لماذا يتحول البحر الأسود إلى الفيروزي كل صيف؟.. ناسا تكشف سر المشهد المذهل
مليارات الكائنات الدقيقة تصنع مشهدًا مذهلًا.. سر اللون الفيروزي للبحر الأسود
رصد قمر صناعي تابع لوكالة ناسا ظاهرة طبيعية مذهلة تتكرر في البحر الأسود كل صيف، عندما تتحول مساحات واسعة من مياهه الداكنة إلى اللون الفيروزي الزاهي، في مشهد يمكن رؤيته بوضوح من الفضاء.
واللون اللافت الذي يظهر لعدة أسابيع كل عام لا ينتج عن التلوث أو ضحالة المياه، وإنما تكشف الصور الفضائية أنه ناتج عن ازدهار هائل لمليارات الكائنات البحرية المجهرية التي تؤدي أدوارًا مهمة في صحة النظم البيئية البحرية ودورة الكربون على كوكب الأرض.
والتقطت الظاهرة بواسطة القمر الصناعي PACE التابع لناسا، والذي صُمم لرصد الكائنات الحية الدقيقة في المحيطات والجسيمات الموجودة في الغلاف الجوي والسحب.
مليارات الكائنات المجهرية تصنع اللون الفيروزي
ترجع الألوان الفيروزية المميزة إلى كائنات مجهرية تُعرف باسم الكوكوليثوفورات (Coccolithophores)، وهي نوع من العوالق النباتية التي تعيش بالقرب من سطح البحر.
وتستخدم العوالق النباتية ضوء الشمس لإنتاج الطاقة من خلال عملية البناء الضوئي، على غرار النباتات الموجودة على اليابسة.
وتشكل هذه الكائنات قاعدة أساسية للشبكات الغذائية البحرية، إذ تعتمد عليها كائنات بحرية صغيرة مثل العوالق الحيوانية، وصولًا إلى الأسماك والحيتان.
لكن الكوكوليثوفورات تتميز بصفة خاصة؛ إذ تغطي كل خلية منها صفائح صغيرة مكونة من كربونات الكالسيوم.
وعندما تتجمع مليارات هذه الكائنات خلال فترة الازدهار، تعمل صفائح كربونات الكالسيوم على تشتيت أشعة الشمس، فتمنح المياه مظهرًا أبيض مائلًا إلى الأزرق أو الفيروزي، وهو ما يمكن للأقمار الصناعية رصده بسهولة من الفضاء.

قمر PACE يرصد الظاهرة من الفضاء
التقط جهاز Ocean Color Instrument الموجود على متن القمر الصناعي PACE هذا الازدهار البحري الملون أثناء انتشاره في مساحات واسعة من البحر الأسود خلال أواخر يونيو.
وصُمم الجهاز لرصد التغيرات الدقيقة في ألوان مياه المحيطات والبحار، ما يسمح للعلماء بمتابعة النظم البيئية البحرية بمستوى من التفاصيل لم يكن متاحًا بسهولة بواسطة الأقمار الصناعية السابقة.
ولا توفر هذه الصور مجرد مشهد جمالي مذهل، وإنما تقدم للعلماء معلومات مهمة حول التغيرات التي تحدث داخل النظم البيئية البحرية.
لماذا يتغير لون البحر الأسود؟
يقع البحر الأسود بين قارتي أوروبا وآسيا، ويتصل بالبحر المتوسط من خلال مجموعة من الممرات والمسطحات المائية.
وتخلق جغرافيته الفريدة، إلى جانب التغيرات الموسمية في درجات الحرارة وتوافر العناصر الغذائية، ظروفًا مناسبة لحدوث ازدهارات واسعة للعوالق النباتية خلال فصل الربيع وبداية الصيف.
وخلال هذه الفترة، غالبًا ما تصبح الكوكوليثوفورات من أكثر أنواع العوالق النباتية انتشارًا في المنطقة، لكنها ليست الكائنات المجهرية الوحيدة الموجودة في البحر الأسود.
ومع تقدم الموسم، يمكن أن تصبح الدياتومات أكثر وفرة.
والدياتومات هي نوع آخر من الطحالب المجهرية، لكنها تبني هياكلها الخارجية من السيليكا بدلًا من كربونات الكالسيوم.
ولهذا السبب يكون تأثيرها في مظهر المياه مختلفًا؛ فبدلًا من منح البحر ذلك اللون الفيروزي الساطع، تميل ازدهارات الدياتومات إلى جعل المياه تبدو أكثر قتامة.
ويعكس الانتقال من مجموعة من العوالق النباتية إلى أخرى التغيرات البيئية الموسمية في البحر، بما في ذلك درجة حرارة المياه وكمية ضوء الشمس وتوافر العناصر الغذائية.

مشهد جميل يكشف أسرار النظام البحري
رغم أن الكوكوليثوفورات أصغر من أن تراها العين المجردة، فإن أعدادها يمكن أن تصبح هائلة لدرجة تجعل مناطق كاملة من البحر تبدو فيروزية عند مشاهدتها من الفضاء.
وهنا تبرز أهمية الأقمار الصناعية كأداة رئيسية لمراقبة هذه الظواهر البحرية.
فمن الصعب على الباحثين جمع عدد كافٍ من عينات المياه من منطقة بحرية شاسعة لمتابعة تطور ازدهار العوالق النباتية بصورة كاملة.
أما الأقمار الصناعية فتوفر صورًا متكررة وواسعة النطاق تسمح للعلماء بتتبع التغيرات بمرور الوقت، وتحديد أماكن بداية الازدهار، وكيفية انتشاره، والمدة التي يستمر خلالها.
كما تساعد هذه البيانات في تقييم صحة النظم البيئية البحرية.
فالتغيرات في أعداد العوالق النباتية يمكن أن تكون مؤشرًا على حدوث تغيرات في ظروف المحيطات والبحار، وهي تغيرات قد تؤثر في مصايد الأسماك والتنوع البيولوجي ودورة العناصر الغذائية.
الكائنات التي تلون البحر تشارك في دورة الكربون
لا يقتصر دور الكوكوليثوفورات على تغيير لون مياه البحر، إذ تشارك هذه الكائنات المجهرية أيضًا في واحدة من أكبر الأنظمة الطبيعية المسؤولة عن نقل الكربون على كوكب الأرض.
فعندما تنمو الكوكوليثوفورات، تمتص الكربون من المياه المحيطة بها.
وعندما تموت هذه الكائنات، يمكن أن يهبط جزء من الكربون نحو قاع البحر مصحوبًا بصفائح كربونات الكالسيوم التي كانت تغطي خلاياها.
وقد يبقى جزء من هذا الكربون مدفونًا في الرواسب البحرية لفترات طويلة، وهو ما يساهم في نقل الكربون بعيدًا عن الطبقات العليا من المحيط.
ولا يزال العلماء يدرسون حجم الكربون الذي يمكن تخزينه من خلال هذه العملية، وكيف يمكن أن يتغير هذا الدور مع ارتفاع درجات حرارة المحيطات وتغير أنماط دوران المياه والكيمياء البحرية.
ويكتسب فهم هذه التغيرات أهمية متزايدة، مع محاولة العلماء تحسين قدرتهم على التنبؤ بكيفية استجابة النظام المناخي للأرض للتغيرات المستقبلية.
مراقبة المحيطات من الفضاء
أطلقت ناسا مهمة PACE بهدف توفير رؤية أكثر تفصيلًا للحياة البحرية والجسيمات الموجودة في الغلاف الجوي والسحب.
ويمكن لجهاز Ocean Color Instrument الموجود على القمر الصناعي التمييز بين اختلافات دقيقة في ألوان المياه لم يكن من السهل على الأقمار الصناعية السابقة رصدها، ما يوفر معلومات جديدة حول تنوع أنواع العوالق النباتية في مختلف أنحاء العالم.
ويمثل الازدهار الفيروزي السنوي في البحر الأسود أحد أوضح الأمثلة على قدرة تكنولوجيا الأقمار الصناعية على الكشف عن نشاط بيولوجي واسع النطاق قد لا يكون من السهل ملاحظته من سطح الأرض.
فما يبدو من الفضاء مجرد دوامات مذهلة من اللون الفيروزي، هو في الواقع مشهد لنشاط مليارات الكائنات المجهرية التي تؤدي عمليات حيوية تساعد على استمرار الحياة البحرية، وتشارك في التأثير على دورة الكربون العالمية.





