كنوز زرقاء منسية.. الأعشاب البحرية سلاح بيئي مهدور
دراسة: إهمال الأعشاب البحرية قد يكلف العالم 200 مليار دولار
تحت الماء وبعيدًا عن الأنظار، تكافح إحدى أكثر أسلحة البشرية فعالية ضد تغيّر المناخ.
وفقًا لدراسة جديدة، فإن الفشل في حماية الأعشاب البحرية في العالم سيؤدي إلى تكاليف باهظة – بأكثر من طريقة.
فحماية مروج الأعشاب البحرية حول العالم قد تساعد في تجنب أضرار مناخية تُقدّر بأكثر من 200 مليار دولار أمريكي، من خلال منع إطلاق 1.2 مليار طن من الكربون، وهي كمية تعادل البصمة الكربونية السنوية لنحو 100 مليون منزل في الولايات المتحدة.
قال يوهانس كراوس، المؤلف الرئيسي للدراسة وأستاذ مساعد في جامعة فلوريدا الدولية:
“لا تقتصر أهمية مروج الأعشاب البحرية على التنوع البيولوجي البحري فحسب، بل تُشكّل أيضًا جزءًا أساسيًا من معادلة المناخ”.
وأضاف: “إذا لم نتحرك الآن، فإننا نخاطر بفقدان هذه النظم البيئية ومضاعفة آثار التغير المناخي. لقد حان الوقت لإعطاء الأولوية لحمايتها”.

كمية الكربون المخزنة بواسطة الأعشاب البحرية
تُعد هذه الدراسة – التي جمعت بيانات من نحو 3240 موقعًا في 61 دولة، وقادتها منظمة الحفاظ على البيئة بالتعاون مع جامعة فلوريدا الدولية – أكثر النظرات شمولًا حتى الآن حول كمية الكربون التي تخزنها الأعشاب البحرية عالميًا.
وتُظهر الدراسة أن أنواع الأعشاب البحرية ليست متساوية في قدرتها على تخزين الكربون؛ فبعض الأنواع، مثل الأعشاب الطويلة ذات الأوراق الكبيرة والجذور العميقة، تستطيع تخزين كميات أكبر بكثير من الكربون مقارنةً بالأنواع الأصغر حجمًا.
ورغم أن الدراسة وجدت أن كمية الكربون المُخزنة عالميًا أقل من تقديرات سابقة، إلا أنها تُقدم تقييمًا أكثر دقة وتفصيلًا، مما يساعد في تحديد المناطق ذات الأولوية التي تحتوي على أنواع أعشاب بحرية ذات قدرة تخزينية عالية.
وتُعد المروج البحرية في المناطق الاستوائية من المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وجنوب أفريقيا، من بين المناطق الأعلى تخزينًا للكربون، إذ تحتوي على ما يصل إلى أربعة أضعاف المتوسط العالمي.
ويُمكن للهكتار الواحد (ما يعادل 2.5 فدان) من الأعشاب البحرية في هذه المناطق أن يخزن ما يعادل انبعاثات 22 سيارة سنويًا.
قال كراوس: “بياناتنا اليوم أغنى من أي وقت مضى، مما يمنحنا فهمًا أوضح لقدرات الأعشاب البحرية”.
وأضاف: “من خلال تصنيفها حسب الأنواع والمواقع، نستطيع الآن توجيه جهودنا نحو اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية”.
لكن هذه النباتات، ورغم أهميتها المناخية، تُواجه إهمالًا كبيرًا، كونها تنمو تحت سطح الماء، مما يجعل دراستها ورصدها أكثر صعوبة.

تهديدات تُواجه أعشاب البحر
يُقدّر الباحثون أن الأنظمة البيئية النباتية الساحلية، بما في ذلك مروج الأعشاب البحرية، تغطي فقط 2% من قاع المحيط، لكنها تخزن نحو 50% من كربون المحيطات. ومع ذلك، لا يزال العلماء يفتقرون إلى معرفة دقيقة بحجم هذه الأنظمة بسبب صعوبة دراستها.
وفوائد الأعشاب البحرية لا تتوقف عند الكربون؛ فهي تحمي السواحل من التآكل، وتحسن جودة المياه، وتُوفر الغذاء والموائل للأسماك والكائنات البحرية الأخرى.
لكنها مهددة بعدة عوامل، أبرزها الجريان السطحي الزراعي، الذي يُسبب نمو الطحالب التي تحجب ضوء الشمس، ما يُعيق نمو الأعشاب البحرية. كما أن إزالة الغابات والتآكل بالقرب من السواحل يؤديان إلى تراكم الرواسب التي تخنقها.
إلى جانب ذلك، فإن ممارسات الصيد الجائرة، مثل الصيد بشباك الجر القاعية، تُعرضها للاقتلاع من جذورها.
قال كراوس: “الأعشاب البحرية شديدة الحساسية، فهي ثابتة في القاع ولا يمكنها الهروب عند اقتراب الخطر”.
من جهتها، قالت إيميلي بيجون، المؤلفة المشاركة ونائبة رئيس علوم المحيطات في منظمة الحفاظ على البيئة الدولية:
“يُعد الحفاظ على الأعشاب البحرية من أكثر الطرق فعالية من حيث التكلفة في مواجهة تغير المناخ”.
وأضافت: “الدور الحيوي الذي تلعبه هذه المروج البحرية واضح في تخزين الكربون وحماية المجتمعات الساحلية”.

سياسات حماية الأعشاب البحرية
قالت بيجون إن سياسات مثل تحسين جودة المياه ومنع تدمير الموائل الساحلية تُسهم كثيرًا في حماية الأعشاب البحرية، لكنها شددت على ضرورة التحرك السريع.
وأضافت أن الدول ينبغي أن تُدرج حماية الأعشاب البحرية ضمن خططها المناخية، كما يمكنها الاستفادة من فرص تمويلية مثل أسواق الكربون، التي تُقدم حوافز مقابل الحفاظ على الكربون المُخزن في الأنظمة البيئية.
قالت: “لا تحظى الأعشاب البحرية بتمثيل كافٍ في مبادرات تمويل الكربون مقارنة بأشجار المانغروف، رغم أهميتها”.
وأضافت: “الاستثمار في حمايتها لن يُطلق قدراتها في تخزين الكربون فحسب، بل سيُعزز مصائد الأسماك، ويُقلل التآكل،ويُحسّن جودة المياه، ما يعود بالنفع على كوكبنا كله”.





