفريق أيضًا اختلافات في مزيج المركبات الكيميائية التي تطلقها الجذور، إلى جانب اختلافات في المركبات المرتبطة بالكائنات الدقيقة في التربة.

ومع ذلك، لا تزال هذه التفسيرات فرضيات محتملة؛ إذ لم تختبر الدراسة بصورة مباشرة ما إذا كانت اختلافات الجذور أو النترات أو المركبات الكيميائية والميكروبات هي السبب الفعلي وراء اختلاف إنتاجية القمح.

محاكاة حاسوبية تقترح طريقة لتحسين المحصولين

لم يكتف الباحثون بتحليل التجربة الميدانية، بل أجروا محاكاة حاسوبية لنحو 25 جولة من عمليات التربية الوراثية، استنادًا إلى التأثيرات الجينية التي قاسوها في الحقل.

وعندما افترض النموذج اختيار أصناف الفول الماشي على أساس إنتاجيتها وحدها، ارتفع محصول الفول بنسبة 36.9% عبر جولات التربية، لكن إنتاجية القمح الذي يليه انخفضت بنسبة 7.7%.

أما عندما أعطى النموذج وزنًا متساويًا لإنتاجية الفول الماشي والقمح اللاحق، فقد تحققت زيادة في المحصولين معًا، وإن كانت أقل بالنسبة إلى الفول. إذ ارتفعت إنتاجية الفول بنسبة 19.5%، بينما زادت إنتاجية القمح بنسبة 7.6%.

وتشير هذه النتائج المحاكية إلى أن المفاضلة بين إنتاجية المحصولين ليست حتمية، وأن إدراج أثر الصنف المزروع في الموسم الأول ضمن أهداف التربية قد يساعد على تحقيق مكاسب مشتركة بدلًا من تحسين محصول على حساب الآخر.

لكن هذه الأرقام ناتجة عن محاكاة حاسوبية تستند إلى البيانات الجينية والميدانية المتاحة، وليست زيادات تحققت بالفعل في تجارب زراعية ممتدة على 25 موسمًا.

هل يستطيع المزارعون تطبيق النتائج الآن؟

رغم أهمية النتائج، لا تقدم الدراسة في الوقت الحالي توصية مباشرة للمزارعين بشأن اختيار صنف معين من الفول الماشي لزيادة إنتاج القمح في الموسم التالي.

وقالت سميث، إن أي صنف من الفول الماشي لا يُباع حاليًا على أساس تأثيره المتبقي في المحصول التالي، وإن الفريق اختبر الظاهرة في موقع واحد وخلال موسم واحد فقط.

كما استخدمت التجربة صنفًا واحدًا من القمح، وقد تختلف استجابة أصناف القمح الأخرى للمحاصيل السابقة.

وقارن الباحثون إنتاجية القمح بعد أصناف الفول المختلفة بإنتاجيته بعد صنف تجاري من الفول الماشي يُعرف باسم Crystal، لكنهم لم يقارنوا النتائج بحقل لم يُزرع فيه الفول الماشي، ولم يفحصوا الجذور مباشرة.

ويتوقع الباحثون أن تكون التأثيرات المتبقية أكثر وضوحًا في المزارع التي تستخدم كميات محدودة من الأسمدة وتعتمد على الأمطار، في حين قد تتراجع أهميتها عندما تُستخدم الأسمدة بكثافة أو تعيد الأمطار ملء مخزون المياه في التربة بين موسمي الزراعة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية بيئية أيضًا، لأن استخدام الأسمدة يرتبط بانبعاثات أكسيد النيتروز، وهو أحد غازات الدفيئة التي تسهم في تغير المناخ.

تحديات تتجاوز علم الوراثة

قد تواجه الاستفادة من هذه النتائج عقبات مؤسسية واقتصادية، إلى جانب الأسئلة العلمية التي لا تزال بحاجة إلى إجابات.

فمعظم برامج تربية النباتات تعمل على تحسين محصول واحد في كل مرة، من خلال فرق عمل وميزانيات منفصلة، ولذلك، قد يعمل مربو الفول الماشي ومربو القمح بصورة مستقلة، وتظل البيانات التي يجمعها كل فريق منفصلة عن الآخر.

وفي أستراليا، ترتبط عوائد بعض مربي الأصناف الزراعية بأنظمة حقوق الملكية القائمة على إتاوات تُحسب وفق كمية المحصول المنتج.

وقد لا تمنح هذه الأنظمة حافزًا كافيًا للمربي للتضحية بجزء من إنتاجية الفول الماشي إذا كان ذلك سيحسن إنتاجية القمح في الموسم التالي.

وأكدت سميث، أن البحث لا يزال في مرحلة اكتشاف الظاهرة، وأن الخطوات المقبلة تتمثل في اختبار النتائج في مواقع ومواسم إضافية، وفهم الآليات البيولوجية التي تقف وراءها.

وفي انتظار هذه الاختبارات، تطرح الدراسة اتجاهًا جديدًا لتطوير الزراعة: تقييم أصناف المحاصيل ليس فقط وفق ما تنتجه في موسمها، بل أيضًا وفق تأثيرها في التربة وفي المحاصيل التي تأتي بعدها.

وقد يساعد هذا المنظور على تطوير نظم زراعية أكثر كفاءة، شريطة تأكيد النتائج في بيئات مختلفة وتحديد العوامل التي تتحكم في هذا التأثير.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة