من بيروت إلى نيويورك وأوتريخت.. كيف تصنع “باوكولتور” مدنًا أكثر قوة واستدامة؟
تقرير عالمي: الاستثمار في جودة العمران يحقق عوائد اقتصادية واجتماعية أعلى
في ظل الضغوط الاقتصادية وتسارع وتيرة التوسع العمراني عالميًا، تتزايد الدعوات لإعادة النظر في مفهوم جودة البناء باعتباره ليس تكلفة إضافية، بل استثمارًا طويل الأجل يعزز استدامة المدن وقدرتها التنافسية.
ويطرح مفهوم “باوكولتور” (Baukultur)، الذي نشأ في سويسرا واكتسب زخمًا عالميًا، رؤية شاملة تعتبر أن جودة البيئة المبنية ليست عنصرًا جماليًا فقط، بل معيارًا اقتصاديًا واجتماعيًا وبيئيًا يقيس قدرة المدن على تحقيق قيمة مستدامة عبر الزمن.
الجودة كاستثمار وليس تكلفة
تشير دراسات دولية إلى أن تقليل الجودة في مشاريع البناء يؤدي إلى تكاليف مستقبلية مرتفعة، تشمل أعمال إعادة التأهيل، وتدهور الأصول، وارتفاع معدلات الاضطراب الاجتماعي.
في المقابل، يركز نهج “باوكولتور” على ما يُعرف بـ“قيمة دورة الحياة”، حيث يتم تقييم المشاريع بناءً على قدرتها على تحقيق فوائد اقتصادية واجتماعية وبيئية على المدى الطويل، وليس فقط على تكلفة التنفيذ الأولية.

نموذج مطار لاجوارديا
يُعد مشروع تطوير مبنى الركاب “B” في مطار لاغوارديا بنيويورك مثالًا بارزًا على هذا النهج، حيث تم دمج معايير الاستدامة الاجتماعية والبيئية ضمن التصميم والتنفيذ.
وشمل المشروع توجيه أكثر من ملياري دولار من العقود إلى شركات مملوكة لأقليات ونساء، إلى جانب إنشاء برامج تدريب وفرص عمل للمجتمع المحلي، فضلًا عن تنفيذ أعمال فنية عامة تعكس هوية المدينة.
أما على المستوى البيئي، فقد تم إعادة تدوير 99% من مخلفات البناء، مع تقليل الاعتماد على الشبكة الكهربائية عبر الطاقة الشمسية.
وانتهى المشروع إلى التسليم في الموعد وضمن الميزانية المحددة، وحصل على جوائز دولية مرموقة، ليصبح نموذجًا على أن الجودة يمكن أن تعزز الكفاءة الاقتصادية بدلًا من أن تعيقها.

المدن كمساحات هوية وانتماء
في حالات ما بعد الأزمات، غالبًا ما تؤدي إعادة الإعمار السريع إلى تجاهل البعد الاجتماعي، ما ينتج عنه فقدان الهوية المحلية وظهور فجوات مجتمعية.
وفي بيروت، وبعد انفجار المرفأ عام 2020، برزت مبادرات محلية ركزت على إعادة تأهيل الأحياء التراثية بدلًا من إعادة تطويرها بشكل يهدد نسيجها الاجتماعي.
وقد نجحت مبادرات يقودها المجتمع المدني في إعادة تأهيل عدد أكبر من المباني ضمن نفس الميزانية، مع الحفاظ على السكان داخل أحيائهم، ما عزز الاستقرار الاجتماعي وأعاد إحياء الهوية الثقافية للمكان.
الجودة كميزة تنافسية للمدن
في الاقتصاد العالمي الحالي، أصبحت المدن تتنافس ليس فقط على الاستثمار، بل على جودة الحياة والبنية التحتية الحضرية.
وفي مدينة أوتريخت الهولندية، تم تحويل أراضٍ صناعية سابقة إلى حي حضري متكامل يعتمد على مبادئ “المناطق الصحية” التي تركز على الصحة العامة وجودة الحياة، من خلال المساحات الخضراء، وتقليل الاعتماد على السيارات، وتعزيز التنقل النشط.
وقد انعكس ذلك على أداء المدينة اقتصاديًا، حيث صُنفت ضمن أكثر المناطق تنافسية في أوروبا، متفوقة على مدن كبرى مثل باريس ولندن.
من البناء إلى خلق القيمة
يرى الخبراء أن المستقبل العمراني يعتمد على تحويل قطاع البناء من مجرد إنفاق رأسمالي إلى أداة خلق قيمة طويلة الأجل، تربط بين المستثمرين والمجتمعات المحلية والمكان نفسه.
لكن التحدي الرئيسي لا يزال قائمًا، حيث تعتمد العديد من أنظمة المشتريات العامة على أقل تكلفة أولية، دون احتساب العوائد الاجتماعية والبيئية طويلة الأجل.

نحو نموذج عالمي جديد للتخطيط الحضري
يدعو مفهوم “باوكولتور” إلى تبني معايير واضحة لجودة البناء تشمل التصميم العمراني، والاستدامة البيئية، والتكامل الاجتماعي، والمرونة الاقتصادية.
ومن خلال مبادرات دولية مثل “تحالف دافوس لباوكولتور”، يتم العمل على إعادة توجيه الاستثمارات نحو مشاريع تحقق عوائد مستدامة، وتدعم المدن كمراكز للابتكار والاستقرار الاجتماعي.
خلاصة
تؤكد التجارب العالمية أن جودة البناء لم تعد خيارًا ثانويًا، بل أصبحت استراتيجية اقتصادية تحدد قدرة المدن على المنافسة والاستمرارية. فكلما ارتفعت جودة البيئة العمرانية، زادت قدرة المدن على جذب الاستثمار، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وتحقيق نمو مستدام.





