البشر الأوائل اعتمدوا منذ أكثر من 780 ألف عام على الأنظمة الغذائية القائمة على النباتات وليس اللحوم فقط
قدرة البشر الأوائل على التكيف مع بيئتهم لتلبية احتياجاتهم الغذائية
عندما نفكر في عادات الطعام التي كان يتبعها أسلافنا ما قبل التاريخ، فإن أذهاننا غالباً ما تتجه إلى زمن كان مليئاً بصيد الحيوانات، والوجبات الغنية باللحوم، والتفكير القليل في الأطعمة النباتية.
لقد صدقنا جميعًا الرواية التي تقول إن النظام الغذائي للإنسان الأول كان يعتمد في المقام الأول على اللحوم.
ومع ذلك، فإن الأبحاث الجديدة تدفعنا إلى إعادة النظر في هذا الاعتقاد السائد منذ فترة طويلة، حيث تكشف أن الأطعمة النباتية لعبت دورا أكثر أهمية في النظام الغذائي لأسلافنا مما كان يعتقد سابقا.
على ضفاف نهر الأردن الخصبة، جنوب وادي الحولة، تم اكتشاف أثري عميق يتحدى المفهوم الشائع للأنظمة الغذائية البشرية في عصور ما قبل التاريخ ، ويرسم صورة مختلفة تمامًا لعادات أسلافنا الغذائية.
تشير الدراسة الأثرية إلى أن البشر الأوائل لم يعتمدوا فقط على البروتين الحيواني؛ بل كانوا مستهلكين نهمين لمجموعة من الأطعمة النباتية.
ونشرت الدراسة كاملة في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم .

النباتات.. مصدر الطاقة الرئيسي للإنسان الأول
كان اكتشاف حبيبات النشا القديمة هو المحور الرئيسي للدراسة، وقد عُثر على هذه الحبيبات، التي يُعتقد أن عمرها يبلغ نحو 780 ألف عام، على أدوات حجرية بازلتية في موقع استيطاني قديم بالقرب من جيشر بنوت يعقوب.
يعد هذا الموقع المهم، الواقع على ضفاف بحيرة الحولة التاريخية، كنزًا ثمينًا لعلماء الآثار، فهو يضم طبقات لا حصر لها من المستوطنات، إلى جانب بقايا حيوانات متحجرة وبقايا نباتات مثل البذور والفواكه.
تقدم النتائج أدلة حاسمة على استخدام البشر الأوائل للموارد النباتية على نطاق واسع للحصول على قوتهم.
ومن خلال تحليل حبيبات النشا المحفوظة، تمكن الباحثون من تحديد مجموعة واسعة من أنواع النباتات التي تمت معالجتها واستهلاكها من قبل البشر القدماء.
وتسلط نتائج الدراسة الضوء على قدرة البشر الأوائل على التكيف مع بيئتهم لتلبية احتياجاتهم الغذائية.
دور الأطعمة النباتية في النظام الغذائي المبكر
تدحض الدراسة بشكل أساسي الفكرة المقبولة على نطاق واسع بأن النظام الغذائي للإنسان القديم يعتمد على البروتين الحيواني – وهو اعتقاد غالبًا ما تشجعه تفسيرات النظام الغذائي “الباليو” الشائعة.
ونظرا لندرة بقايا الأطعمة النباتية في المواقع الأثرية، وتكرار العثور على عظام حيوانية، فإن هذا الافتراض أمر مفهوم.
ومع ذلك، فإن وجود حبيبات النشا على الأدوات ما قبل التاريخ يقدم رؤى جديدة حول الدور الحاسم للأطعمة النباتية في الأنظمة الغذائية القديمة.
تعد هذه الأطعمة – وخاصة الدرنات النشوية والمكسرات والجذور – من المصادر الغنية بالكربوهيدرات التي تعد حيوية لتغذية احتياجات الدماغ البشري من الطاقة.

ارتباط عميق بالأطعمة النباتية
وبالإضافة إلى تقديم منظور بديل عن العادات الغذائية لدى البشر الأوائل، تسلط الدراسة الضوء أيضًا على أساليبهم المتقدمة في معالجة النباتات.
وتسلط النتائج الضوء على قدرة البشر الأوائل على التكيف والإبداع.
وعثر الباحثون على حبيبات النشا على صولجانات وسنادين من البازلت – وهي أدوات مرتبطة بتكسير وسحق الأطعمة النباتية.
قدمت هذه الأدوات دليلاً واضحًا على معالجة النباتات، مما يدل على أن البشر الأوائل كانوا يعدون مجموعة متنوعة من الأطعمة النباتية، وشملت هذه الأطعمة الجوز والحبوب والبقول والنباتات المائية.
وأشار الباحثون إلى أن “هذا الاكتشاف يؤكد أهمية الأطعمة النباتية في تطور أسلافنا”، “نحن ندرك الآن أن البشر الأوائل كانوا يجمعون مجموعة من النباتات على مدار العام ويقومون بمعالجتها باستخدام أدوات البازلت، مما يفتح فصلاً جديدًا في فهم الأنظمة الغذائية البشرية المبكرة واتصالها العميق بالأطعمة النباتية.”

التطور البشري والمجتمعات الاجتماعية المعقدة
وتقدم القطع الأثرية القديمة أيضًا نظرة ثاقبة على السلوكيات الاجتماعية والإدراكية للإنسان البدائي في عصور ما قبل التاريخ.
تشير الأدوات المنهجية المستخدمة في معالجة النباتات إلى مستوى مرتفع من التعاون والبنية الاجتماعية، حيث من المرجح أن هؤلاء البشر الأوائل كانوا يعملون ضمن مجموعات اجتماعية أكبر.
قدرتهم على الاستفادة من مجموعة متنوعة من الموارد من كل من البيئات المائية والبرية تُظهر معرفة وثيقة بالبيئة المحيطة بهم والتي كانت مماثلة للاتصال البشري بالطبيعة اليوم.
ويستند هذا البحث إلى اكتشافات ثورية، ويوفر رؤى قيمة حول العادات الغذائية لأسلافنا القدامى، في حين يقدم منظورًا جديدًا للتطور البشري وظهور المجتمعات المعقدة.





