أخبارالاقتصاد الأخضر

الاقتصاد الحيوي يتقدم عالميًا.. كيف تتحول النباتات والكائنات الدقيقة والمخلفات إلى موارد اقتصادية؟

تقرير الاقتصاد الحيوي العالمي 2026: نمو الاستراتيجيات لا يكفي دون تمويل وتنسيق فعالين

يتوسع الاهتمام العالمي بالاقتصاد الحيوي بوصفه أحد المسارات المطروحة لتقليل الاعتماد على النفط والغاز، وتطوير أنشطة اقتصادية تعتمد على الموارد البيولوجية المتجددة، مثل النباتات والكائنات الدقيقة والمخلفات العضوية، مع السعي إلى الجمع بين النمو الاقتصادي وحماية المناخ والتنوع البيولوجي والتربة.

وأظهر الإصدار المحدّث من تقرير السياسات العالمية للاقتصاد الحيوي 2026 أن 63 دولة وإقليمًا تبنت استراتيجيات أو تدابير لدعم هذا التوجه، مع تنامي الاهتمام به في دول الجنوب العالمي، ولا سيما في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وأُطلق التقرير في العاصمة الأيرلندية دبلن في 20 أكتوبر، وأعده المجلس الاستشاري الدولي للاقتصاد الحيوي العالمي (IACGB)، بمشاركة باحثين من مركز أبحاث التنمية ومعهد اقتصاديات الغذاء والموارد بجامعة بون الألمانية، الذين تولوا قيادة التحليل العالمي لاستراتيجيات الاقتصاد الحيوي.

ما الاقتصاد الحيوي؟

يعتمد الاقتصاد العالمي بدرجة كبيرة على النفط والغاز الطبيعي في توفير الطاقة والمواد الخام، وهو اعتماد يرتبط بتداعيات بيئية تشمل تغير المناخ والضغط على التنوع البيولوجي والموارد الطبيعية.

في المقابل، يقوم الاقتصاد الحيوي على استخدام الموارد البيولوجية المتجددة، بما فيها النباتات والكائنات الحية الدقيقة والمخلفات العضوية، لإنتاج مواد ومنتجات وخدمات يمكن أن تحل محل بعض الموارد الأحفورية أو تقلل الاعتماد عليها.

ولا يقتصر هذا النموذج على استبدال مادة بأخرى، بل يستهدف تطوير أنشطة اقتصادية تحقق قيمة مضافة من الموارد الحيوية، مع مراعاة استدامة استخدامها وحماية النظم البيئية وتعزيز المنافع الاجتماعية.

لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب سياسات تضمن ألا يؤدي التوسع في إنتاج الكتلة الحيوية أو استخدام الأراضي والموارد الطبيعية إلى ضغوط بيئية جديدة، وأن تتوزع المنافع الاقتصادية بصورة أكثر شمولًا.

أفريقيا وأمريكا اللاتينية تعززان حضورهما

يرصد التقرير تقدمًا في وضع استراتيجيات الاقتصاد الحيوي، مع ظهور مبادرات وطنية جديدة في ناميبيا وإثيوبيا وكينيا، بما يعكس تنامي الاهتمام الأفريقي باستخدام الموارد الحيوية في التنمية الاقتصادية.

كما عززت دول أمريكا اللاتينية حضورها من خلال استراتيجيات تبنتها البرازيل وأوروغواي والإكوادور، في إطار توجه أوسع نحو نماذج اقتصادية تستفيد من الموارد البيولوجية وتربط استخدامها بأهداف الاستدامة.

ويشير هذا التوسع إلى أن الاقتصاد الحيوي لم يعد مطروحًا فقط في الاقتصادات الصناعية المتقدمة، بل أصبح حاضرًا أيضًا في النقاشات المتعلقة بالتنمية في دول الجنوب العالمي، حيث تتداخل فرص الاستفادة من الموارد الطبيعية مع تحديات التمويل والتكنولوجيا والعدالة في توزيع المنافع.

ولا يعتمد نجاح هذه الاستراتيجيات على إعلانها وحده، بل على تحويل أهدافها إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وتوفير التمويل والخبرات والبنية المؤسسية اللازمة، مع وضع ضوابط لحماية الموارد الطبيعية.

مبادئ دولية مشتركة للتعاون

شهد التعاون الدولي في مجال الاقتصاد الحيوي تطورًا مع اعتماد وثيقة متعددة الأطراف هي الأولى من نوعها في هذا المجال، وفقًا للتقرير.

وخلال رئاسة البرازيل لمجموعة العشرين، اتفقت الدول المشاركة على «المبادئ العشرة رفيعة المستوى بشأن الاقتصاد الحيوي»، في خطوة تستهدف توفير إطار مشترك للنقاش والتعاون الدولي حول هذا النموذج الاقتصادي.

ويكتسب التنسيق الدولي أهمية في ظل اختلاف الموارد والأولويات بين الدول، والحاجة إلى تطوير سياسات تسمح بتبادل المعرفة والتكنولوجيا، وتدعم الاستخدام المستدام للموارد البيولوجية، مع مراعاة الظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لكل دولة.

أربع رؤى لتطوير الاقتصاد الحيوي

لا تتبنى استراتيجيات الاقتصاد الحيوي رؤية واحدة، بل تتوزع أولوياتها بين أربعة اتجاهات رئيسية، بحسب التقرير:

  • الموارد الحيوية – 34%: التركيز على الموارد البيولوجية واستخدامها في الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية.

  • التكنولوجيا الحيوية – 32%: توظيف التكنولوجيا والابتكارات البيولوجية في تطوير المنتجات والعمليات.

  • البيئة الحيوية – 20%: التركيز على العلاقات بين الأنشطة الاقتصادية والنظم البيئية واستدامة الموارد.

  • الأهداف الاجتماعية الحيوية – 14%: الاهتمام بالإدماج الاجتماعي والمنافع التي تعود على المجتمعات.

ويشير التقرير إلى أن تنامي حصة المقاربات التي تركز على الأهداف الاجتماعية يعكس اهتمامًا أكبر بالشمول الاجتماعي ومنافع المجتمعات المحلية، إلى جانب الأهداف الاقتصادية والبيئية.

وتكشف هذه الاتجاهات عن اختلاف أولويات الدول في تطوير الاقتصاد الحيوي؛ فبعضها يركز على الموارد والإنتاج، بينما يعطي بعضها الآخر أهمية أكبر للتكنولوجيا أو حماية النظم البيئية أو الأبعاد الاجتماعية.

التنافس الاقتصادي يعيد تشكيل الأولويات

لا يتقدم الاقتصاد الحيوي في سياق بيئي فقط، بل يتأثر أيضًا بالتنافس الجيو-اقتصادي والتحولات نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب.

ويشير التقرير إلى تزايد أهمية اعتبارات الأمن والقدرة التنافسية إلى جانب الاستدامة والإنصاف، بما يشمل تطبيقات التكنولوجيا الحيوية في المجالات الدفاعية.

ويضع هذا التطور صانعي السياسات أمام تحدٍ يتمثل في الاستفادة من الفرص الاقتصادية والتكنولوجية للاقتصاد الحيوي، من دون الإضرار بالتنوع البيولوجي أو استنزاف الموارد الطبيعية أو تهميش المجتمعات المحلية.

ولذلك يدعو التقرير إلى سياسات توازن بين تعزيز القدرة التنافسية، والاستخدام المستدام للموارد، وحماية النظم البيئية، وضمان شمول التنمية لمختلف الفئات الاجتماعية.

فجوة التمويل تعرقل تحويل الاستراتيجيات إلى نتائج

رغم اتساع الاهتمام السياسي بالاقتصاد الحيوي، لا تزال هناك فجوات بين الأهداف المعلنة والموارد المخصصة لتنفيذها.

ووفقًا للتقرير، تشير 94% من استراتيجيات الاقتصاد الحيوي إلى البحث والتطوير العام، لكن 47% فقط تخصص ميزانية محددة لهذا الغرض.

ويبرز هذا التفاوت أهمية الانتقال من إدراج البحث والتطوير ضمن الأولويات إلى توفير التمويل الفعلي الذي يسمح بتنفيذ البرامج والمشروعات وتطوير الابتكارات وتحويلها إلى تطبيقات اقتصادية.

وقال الدكتور جيديون توبس، أحد الباحثين الرئيسيين من مركز أبحاث التنمية بجامعة بون، إن تحويل الاستراتيجيات إلى نتائج يتطلب حشد رأس المال الخاص لدعم خلق القيمة القائمة على الموارد الحيوية، إلى جانب تعزيز المساءلة.

ويمثل تمويل القطاع الخاص أحد المسارات المحتملة لتوسيع الاستثمار في المنتجات والعمليات القائمة على الموارد البيولوجية، لكنه يحتاج إلى أطر تنظيمية واضحة، ومشروعات قابلة للاستثمار، وآليات لمتابعة النتائج الاقتصادية والبيئية والاجتماعية.

الاقتصاد الحيوي ومسار التحول الاقتصادي

يرى معدّو التقرير أن الاقتصاد الحيوي يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في إعادة تشكيل الأنظمة الاقتصادية المستقبلية، من خلال توسيع استخدام الموارد المتجددة، وتطوير الابتكار، وتقليل الاعتماد على المواد الأحفورية في بعض الأنشطة.

لكن تحقيق هذا الدور يتطلب أكثر من زيادة عدد الدول التي تتبنى استراتيجيات وطنية؛ إذ يعتمد على توفير التمويل، وتنسيق السياسات، وتعزيز التعاون بين الحكومات والباحثين والشركات، ووضع آليات للمساءلة عن النتائج.

ويخلص التقرير إلى أن وجود رؤية عالمية مشتركة للاقتصاد الحيوي يمكن أن يساعد على ربط التنمية الاقتصادية بحماية المناخ والتنوع البيولوجي، وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات الاقتصادية، وتحسين الرفاه الاجتماعي.

ويبقى التحدي الأساسي هو ضمان أن يؤدي نمو الاقتصاد الحيوي إلى منافع بيئية واجتماعية واقتصادية قابلة للقياس، لا أن يتحول مجرد تغيير في مصادر المواد الخام دون معالجة آثار الإنتاج واستخدام الموارد على المدى الطويل.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة