استثمار الأزمات.. حرب إيران تعيد تشكيل دور الصين في الاقتصاد العالمي
بين النفط والتكنولوجيا النظيفة.. كيف تدير الصين تداعيات الحرب؟
ترصد تداعيات حرب إيران تحولات دقيقة في موقع الصين داخل معادلة الاقتصاد والسياسة الدوليين، حيث تتزامن المخاطر المباشرة مع فرص استراتيجية قد تعيد صياغة دور بكين في النظام العالمي.
تُظهر المؤشرات الأولية أن الصين، رغم انكشافها الكبير على أسواق الطاقة، تتحرك ضمن استراتيجية طويلة الأمد تمزج بين تأمين الإمدادات وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، بما يحدّ من صدمات الأزمات الخارجية.
تكشف تطورات المشهد عن معادلة أكثر تعقيدًا، إذ تبرز مكاسب محتملة إلى جانب تحديات حقيقية، ما يفرض قراءة متأنية لدور الصين في ظل صراع لا يقتصر تأثيره على الجغرافيا، بل يمتد إلى عمق التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.
مكانة الصين
وبحسب تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز”، فإن الصين، بصفتها أكبر مستورد للنفط في العالم، تواجه تهديدًا مباشرًا من الحرب، لكنها في الوقت ذاته في وضع يسمح لها بتحويل الأزمة إلى فرصة ضمن سباق الهيمنة الاقتصادية.
فقد استوردت الصين العام الماضي نحو نصف احتياجاتها من النفط الخام ونحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط، بالتوازي مع تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية من الوقود الأحفوري.
وتشير التقديرات إلى أن الصين تمتلك احتياطيات طوارئ ضخمة من النفط تصل إلى نحو 3 مليارات برميل. كما تعتمد على واردات عبر خطوط الأنابيب من روسيا وتركمانستان بموجب عقود طويلة الأجل، ما يخفف من اعتمادها على الشحن البحري.
في الوقت نفسه، عززت بكين استثماراتها في قطاع الكهرباء، الذي يمثل نحو 30% من استهلاك الطاقة، وهو معدل يفوق نظيره في الولايات المتحدة وأوروبا، ما يمنحها قدرًا أكبر من الحماية من تقلبات أسعار النفط. كما تسهم بنحو ثلث قدرة الطاقة المتجددة عالميًا، في ظل توسع سريع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ويخلص التقرير إلى أن الصين قادرة على الصمود أمام صراع ممتد، بل وتحقيق مكاسب اقتصادية ودبلوماسية، مدعومة برهانها على التكنولوجيا النظيفة والاستقلال الصناعي، ما يعزز قدرتها التنافسية عالميًا.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من المخاطر، إذ قد تواجه الصين ارتفاعًا في التكاليف ونقصًا في الإمدادات، فضلًا عن احتمالات تباطؤ الاقتصاد العالمي، ما ينعكس سلبًا على صادراتها، في ظل اعتمادها الكبير على التجارة الدولية.

تداعيات استراتيجية
يقول خبير الشؤون الصينية الدكتور جعفر الحسيناوي إن الحرب أفرزت تداعيات استراتيجية خالفت توقعات صناع القرار في واشنطن، مشيرًا إلى أن مسار الصراع لم يحقق حسمًا سريعًا.
ويرى أن تعثر الولايات المتحدة في تأمين مضيق هرمز يعكس تحديات عسكرية وفنية، في مقابل صعود القدرات البحرية الصينية، التي تمتلك أكبر أسطول بحري في العالم، إلى جانب تطور ملحوظ في تقنيات التتبع والاستهداف.
ويؤكد أن هذه المعطيات تعزز من بروز الصين كقوة دولية صاعدة، في ظل تحول تدريجي من نظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب.
الفرص والتحديات
يشير تقرير لمجلة “فورين أفيرز” إلى أن انشغال الولايات المتحدة في صراع إقليمي قد يمنح الصين مساحة أوسع للتحرك، لكنه لا يمثل مكسبًا خالصًا، إذ إن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط يضر بمصالح جميع الأطراف.
فالصين، التي تستورد نحو 70% من احتياجاتها النفطية، يمر جزء كبير منها عبر مضيق هرمز، ما يجعلها عرضة لأي اضطرابات في الملاحة.
كما أن الاقتصاد الصيني، المعتمد على التصدير، قد يتأثر بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتراجع الطلب العالمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.

نهج صيني متوازن
من جانبها، تؤكد المحللة الصينية سعاد ياي شين هوا أن بكين لا تنظر إلى الأزمات باعتبارها فرصًا لتحقيق مكاسب، بل تضع أولوية لوقف التصعيد والدفع نحو الحلول الدبلوماسية.
وتشير إلى أن التحركات الصينية، بما في ذلك جهود المبعوث الخاص للشرق الأوسط، وتصريحات وزير الخارجية وانغ يي، تعكس التزامًا بالحوار وتجنب التصعيد.
وتوضح أن الصين تسعى إلى لعب دور “القوة البانية”، عبر دعم الاستقرار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مع التأكيد على أهمية حماية الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
وتختتم بأن الدور الصيني المتنامي هو نتيجة نهج طويل الأمد قائم على التعاون والثقة، وليس استغلال الأزمات، في ظل سعي بكين إلى تعزيز الاستقرار في نظام دولي يتسم بعدم اليقين.





