هل يمكن للذكاء الاصطناعي حماية المدن الساحلية من الفيضانات وارتفاع مستوى البحر؟
نموذج ذكاء اصطناعي جديد يتنبأ بالعواصف البحرية المتطرفة بدقة عالية

مع تزايد مخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر وتكرار الظواهر المناخية المتطرفة، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة واعدة لمساعدة المدن الساحلية على الاستعداد بشكل أفضل للفيضانات والعواصف البحرية المستقبلية.
وكشفت دراسة حديثة أن نموذجًا جديدًا قائمًا على الذكاء الاصطناعي قادر على التنبؤ بموجات العواصف البحرية الشديدة بدقة عالية، حتى في ظل السيناريوهات المناخية المستقبلية، وهو ما قد يسهم في تحسين خطط التكيف وإدارة المخاطر الساحلية.
تهديد متزايد للمدن الساحلية
يشكل ارتفاع مستوى سطح البحر أحد أبرز تداعيات تغير المناخ، خاصة بالنسبة للمناطق الساحلية المنخفضة التي يعيش فيها أكثر من 10% من سكان العالم.
ولا تقتصر المخاطر على الارتفاع التدريجي لمستوى البحر، بل تمتد إلى زيادة شدة وتكرار الأحداث المتطرفة مثل العواصف البحرية، التي تؤدي إلى ارتفاع مؤقت في منسوب المياه وتعد من أهم أسباب الفيضانات الساحلية.
ويؤكد الباحثون أن التخطيط العمراني وتصميم البنية التحتية وأنظمة الحماية المدنية تعتمد بشكل كبير على القدرة على توقع هذه الأحداث النادرة والعنيفة.

تحديات التنبؤ بالأحداث المتطرفة
تُعد توقعات مستويات البحر القصوى من أكثر التحديات تعقيدًا في علوم المناخ، نظرًا لأنها تتأثر بتفاعلات معقدة بين:
- المد والجزر.
- العوامل الجوية.
- ديناميكيات المحيطات.
- الخصائص المحلية للسواحل.
وتؤدي الاختلافات البسيطة في الافتراضات العلمية إلى فروق كبيرة في النتائج المتوقعة، ما يزيد من حالة عدم اليقين التي تواجه المخططين وصناع القرار.

الدمج بين الذكاء الاصطناعي والنماذج الفيزيائية
تعتمد النماذج التقليدية على قوانين الفيزياء لمحاكاة حركة المياه الساحلية بدقة عالية، لكنها تتطلب قدرات حاسوبية ضخمة وتستغرق وقتًا طويلًا عند اختبار عدد كبير من السيناريوهات المستقبلية.
في المقابل، يتميز الذكاء الاصطناعي بسرعته الكبيرة في إنتاج التوقعات، ما يسمح باستكشاف آلاف السيناريوهات المحتملة خلال وقت قصير جدًا.
ويشير الباحثون إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يُعد بديلًا للنماذج الفيزيائية، بل مكملًا لها، حيث تُستخدم النماذج التقليدية لإنتاج البيانات اللازمة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي والتحقق من دقتها.

دراسة على مدينة نيويورك
في الدراسة المنشورة بدورية Earth’s Future، طور الباحثون نموذجًا ذكائيًا يحاكي نتائج النماذج الفيزيائية المعقدة بسرعة أكبر بكثير.
واتخذ الفريق من مدينة New York City نموذجًا للدراسة، نظرًا لارتفاع تعرضها لمخاطر الفيضانات الساحلية واحتضانها كثافة سكانية وبنية تحتية حيوية وأصولًا اقتصادية ضخمة.
كما شهدت المدينة واحدة من أكثر الكوارث الساحلية تدميرًا خلال إعصار Hurricane Sandy عام 2012، الذي تسبب في عشرات الوفيات وخسائر اقتصادية تجاوزت 60 مليار دولار.
واعتمد النموذج على بيانات ومحاكاة مفتوحة المصدر من Global Tide and Surge Model (GTSM) لتدريب الذكاء الاصطناعي واختبار قدرته على التنبؤ في ظل ظروف مناخية مختلفة، بما في ذلك السيناريوهات المستقبلية.
نتائج واعدة
أظهرت النتائج أن نموذج الذكاء الاصطناعي نجح في تعلم الأنماط المعقدة المرتبطة بالعواصف البحرية، وتمكن من إعادة إنتاج الأحداث المتطرفة بدقة مرتفعة مقارنة بالنماذج الفيزيائية المرجعية.
كما أثبتت الدراسة أن هذه النماذج قادرة على تقييم احتمالات وقوع الأحداث النادرة ذات التأثير الكبير، وهي معلومات أساسية لتطوير استراتيجيات التكيف المناخي وحماية المجتمعات الساحلية.

ما الخطوة التالية؟
يرى الباحثون أن المرحلة المقبلة تتطلب اختبار هذه النماذج عبر نطاق أوسع من السيناريوهات المناخية والمناطق الجغرافية المختلفة، بالإضافة إلى دمجها في منصات تقييم المخاطر وأنظمة البيانات المناخية المستخدمة من قبل الحكومات والمؤسسات الدولية.
ورغم النتائج الإيجابية، لا تزال هناك تحديات تتعلق بقدرة النماذج على التعامل مع ظروف مناخية غير مسبوقة لم تظهر في البيانات التاريخية، إضافة إلى ضرورة تحسين تقدير مستويات عدم اليقين المرتبطة بالتوقعات المستقبلية.
ويؤكد الباحثون أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والنماذج الفيزيائية يمثل جيلًا جديدًا من أدوات إدارة المخاطر الساحلية، يمكن أن يساعد المجتمعات على الاستعداد بشكل أفضل لعالم يشهد ارتفاعًا متسارعًا في مستوى البحار وزيادة في شدة الظواهر المناخية المتطرفة.





