أخبارالمدن الذكيةالتنوع البيولوجي

الأقمار الصناعية تكشف تآكل البنية الخضراء في المدن الكبرى

المساحات الخضراء في شوارع المدن تتضاءل سنويًا بنحو 0.5%

كشفت نماذج جديدة عن خسارة مثيرة للقلق في المساحات الخضراء الحضرية.

الأشجار والشجيرات والنباتات التي تصطف على جانبي شوارع المدن ضرورية لخلق بيئات حضرية أكثر صحةً وقدرة على مقاومة تغير المناخ.

فهي تُبرّد الأحياء خلال موجات الحر، وتمتص تلوث الهواء، وتدعم الصحة النفسية، بل وتُقلّل من انبعاثات الكربون في الغلاف الجوي.

ورغم الاعتراف الواسع بهذه الفوائد، فإن العلماء واجهوا صعوبة في مراقبة تغير الغطاء النباتي على مستوى الشوارع بشكل مستمر، خصوصًا في المدن سريعة النمو حول العالم.

دراسة جديدة أجراها جياكومو فالتشيتا من المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية (IIASA) تقدّم طريقة مبتكرة لمراقبة المساحات الخضراء الحضرية.

وقد نُشرت هذه الدراسة في مجلة “الأبحاث البيئية: البنية التحتية والاستدامة“.

استخدم الباحثون صور الأقمار الصناعية وتقنيات التعلم الآلي لرصد كمية النباتات على امتداد شوارع المدن وتتبع تغيرها بمرور الوقت.

المدن الكبرى

نظرة عالمية إلى اللون الأخضر

قال فالتشيتا: “كان هدفنا تطوير طريقة لمراقبة كمية البنية التحتية الخضراء على طول الشوارع، وكيف تتغير مع مرور الزمن”.

للمساحات الخضراء فوائد موثقة جيدًا، فهي تخفف من حرارة المدن، وتعزز الصحة النفسية، وتمتص الكربون. لكن تتبّعها عالميًا بشكل موثوق وفي الوقت المناسب ظل أمرًا صعبًا.

ولتجاوز هذا التحدي، طوّر الفريق نموذجًا يستخدم مؤشر المنظر الأخضر (GVI)، وهو مقياس لكمية المساحات الخضراء المرئية من منظور المشاة.

تم تدريب النموذج على صور شوارع مصنّفة من مدن متعددة حول العالم، ثم طُبّق على بيانات الأقمار الصناعية بين عامي 2014 و2022. وقيّم الباحثون 190 منطقة حضرية كبيرة في 20 منطقة عالمية.

المدن الكبرى

انخفاض طفيف لكن مؤثر

أظهرت النتائج أن المدن تفقد مساحاتها الخضراء الشارعية بمعدل يتراوح بين 0.3% و0.5% سنويًا.

ورغم أن هذه النسبة تبدو صغيرة، فإن تراكمها مع الوقت يُحدث فرقًا ملحوظًا، خصوصًا في المناطق الحارة التي تعاني أصلًا من ندرة المساحات الخضراء.

بعض المناطق شهدت تراجعًا أكبر، حيث سجّلت المدن الآسيوية والأوقيانية أعلى معدلات فقدان، بمتوسط 1.7% و2.6% سنويًا على التوالي.

في المقابل، شهدت مدن أوروبا وأمريكا الشمالية زيادات طفيفة تقارب 1% سنويًا، أما مدن أفريقيا وأمريكا اللاتينية فكانت التغيرات فيها أقل انتظامًا.

توزيع غير عادل للأشجار

قال أحمد حماد، الباحث الرئيسي في شركة “ديكاتاب” بسنغافورة: “لا تتناقص المساحات الخضراء فقط، بل تُوزع أيضًا بشكل غير عادل. في كثير من المدن، تقل الخضرة في الأحياء السكنية”.

وأضاف: “هذا التفاوت يطرح تساؤلات خطيرة حول العدالة البيئية، خاصة مع تزايد موجات الحر والضغوط المناخية الأخرى”.

المساحات الخضراء الحضرية ليست ترفًا، بل بنية تحتية أساسية قد تُنقذ الأرواح.

ومع ذلك، تظل الأحياء الثرية أكثر خضرة، بينما تعاني الأحياء منخفضة الدخل من تراجعها، ما يضاعف من آثار تغير المناخ على سكانها.

المدن الكبرى

أداة لكل مدينة

تكمن قوة النموذج الجديد في قابليته للتوسع وسهولة استخدامه. يمكن لأي جهة، من الحكومات المحلية إلى المنظمات الدولية، الاستفادة منه عبر صور أقمار سنتينل-2 المجانية وبيانات المناخ.

كما يمكن لمخططي المدن الدمج بين هذا المؤشر وبيانات أخرى كاستهلاك الطاقة، والنتائج الصحية، ودرجات الحرارة، لاستهداف جهود التشجير بشكل أدق.

النموذج مفتوح المصدر ويوفر تحديثات آنية، مما يجعله أداة مهمة لاتخاذ قرارات تخضير قائمة على بيانات موثوقة.

المدن الكبرى

التخطيط لمستقبل أكثر خضرة

يتماشى البحث مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وخاصة الهدف 11 المعني ببناء مدن ومجتمعات مستدامة.

ومع تفاقم آثار التغير المناخي، يدعو الباحثون المدن إلى إعطاء أولوية قصوى لحماية وتوسيع البنية التحتية الخضراء.

وقالت فالتشيتا: “نتائجنا يمكن أن تدعم السياسات المُوجّهة للتشجير، ومع تزايد الظواهر المناخية المتطرفة، فإن ضمان التوزيع العادل للمساحات الخضراء لم يعد خيارًا، بل ضرورة، ونأمل أن يكون عملنا أداة مفيدة لاتخاذ قرارات أكثر وعيًا وعدالة واستدامة”.

في ظل تسارع التحضر وعدم اليقين المناخي، تحتاج المدن إلى أدوات تمكّنها من النمو بطريقة مرنة وعادلة. ويُعد هذا النموذج الجديد لمراقبة المساحات الخضراء خطوة على طريق مستقبل حضري أكثر توازنًا وخضرة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading