ارتفاع مستوى البحر يهدد المياه العذبة على السواحل بصمت
“تملّح الآبار”.. خطر غير مرئي يزحف مع ارتفاع البحار
غالبًا ما يجهل الكثيرون أهمية المياه الجوفية الساحلية، رغم أنها المصدر الأساسي لمياه الشرب في العديد من المناطق. لكن هذا المورد الحيوي أصبح مهددًا بشكل متزايد بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر، الذي يدفع المياه المالحة إلى التغلغل داخل الطبقات الجوفية فيما يُعرف بـ”تداخل مياه البحر”.
تمتد هذه الخزانات الجوفية حتى حافة المحيط في العديد من المناطق، ويكون الحد الفاصل بين المياه العذبة والمالحة تحت الأرض أكثر هشاشة مما يُعتقد.
وأظهرت دراسة وطنية حديثة في نيوزيلندا خرائط دقيقة توضح المناطق التي بدأت فيها المياه المالحة في التقدم داخل الخزانات الجوفية، مع اتساع نطاق هذه الظاهرة تدريجيًا مع مرور الوقت.
قاد الدراسة الباحث أندرو ر. بيرسون من معهد نيوزيلندا للصحة العامة والعلوم الجنائية، بالاعتماد على أكثر من مليون قياس لمستويات المياه الجوفية في عشرات الآلاف من الآبار، تغطي فترة تمتد لنحو عقدين.
واستخدم الباحثون تقنيات تعلم الآلة لملء الفجوات في البيانات، ما سمح بتقدير مواقع منسوب المياه الجوفية بالنسبة لمستوى سطح البحر على امتداد السواحل.
وتشير النتائج إلى أن أقل من 2% من المناطق الساحلية في نيوزيلندا تقع فيها المياه الجوفية حاليًا تحت مستوى سطح البحر، إلا أن هذه النسبة مرشحة للارتفاع بشكل كبير في المستقبل.
وتحدث ظاهرة تداخل مياه البحر عندما ينخفض منسوب المياه العذبة إلى ما دون مستوى البحر، ما يسمح للمياه المالحة بالتقدم داخل التربة الرملية والحصوية نحو الآبار.

تدهور جودة المياه
ويؤدي ذلك إلى تدهور جودة المياه لتصبح غير صالحة للشرب أو الزراعة، كما يسبب تآكل البنية التحتية وتهديد الأساسات في المناطق الساحلية.
وأظهرت النماذج المستقبلية أنه في حال استمرار ارتفاع الانبعاثات، قد تصل نسبة المناطق المتأثرة إلى نحو 8% بحلول عام 2150، أي أربعة أضعاف الوضع الحالي تقريبًا.
أما في السيناريوهات الأقل انبعاثًا، فقد تتضاعف النسبة أيضًا ولكن بوتيرة أبطأ، لتصل إلى نحو 4%.
وتعتمد الدراسة على دمج بيانات حقيقية مع نماذج تعلم الآلة، إلى جانب توقعات ارتفاع مستوى سطح البحر وحركة الهبوط أو الارتفاع الأرضي، ما يمنحها دقة أعلى من الدراسات السابقة.

الخطر يمتد على طول السواحل
وتشير النتائج إلى أن الخطر لا يتركز في منطقة واحدة، بل يمتد على طول السواحل، ما يجعل جميع المناطق الساحلية عرضة بدرجات متفاوتة لهذه الظاهرة.
ويؤكد الباحثون، أن الخرائط الجديدة يمكن أن تساعد في إدارة الموارد المائية بشكل استباقي، بدلًا من التعامل مع الأزمة بعد تدهور جودة المياه.

وتحذر الدراسة من أن ملوحة المياه الجوفية تتحرك بصمت، دون إنذار مبكر، ما يجعل مراقبتها أمرًا ضروريًا لحماية مصادر المياه العذبة في المستقبل.





