وجهات نظر

د.مروة يحيى: الإعلام الرقمي والتعويم الثقافي.. كيف تُعاد صياغة العقول في عصر العولمة؟

دكتوراه الفلسفة في التربية- دبلوم القيادة التربوية والأمن القومي ن الأكاديمية العسكرية

عصر العولمة هو عصر بلا قلب؛ عصرٌ تتحول فيه الكلمات إلى أسلحة، والصور إلى زراعة ألغام متقدة، والابتسامات إلى وعود خادعة. لم يعد الاحتلال احتلالًا للأرض فقط، بل احتلالًا لعقول الشعوب ونفوسها عبر وسائل الإعلام.

فأصبحت الحروب تُدار بالشاشات، وذخيرتها المعلومات، وباتت وسائل الإعلام الجماهيرية الرقمية في العصر الراهن الزاد الثقافي والخبرة المرجعية لملايين المستخدمين حول العالم.

الإعلام الرقمي وتحويل الخاص إلى عام

جعل الإعلام الرقمي المفتوح الحياة الإنسانية الخاصة مطبوعة بصيغة العامة، تخرج من كل بيت إلى أي بيت في أي وطن. وبهذا تحولت التهديدات والمخاطر من طابعها المحلي الداخلي إلى طابع عالمي عابر للحدود والقارات، في ظل فضاء رقمي لا يعترف بالسيادة الثقافية أو الخصوصية المجتمعية.

الانفتاح الرقمي ومخاطر تهديد الهوية

يُعد الانفتاح الرقمي، باعتباره أحد معالم العولمة الثقافية، عاملًا مؤثرًا بعمق في السلوك وأسلوب التفكير، وفي آليات اتخاذ القرار، كما يسهم في تقويض حرية الفكر، وتوجيه الاتجاهات، وصياغة الاهتمامات والميول والطموحات.

وفي عصر الإعلام المفتوح، تتعرض الهوية لحملات مكثفة من الغزو الإعلامي والفكري؛ إذ يتحول الإنسان إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت.

وتُعد الثقافة التنويرية أحد أهم أدوات تعطيل هذا الانفجار، لأن كل ذات إنسانية تجهل أضعاف ما تعرف.

الغزو الإعلامي وإذابة المجتمعات

يقوم الغزو الإعلامي على إذابة الشعوب وسلخها من عقائدها وحضارتها لتتحول إلى مسوخ ثقافية. فما يُعرض اليوم على الشاشات يحمل أنساقًا ثقافية مدمرة؛ حيث تنتشر في المسلسلات مظاهر السب والقذف، والخيانة الزوجية، والتفكك الأسري، والضياع القيمي، وتصل هذه المضامين إلى شرائح واسعة من المجتمع بمختلف فئاته العمرية.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك منصات مثل “تيك توك”، القائمة على إرضاء الرغبات الجماهيرية، وتكريس التفاهة، والابتعاد عن الأصالة، بما يسهم في خلق جيل لا يرى الحياة إلا هزلًا ورفضًا ومنعة شكلية خاوية.

تغييب الثقافة الوطنية وتفريغ الذاكرة الجمعية

أدى خلو برامج التعليم والإعلام الشائعة، التي أصبحت كالهواء والماء، من منجزات الثقافة الوطنية إلى جعل عقول النشء أشبه بقطيع سهل الانقياد، يُلقي بنفسه نحو أي مذبح آلي، شاكرًا ما يسميه تقدمًا سهّل له سبل الفناء.

فلم تعد المؤلفات تُشكّل الذاكرة، ولا الرسوم والموسيقى تجري في شرايين النشء لترسيخ منجزات الوطن في وعيه الجمعي.

التعويم الثقافي: المفهوم والنتائج

نتيجة للتضخم الإعلامي والانفتاح غير المنضبط على الثقافات الأخرى، فقد المجتمع ملامحه المميزة ومظاهر هويته الدينية والثقافية والمجتمعية، بفعل التقليد الأعمى لأنماط حياة أجنبية دون الرجوع إلى مرجعيات التراث والعادات والتقاليد المحلية.

ويُطلق على هذا الذوبان مصطلح “التعويم الثقافي”، حيث تهيمن الثقافة الاستهلاكية للعولمة الرقمية على عقول النشء، بما يضعف الانتماء الثقافي والاعتزاز بالهوية.

وقد استُخدم هذا المصطلح في العالم العربي لوصف حالة فقدان الثوابت والقيم، إذ أصبحت الأفكار والمفاهيم عائمة بلا جذور أو هوية واضحة، وتحولت البنية الذهنية والنفسية والاجتماعية للإنسان إلى سلعة تتكيف مع متطلبات وسائل التواصل الاجتماعي.

مالك بن نبي والقابلية للاستعمار

وصف المفكر مالك بن نبي هذا التعويم في كتابه “ميلاد مجتمع” بمفهوم القابلية للاستعمار، مؤكدًا أن قوة أي ثقافة تتحدد بمدى قدرتها على استيعاب المفردات الدخيلة بوعي، مع الحفاظ على هويتها الوطنية وعاداتها وتقاليدها.

فكل مدخل حضاري جديد يقابله، إذا لم يُضبط، مخرج إنساني مصبوغ بفكر المستعمِر، عنوانه فقدان الجدوى.

المنصات الرقمية وهيمنة الرأسمالية الإعلامية

بدأت شرارة التعويم الثقافي حين امتلكت الدول الكبرى المنصات الرقمية العملاقة، فربطت عربة الثقافة بخيول منصاتها الإعلامية، لتجر عقول الدول النامية نحو وجهات مصممة سلفًا لنقل أنماط العيش، وتسليع الثقافة، وربط الإنسان بقيم السوق العالمي والمطامع الرأسمالية.

وتقوم الرأسمالية الإعلامية على الهيمنة الكاملة على وسائل التعبير، ودعم مراكز البحث والتعليم في الدول المستهدفة لخلق كوادر مزدوجة الانتماء، وإقصاء المفكرين الوطنيين، وتشويه اللغة العربية، وتصويرها لغة ماضٍ لا تصلح للعلوم والحياة، مع الترويج للعامية والحرف اللاتيني على حساب الحرف العربي.

الفرد كقناة إعلامية والحاجة إلى الضبط

في الوقت الراهن، أصبح كل فرد قناة إعلامية قائمة بذاتها، قادرة على مخاطبة العقل الجمعي بأبسط الأدوات. ومن هنا تبرز ضرورة التوجيه والرقابة الرشيدة، خاصة على المجال السمعي والبصري، لخدمة الصالح العام وتحقيق الأمن الثقافي والمجتمعي.

ويتحقق ذلك عبر تعزيز الوعي، واحترام الحدود الثقافية، وتفعيل اللغة العربية في الإعلام، ووضع سياسات تعليمية تقوم على إعمال العقل، وإطلاق مبادرات وطنية لتجديد الخطاب الثقافي وصياغة الوعي الجمعي بمنجزات الوطن.

خاتمة: الثقافة كدرع واقٍ

ختامًا، تبقى المنصة الإعلامية الدرع الواقي للأمة في مواجهة محاولات الهيمنة المستمرة في صورتها الراهنة المتمثلة في العولمة الرقمية المفتوحة.

فالثقافة الواعية الجذابة ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية لحماية الهوية، وبناء إنسان قادر على التمييز، والاختيار، وصيانة جذوره الحضارية في عالم متغير.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading