تعرف على القرية الأسرع احترارا في العالم.. سبعة أضعاف المتوسط العالمي
إنذار من أقصى الشمال.. التربة المتجمدة تذوب ومياه الشرب تتلوث في سفالبارد
لم يعد تغير المناخ في القطب الشمالي مجرد مشهد لذوبان الأنهار الجليدية وتراجع الغطاء الثلجي؛ ففي لونجييربين، المستوطنة النرويجية النائية في أرخبيل سفالبارد، أصبحت آثاره تمس الاحتياجات الأساسية للسكان، من مياه الشرب إلى سلامة المنازل واستقرار الأرض التي تقوم عليها المباني.
فمع ارتفاع درجات الحرارة بوتيرة تصل إلى سبعة أضعاف المتوسط العالمي في بعض التقديرات المتعلقة بالمنطقة، تتراجع الأنهار الجليدية وتذوب التربة الصقيعية، وهي الأرض التي ظلت متجمدة طوال العام.
ويؤدي هذا التحول إلى سلسلة من المشكلات المتشابكة، تشمل تلوث إمدادات المياه بالمعادن الثقيلة، وتضرر أساسات المباني، وظهور التشققات، وزيادة مخاطر الانهيارات الثلجية والانزلاقات الأرضية.
وفي تطور يعكس حجم الأزمة، حُذر سكان لونغييربين من شرب مياه الصنبور بعد اكتشاف تلوثها بمعادن ثقيلة تسربت من الصخور إلى إمدادات المياه. وأصبح السكان مضطرين إلى ملء حاوياتهم من خزان مركزي للمياه المفلترة داخل أحد المتاجر، بينما تبحث السلطات عن حل مستدام للأزمة.
وتكشف التجربة أن الاحترار السريع لا يغير المشهد الطبيعي وحده، بل قد يفرض إعادة التفكير في البنية التحتية وأنظمة المياه وأساليب البناء، وحتى طريقة إدارة المخاطر في المجتمعات التي اعتادت العيش في ظروف مناخية قاسية.
نهر جليدي يحتضر.. والأمطار تحل محل الثلوج
في منطقة جبلية خارج لونغييربين، يشير عالم الجليد آندي هودسون إلى نهر فوكسفونا الجليدي، الذي اكتسب اسمه من الثعلب القطبي بسبب شكلين جليديين يشبهان أذنيه.
كان النهر الجليدي وجهة مفضلة للمتنزهين خلال الصيف، لكنه يشهد تغيرات متسارعة. ويقول هودسون، الأستاذ في المركز الجامعي في سفالبارد، إن النهر الجليدي «يموت ببطء»، مشيرًا إلى أن سطحه أصبح مقعرًا، في علامة على أنه لم يعد يراكم الثلوج كما كان من قبل.
وتتساقط الأمطار بصورة متزايدة بدلًا من الثلوج في المنطقة، بينما يتراجع سمك الجليد بمعدل يتراوح بين متر وأربعة أمتار سنويًا، وفق تقديرات الباحث.
ولا تقتصر الخسائر على هذا النهر الصغير؛ إذ تشهد الجبهات الجليدية الممتدة إلى البحر تراجعًا سريعًا أيضًا. وخلال العامين السابقين لتقرير «الجارديان»، تراجعت عشر جبهات جليدية بالكامل إلى اليابسة.
وفي عام 2024، سجل الأرخبيل خسارة كبيرة في الجليد بلغت نحو 1% خلال صيف شهد درجات حرارة قياسية، بحسب هودسون.
ويقول العالم إن أجزاء واسعة من الجزر تفقد جليدها حاليًا، في تطور يرتبط بما يعرف بظاهرة «التضخيم القطبي»، حيث ترتفع حرارة القطب الشمالي بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي، وتتفاعل خسارة الجليد مع الاحترار لتفاقم كل منهما الآخر.
فعندما يتراجع الجليد والثلج، تقل المساحات البيضاء القادرة على عكس أشعة الشمس، ويُمتص قدر أكبر من الطاقة الحرارية، ما يعزز الاحترار ويسرع المزيد من الذوبان.
معادن ثقيلة في مياه الشرب.. أزمة لم يتوقعها السكان
يواجه سكان لونغييربين واحدة من أكثر نتائج ذوبان التربة الصقيعية إثارة للقلق: تدهور جودة مياه الشرب.
فقد اكتشف العلماء عام 2025 وجود تلوث بالمعادن الثقيلة في إمدادات المياه، نتيجة تسرب هذه العناصر من الصخور إلى المياه. وأدى ذلك إلى تحذير السكان من شرب مياه الصنبور، في بلد اعتاد فيه الناس الاعتماد على مياه المنازل مباشرة دون الحاجة إلى حلول بديلة.
ويستخدم السكان حاليًا خزانًا مركزيًا للمياه المفلترة داخل أحد المتاجر لتعبئة الحاويات، في حين تواصل البلدية دراسة طبيعة المشكلة والبحث عن خيارات طويلة الأجل لمعالجة المياه وضمان سلامتها.
وقال عمدة لونغييربين، تيرييه أونيفيك، إن الأزمة كانت صدمة كبيرة للسكان، الذين اعتادوا اعتبار مياه الصنبور موردًا موثوقًا لا يحتاج إلى القلق بشأنه.
وأشار إلى أن المشكلة تدفع السلطات إلى إعادة التفكير في تصميم منظومة المياه، بما في ذلك إمكانية إنشاء شبكتين منفصلتين داخل المنازل: إحداهما لمياه الشرب، والأخرى للمياه الرمادية التي يمكن استخدامها في أغراض لا تتطلب مياهًا صالحة للشرب.
ويطرح هذا الحل سؤالًا أوسع بشأن كفاءة إدارة الموارد، إذ إن معالجة جميع المياه إلى أعلى مستويات الجودة، ثم استخدام معظمها في أغراض لا تتطلب مياه شرب، قد تستهلك قدرًا غير ضروري من الطاقة والموارد.
لكن التحدي المباشر يظل ضمان حصول السكان على مياه آمنة، مع تحديد مصادر التلوث والسيطرة عليها، ووضع نظام موثوق للإمداد والمراقبة.
التربة الصقيعية تذوب.. والمنازل تفقد استقرارها
تمثل التربة الصقيعية إحدى الركائز الطبيعية التي اعتمدت عليها المجتمعات القطبية في تشييد المباني والطرق والبنية التحتية.
لكن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى ذوبان الطبقات التي ظلت متجمدة لفترات طويلة، ما يغير خصائص الأرض وقدرتها على تحمل الأوزان. ويمكن أن ينتج عن ذلك هبوط غير متساوٍ للتربة، أو تحرك الأساسات، أو تشقق الجدران، أو تضرر المنشآت.
وفي لونغييربين، تسببت هذه التحولات، إلى جانب المخاطر الطبيعية المرتبطة بالثلوج والانهيارات الأرضية، في تضرر منازل وجعل بعضها غير صالح للسكن، فيما بات استقرار مبانٍ أخرى على المدى الطويل موضع قلق.
وتفاقمت أزمة الإسكان نتيجة هذه الأضرار، في وقت تحتاج فيه المستوطنة إلى بناء مساكن جديدة، بينما تواجه السلطات تحديات في تطوير نظام الطاقة وتحديث البنية التحتية والتعامل مع تلوث المياه.
ويقول العمدة إن لونغييربين قد تكون في بداية مرحلة لبناء بلدة مختلفة تمامًا، لأن الظروف التي صُممت وفقها المباني والمنشآت لم تعد ثابتة كما كانت.
ويضيف أن الاعتقاد التقليدي بأن الخشب لا يتعفن في القطب الشمالي لم يعد صحيحًا بالقدر نفسه، مع تغير الظروف البيئية وارتفاع درجات الحرارة.
لماذا لا تكفي إقامة الأساسات على الصخور؟
تبحث شركات الهندسة المعمارية في سفالبارد عن حلول تتناسب مع الأرض التي تتغير خصائصها بفعل الذوبان.
وتوضح إنغفيلد سابو فاتن، الشريكة في مكتب «إل بي أو أركيتكتر» المعماري في لونغييربين، أن أحد الحلول التي جرى استخدامها يتمثل في حفر الأساسات داخل الصخور الصلبة بدلًا من الاعتماد على التربة المتجمدة.
لكن تجارب في مستوطنة ني-أوليسوند، الواقعة أيضًا في سفالبارد، أظهرت أن بعض المباني بدأت تتحرك إلى أعلى بفعل تغيرات الأرض، رغم تثبيت أساساتها في الصخور.
وتشير هذه التجارب إلى أن وجود الأساس داخل الصخر لا يضمن وحده استقرار المبنى، إذا لم يُصمم وينفذ بما يتناسب مع طبيعة الصخور وحركة الأرض المحيطة.
ومن بين الحلول غير التقليدية التي يجري بحثها تمرير الهواء البارد أسفل المباني خلال الشتاء للمساعدة في إبقاء الأرض متجمدة وتعزيز استقرار الأساسات.
ولا يزال هذا النوع من الحلول يحتاج إلى تقييم هندسي دقيق وفق طبيعة كل موقع، لكنه يعكس حجم التغيير المطلوب في طرق البناء عندما تتحول التربة من حالة مستقرة إلى أرض تتبدل خصائصها مع ارتفاع الحرارة.
الانهيارات الثلجية.. خطر يتفاقم مع تغير المناخ
لا تتوقف المخاطر على المياه والأساسات؛ فالانهيارات الثلجية تمثل أحد أبرز التهديدات التي تواجه السكان.
وفي ديسمبر 2015، شهدت لونغييربين أحد أشد الانهيارات الثلجية فتكًا في تاريخ الأرخبيل، عندما دفنت كتل من الثلوج عددًا من السكان داخل منازلهم، ما أسفر عن وفاة رجل ورضيع.
وجاءت الكارثة في ظروف ارتبطت برياح شرقية قوية وثلوج منجرفة، في وقت لم يكن فيه نظام متكامل للتحذير من الانهيارات قد أُنشئ بعد.
وأعقبت الحادثة انهيارات أخرى، بينها انهيار في عام 2017 ألحق أضرارًا بمنزلين دون تسجيل وفيات.
ومنذ ذلك الحين، ركبت السلطات حواجز للحد من انجراف الثلوج، وأنشأت منشآت لاحتجاز الانهيارات، وأزالت بعض المنازل الواقعة في مناطق شديدة الخطورة. كما أصبح مركز السلامة القطبية في المركز الجامعي بسفالبارد يقدم ملاحظات أسبوعية عن الثلوج لدعم نظام التحذير البلدي.
وتوضح غونهيلد بي. سايترن، أستاذة علم نفس السلامة ومديرة المركز، أن المنطقة التي كانت توصف سابقًا بأنها صحراء قطبية تشهد الآن مزيدًا من الأمطار، وهو ما يغير طبيعة المخاطر التي يتعين على السكان الاستعداد لها.
فالتغير المناخي لا يؤدي إلى اختفاء الثلوج ببساطة؛ بل يغير توقيت تساقطها وذوبانها، وقد يؤثر في استقرار الغطاء الثلجي وتفاعل الثلوج مع الأمطار والحرارة والرياح.
ولهذا، أصبحت مراقبة الظروف الجوية والثلجية، وتحديث خرائط المخاطر، ووضع خطط الإخلاء، عناصر أساسية لحماية السكان.
السياحة القطبية تتغير.. والأنشطة تعتمد على الثلوج المتراجعة
تؤثر التحولات المناخية أيضًا في الأنشطة السياحية التي تشكل جزءًا من اقتصاد لونغييربين.
وتقول ماتيلدا فايز، المرشدة السياحية في سفالبارد، إن ذوبان الثلوج يبدأ في وقت أبكر، وإن الجولات التي تعتمد على الثلج أصبحت تتطلب التحرك لمسافات أطول للعثور على غطاء ثلجي كافٍ.
وخلال العام الذي تناولته التغطية، اضطرت الشركة التي تعمل معها إلى نقل عربات الثلوج لمسافة تقارب سبعة أميال خارج المستوطنة للعثور على ظروف مناسبة للجولات.
كما تغيرت ظروف المضايق البحرية، وأصبح الاقتراب من الجبهات الجليدية أكثر خطورة بسبب احتمال انفصال كتل ضخمة من الجليد وسقوطها في البحر.
وتعني هذه التغيرات أن الأنشطة السياحية تحتاج إلى تحديث إجراءات السلامة بصورة مستمرة، وأن بعض التجارب التي كانت متاحة في مواقع معينة قد تصبح أكثر صعوبة أو خطورة أو تتطلب الانتقال إلى أماكن أخرى.
وتعمل السلطات على إدخال نظام جديد لاعتماد المرشدين السياحيين، يُتوقع تطبيقه بحلول عام 2027، بهدف تحسين تقييم المخاطر المناخية وغيرها من المخاطر التي تواجه الزوار.
من أزمة محلية إلى إنذار لبقية القطب الشمالي
تتعاون فرق السلامة في لونغييربين مع مستوطنات قطبية نائية أخرى في آيسلندا وجرينلاند لدراسة تحديات مشتركة، من بينها إجراءات الإخلاء أثناء الانهيارات الثلجية، والتعامل مع المخاطر المرتبطة بتغير الظروف البيئية.
وتكمن أهمية هذه الجهود في أن المجتمعات القطبية تواجه تحديات تتجاوز حدودها الجغرافية؛ فذوبان التربة الصقيعية وتراجع الثلوج والجليد يمكن أن يؤثر في استقرار المباني وشبكات النقل وإمدادات المياه وسلامة السكان في مناطق واسعة من القطب الشمالي.
وتأمل المهندسة المعمارية سابو فاتن أن تتحول التجربة الصعبة في لونغييربين إلى مصدر معرفة يمكن الاستفادة منه في مناطق قطبية أخرى، بما فيها المجتمعات التي يعيش فيها السكان الأصليون من الإنويت في جرينلاند وكندا.
وتقول إن السكان والشركات المحلية يمثلون موردًا مهمًا، بفضل قدرتهم على الابتكار والتكيف مع الظروف المتغيرة.
لكن نقل الخبرة يتطلب توثيق الحلول التي تنجح فعلًا، وتقييم تكلفتها وكفاءتها، وعدم افتراض أن ما يصلح لموقع معين يمكن تطبيقه في جميع المناطق القطبية دون مراعاة الاختلافات الجيولوجية والمناخية.
الدرس الأهم: التكيف المناخي يبدأ من البنية التحتية
تكشف تجربة لونجييربين أن التكيف مع تغير المناخ لا يقتصر على بناء حواجز ضد الفيضانات أو توفير مياه إضافية أثناء الجفاف، بل يتطلب إعادة تقييم الأنظمة التي تعتمد عليها الحياة اليومية.
فالمياه التي كانت تُعد آمنة قد تحتاج إلى مراقبة ومعالجة مختلفة، والأرض التي كانت توفر أساسًا ثابتًا للمنازل قد تصبح مصدرًا للخطر، والثلوج التي اعتمد عليها السكان والسياح قد تتغير مواعيدها وخصائصها.
وتتطلب مواجهة هذه التحديات استثمارات في مراقبة جودة المياه، وتحديث شبكات الإمداد، وتطوير معايير بناء تراعي ذوبان التربة الصقيعية، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، ووضع خطط واضحة لحماية السكان وإخلائهم عند الضرورة.
كما أن ارتفاع حرارة القطب الشمالي لا يقتصر أثره على المجتمعات الواقعة داخله؛ فتغير الجليد والأنظمة البيئية القطبية يرتبط بمنظومة المناخ العالمية، ما يجعل مراقبة هذه التحولات وفهمها أمرًا مهمًا للمجتمع العلمي وصناع القرار حول العالم.
الخلاصة: في لونغييربين، لم يعد تغير المناخ سيناريو بعيدًا للمستقبل؛ فقد وصل إلى مياه الشرب والأساسات والمنازل والأنشطة اليومية. وما يحدث في هذه المستوطنة النائية يقدم إنذارًا واضحًا بأن البنية التحتية المصممة لظروف مناخية مستقرة قد تحتاج إلى إعادة بناء أو تطوير عندما تتغير الأرض نفسها.





