استخدام التكييف يخفض وفيات الحر بنسبة 57% وينقذ آلاف الأرواح سنويًا
هل التكييف يحمي من الموت بسبب الحر؟ دراسة تكشف مقدار الاستخدام الأكثر فاعلية
مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية حول العالم، لم يعد تكييف الهواء مجرد وسيلة للراحة، بل تحول إلى أداة مهمة للوقاية من الوفيات المرتبطة بالحرارة. لكن دراسة جديدة من جامعة ييل تكشف أن مقدار استخدام التكييف هو العامل الحاسم، وأن تشغيله بصورة مفرطة لا يعني بالضرورة إنقاذ مزيد من الأرواح.
كشفت دراسة علمية جديدة أجراها باحثون في جامعة ييل أن استخدام أجهزة تكييف الهواء خفّض الوفيات المرتبطة بالحرارة في الولايات المتحدة بنسبة 57%، بما يعادل إنقاذ أكثر من 5 آلاف شخص سنويًا.
وتأتي النتائج في وقت تتزايد فيه مخاطر التعرض للحر الشديد مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية، بينما أصبحت الحرارة المرتفعة من أبرز المخاطر المرتبطة بالطقس على صحة الإنسان.
لأول مرة.. قياس استخدام التكييف الفعلي
اعتمدت الدراسة، المنشورة في دورية Nature Health، على تحليل بيانات 3108 مقاطعات في الولايات المتحدة المتجاورة خلال الفترة من 2010 إلى 2020.
وتميز البحث عن دراسات سابقة بأنه لم يكتفِ بمعرفة ما إذا كانت الأسر تمتلك أجهزة تكييف من عدمه، بل حاول قياس الاستخدام الفعلي للتكييف وربطه بدرجات الحرارة والوفيات.
وأوضح الباحثون أن هذه البيانات أتاحت لهم دراسة العلاقة بين استخدام أجهزة تكييف الهواء والوفيات ودرجات الحرارة على نطاق جغرافي واسع.

التكييف يخفض وفيات الحر بأكثر من النصف
أظهرت النتائج أن استخدام أجهزة تكييف الهواء أدى إلى خفض الوفيات المرتبطة بالحرارة بنسبة 57%.
وكان أكبر عدد من الوفيات التي جرى تجنبها متركزًا في فلوريدا ومناطق الجنوب الغربي وساحل الخليج، وهي مناطق تتعرض بصورة متكررة لدرجات حرارة مرتفعة.
وبحسب الباحثين، فإن هذه النتائج تقدم دليلًا أكثر دقة على الدور الذي يمكن أن يؤديه تكييف الهواء في حماية السكان من المخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة، مقارنة بالاعتماد على بيانات ملكية أجهزة التكييف فقط.
هل تشغيل التكييف أكثر يعني حماية أكبر؟
المفاجأة التي كشفتها الدراسة أن زيادة تشغيل أجهزة التكييف لا تؤدي بالضرورة إلى إنقاذ المزيد من الأرواح.
فقد وجد الباحثون أن الاستخدام المعتدل للتكييف يوفر أكبر قدر من الفوائد الوقائية، بينما تبدأ هذه الفوائد في التراجع بعد الوصول إلى مستوى معين من الاستخدام.
ويرجح الباحثون أن الإفراط في استخدام التكييف خلال الأيام التي تكون فيها درجات الحرارة معتدلة قد يكون أحد الأسباب التي تفسر هذا التراجع في الفوائد الإضافية.
لكن في الأيام التي تشهد حرارة شديدة للغاية، يظل خطر الوفاة مرتفعًا حتى مع استخدام أجهزة التكييف، ما يشير إلى أن التكييف، رغم فعاليته، ليس حلًا منفردًا لجميع مخاطر الحرارة القصوى.

المشكلة ليست وجود التكييف فقط.. بل القدرة على تشغيله
تكشف الدراسة جانبًا اجتماعيًا واقتصاديًا مهمًا في العلاقة بين الحرارة والصحة، وهو القدرة على تحمل تكلفة استخدام الكهرباء.
وأشار الباحثون إلى أن أكثر من ربع الأسر في الولايات المتحدة أفادت بوجود صعوبات في تحمل تكاليف الطاقة.
وهذا يعني أن امتلاك جهاز تكييف لا يضمن بالضرورة حصول الأسرة على الحماية التي يوفرها.
فقد يضطر بعض السكان إلى تقليل تشغيل أجهزة التكييف أو إيقافها لتوفير نفقات الكهرباء، حتى في أثناء موجات الحر الشديدة.
وقال الباحثون إن الدراسات السابقة كانت تعرف من يمتلك جهاز تكييف، لكنها لم تكن قادرة على تحديد من يستطيع بالفعل تحمل تكلفة تشغيله.
الفقر الطاقي يتحول إلى خطر صحي
تسلط النتائج الضوء على ما يعرف بـالفقر الطاقي، حيث تواجه الأسر منخفضة الدخل صعوبة في تحمل تكاليف الكهرباء اللازمة لتبريد المنازل خلال فترات الحر الشديد.
وهنا تتحول القدرة على تشغيل جهاز التكييف من مسألة رفاهية إلى عامل صحي قد يحدد فرص النجاة من الحرارة القاتلة.
وأشار الباحثون إلى أن بعض الأسر ذات الدخل المنخفض قد تضطر إلى اتخاذ خيارات صعبة بين تشغيل أجهزة التكييف وتحمل فاتورة الكهرباء، وبين توفير الأموال لتغطية الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء.

التكييف وحده لا يكفي لمواجهة تغير المناخ
يرى الباحثون أن النتائج تؤكد الحاجة إلى جعل تكييف الهواء في متناول الفئات الأكثر عرضة للخطر، بالتوازي مع إجراءات أخرى للحد من تأثير الحرارة في المدن.
ومن أبرز هذه الإجراءات زيادة المساحات الخضراء وزراعة الأشجار وتخطيط المدن بطريقة تقلل من تراكم الحرارة.
فالمدن تميل إلى الاحتفاظ بالحرارة بسبب كثافة المباني والأسطح الخرسانية والأسفلتية، ما يفاقم ما يعرف بـجزيرة الحرارة الحضرية ويزيد تعرض السكان للإجهاد الحراري.
لذلك، فإن الجمع بين التبريد داخل المباني والحلول القائمة على الطبيعة يمكن أن يوفر حماية أكبر، خصوصًا مع توقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة نتيجة تغير المناخ.

الحرارة.. خطر متزايد على صحة الإنسان
لا تقتصر آثار درجات الحرارة المرتفعة على الشعور بالإرهاق أو العطش، إذ يمكن أن يؤدي التعرض للحر الشديد إلى الإجهاد الحراري وضربة الشمس، كما يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والجهاز التنفسي والكلى.
ومع ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتزايد فترات الحر الشديد، أصبحت قدرة المجتمعات على التكيف مع الحرارة عنصرًا أساسيًا في حماية الصحة العامة.
وتقدم دراسة ييل رسالة واضحة لصناع السياسات: مواجهة وفيات الحر لا تتطلب فقط توفير أجهزة التكييف، وإنما ضمان قدرة السكان على استخدامها عندما تكون الحاجة إليها أكبر.

من التكييف إلى المدن الخضراء
تؤكد الدراسة أن الاستجابة لموجات الحر يجب أن تجمع بين حلول قصيرة الأجل، مثل إتاحة التبريد بأسعار يمكن تحملها، وحلول طويلة الأجل تستهدف خفض درجات الحرارة في البيئات الحضرية.
وتشمل هذه الحلول زيادة الأشجار والمساحات الخضراء، وتحسين تصميم المباني، وتوفير مناطق تبريد آمنة للسكان خلال موجات الحر، إلى جانب تطوير شبكات الكهرباء بما يسمح بتلبية الطلب المتزايد على التبريد.
ومع استمرار تغير المناخ، قد يصبح الوصول العادل إلى التبريد جزءًا أساسيًا من سياسات الصحة العامة والتكيف المناخي، وليس مجرد خدمة منزلية.
الخلاصة
تكشف الدراسة الجديدة أن تكييف الهواء يمكن أن يكون خط دفاع فعالًا أمام الحرارة القاتلة، إذ ارتبط استخدامه بانخفاض 57% في الوفيات المرتبطة بالحرارة في الولايات المتحدة.
لكن الحماية لا تعتمد على امتلاك الجهاز فقط، بل على القدرة على تشغيله وتحمل تكلفته، بينما لا يؤدي الإفراط في استخدامه بالضرورة إلى مزيد من الحماية.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، تصبح المعادلة أكثر تعقيدًا: تبريد ميسور التكلفة داخل المنازل، ومدن أكثر خضرة خارجها، وسياسات تحمي الفئات الأكثر ضعفًا من خطر الحرارة المتطرفة.

