الاقتصاد العالمي بين النمو والكوكب.. هل يمكن الاستمرار دون زيادة الانبعاثات؟
الاقتصاد مقابل البيئة.. لماذا النمو المستمر يهدد حدود الكوكب؟
النمو الاقتصادي ما زال يسخّن الكوكب، هل هناك مخرج؟

ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي يعني المزيد من الانبعاثات الكربونية وتفاقم الضرر البيئي، هل يمكن فصل الاثنين؟
حتى عام 2024، وصلت مستويات المعيشة العالمية، المقاسة بالناتج المحلي الإجمالي للفرد، إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق، لكن هذا جاء على حساب ارتفاع الانبعاثات السنوية لأكثر من 40 جيجا طن، وهو رقم قياسي آخر.
خلال مفاوضات COP30 في البرازيل العام الماضي، سمع المشاركون الحجة نفسها: ارتفاع الانبعاثات أمر لا مفر منه للدول التي تسعى للنمو.

منذ مؤتمر COP الأول في التسعينيات، حصلت الدول النامية على أهداف تخفيض أقل صرامة لمراعاة الفجوة الاقتصادية بينها وبين الدول الغنية، التي أطلقت ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون أثناء تقدمها.
في 2024، وصل الناتج المحلي الإجمالي للفرد إلى مستوى قياسي، كما حدث مع الانبعاثات السنوية، ومع تراجع الالتزام بأهداف المناخ وتزايد التحذيرات من تجاوز النقاط الحرجة، بدأ الإيمان بالنمو من أجل النمو يتراجع.
الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، دعا هذا الأسبوع إلى “الانتقال إلى ما بعد الناتج المحلي الإجمالي” كمؤشر للتقدم، محذرًا من أن “أنظمة المحاسبة الحالية” تدفع العالم نحو كارثة.
اقتصاد ما بعد النمو يرفض التركيز على GDP ويقترح أطرًا جديدة تأخذ في الاعتبار الضرر البيئي، مثل “اقتصاد العجين” الذي اعتمدته أمستردام مؤخرًا، أو “ميزانية الرفاهية” في نيوزيلندا.
بينما يختلف الخبراء حول مدى ضرورة اتخاذ تدابير لتقليص الاقتصاد، يتفقون على أن الكوكب على حدود طاقته وأن إعادة التفكير الجذرية ضرورية.
يقول تيم جاكسون، أستاذ التنمية المستدامة في جامعة ساري: “اقتصاد ما بعد النمو يقدم مزيدًا من الخيارات والواقعية والبصيرة لإمكانيات الرخاء البشري، الأمر لا يتعلق بالعودة إلى الكهف، بل بالتحرر من سجوننا الفكرية”.
جذور الاقتصاد ما بعد النمو تعود إلى كتاب “حدود النمو” الذي نُشر عام 1972، والذي حذر من أن الموارد الطبيعية محدودة وأن النمو المستمر قد يؤدي إلى تدهور الاقتصاد العالمي والسكان بحلول القرن الحادي والعشرين.
التفاؤل التكنولوجي يعزز فكرة “النمو الأخضر”، حيث يمكن أن يستمر الاقتصاد العالمي في التوسع مع تقليل الانبعاثات، كما حدث في بعض الدول مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، التي زاد فيها الناتج المحلي الإجمالي مع خفض الانبعاثات.
مع ذلك، يشكك الخبراء في الفصل الكامل بين النمو والانبعاثات، مؤكدين أن تراكم الكربون في الغلاف الجوي، وليس الانبعاث السنوي فقط، هو المسبب الرئيسي لتغير المناخ، وأن العديد من الدول لم تفصل بعد نموها عن الانبعاثات.
دراسة الحدود الكوكبية أظهرت أن سبعة من أصل تسعة حدود بيئية قد تم تجاوزها بشكل خطير، وأنه لا توجد دولة تلبي الاحتياجات الأساسية لمواطنيها مع البقاء ضمن حدودها البيئية.
تخفيض الإنتاج والاستهلاك هو السبيل الوحيد
اليوم، يركز الاقتصاديون البيئيون على ثلاث مدارس: الرأسماليون الخضر، والداعمون للنمو الأخضر بقيادة الدولة، وأصحاب الاقتصاد ما بعد النمو، الذين يرون أن تخفيض الإنتاج والاستهلاك هو السبيل الوحيد لتجنب تدهور الأنظمة البيئية الحيوية، مع اقتراحات مثل تقليص أيام العمل ووضع سقوف للدخل.
الاتفاق العالمي ضمن اتفاقية باريس يحدد ضرورة خفض الانبعاثات 45% بحلول 2030 وتحقيق صافي صفر بحلول 2050، لكن الطريق لتحقيق ذلك مع استمرار النمو الاقتصادي ما زال مجهولًا.





