إنتاج السيليكون دون انبعاثات كربونية.. ابتكار نرويجي يمهد لتحول صناعي
ابتكار صناعي يستبدل الكربون بالألومنيوم لإنتاج السيليكون دون انبعاثات مباشرة
تقترب صناعة السيليكون من تحول تقني قد يعيد تشكيل أساليب الإنتاج التقليدية، مع تطوير طريقة صناعية جديدة في النرويج تستهدف التخلص من الانبعاثات المباشرة لثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين، إلى جانب خفض استهلاك الطاقة وتعزيز الاستفادة من الموارد ومخلفات الصناعات المعدنية.
وتحمل التقنية الجديدة اسم «سيسال» (SisAl)، وقد حصلت الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا على براءة اختراع للعملية الصناعية التي تقوم عليها، فيما تشير الباحثة ماريا والين إلى أن الإنتاج على نطاق صناعي يبدو ممكنًا من الناحية التقنية، مع تحقيق وفورات كبيرة في الطاقة.
وتُعد النرويج أكبر منتج للألومنيوم والسيليكون في أوروبا، وتمثل الصناعات المعدنية أحد أهم قطاعاتها التصديرية، لكنها تسهم أيضًا بنحو 10% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في البلاد، ما يجعل تطوير عمليات إنتاج أقل تلويثًا عاملًا مهمًا في تحقيق الأهداف المناخية النرويجية.
الاستغناء عن الكربون في إنتاج السيليكون
تعتمد الطرق التقليدية لإنتاج السيليكون على الكوارتز بوصفه مادة خام رئيسية، إذ يتفاعل مع الكربون داخل الأفران لإنتاج المعدن، وينتج عن هذا التفاعل ثاني أكسيد الكربون.
أما تقنية «سيسال»، فتستبدل الكربون بالألومنيوم بوصفه عاملًا مختزلًا، بما يسمح بإنتاج السيليكون دون تكوين ثاني أكسيد الكربون الناتج مباشرة عن التفاعل التقليدي.
وتوضح ماريا والين، الباحثة في علوم المواد بالجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا، أن التقنية الجديدة لا تواجه، وفق التقييمات الحالية، عائقًا تقنيًا جوهريًا يحول دون استخدامها لإنتاج السيليكون على نطاق صناعي، مشيرة إلى أنها تحقق أيضًا وفورات كبيرة في استهلاك الطاقة.
ويعود جانب من هذه الوفورات إلى طبيعة التفاعل الكيميائي؛ إذ إن عملية «سيسال» طاردة للحرارة، أي إنها تطلق الطاقة أثناء التفاعل بين الكوارتز والألومنيوم، بينما تتطلب الطريقة التقليدية إضافة الطاقة لإتمام عملية اختزال الكوارتز.
ووفقًا للبيانات المنشورة عن المشروع، يمكن للتقنية الجديدة خفض استهلاك الطاقة إلى نحو الثلث لكل طن من السيليكون المنتج، مقارنة بالطريقة التقليدية.
ولا تقتصر المزايا على الطاقة والانبعاثات، بل تمتد إلى تحسين الاستفادة من المواد الخام. ففي حين تستخدم الطرق التقليدية نحو 85% إلى 92% من الكوارتز الذي يدخل الفرن، ترتفع نسبة الاستفادة في عملية «سيسال» إلى ما بين 97% و99%، بفضل قدرتها على استخدام الكوارتز الناعم والمسحوق الذي يتعين استبعاده في العمليات التقليدية.

مخلفات الألومنيوم تتحول إلى موارد صناعية
تتيح تقنية «سيسال» الاستفادة من مخلفات صناعة الألومنيوم، بما يشمل الخبث المعدني والخردة، واستخدامها في عملية إنتاج السيليكون، وهو ما يفتح المجال أمام تحقيق تكامل أكبر بين الصناعات المعدنية وتقليل النفايات.
ويمكن استخدام خبث الألومنيوم عاملًا مختزلًا في إنتاج السيليكون، كما يمكن الاستفادة من خردة الألومنيوم الرقيقة، مثل المخلفات الناتجة عن عبوات الأغذية.
وفي المقابل، تنتج العملية الجديدة أنواعًا من الخبث، من بينها أكسيد الكالسيوم وأكسيد الألومنيوم، وهي مواد يمكن أن تجد استخدامات لها في صناعة الصلب، وفقًا للباحثين.
ويعزز هذا التوجه فرص تطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري في الصناعات المعدنية، من خلال تحويل المخلفات الناتجة عن صناعة إلى مدخلات إنتاج لصناعة أخرى، بدلًا من التخلص منها أو تصديرها دون تحقيق أقصى استفادة ممكنة منها.
وقالت والين إن أحد التحديات الرئيسية التي يعمل الفريق على معالجتها حاليًا يتمثل في بناء نموذج اقتصادي دائري يربط بين الصناعات المعدنية، بما يتيح تحقيق فوائد بيئية واقتصادية مشتركة.
وأضافت أن العمل يركز على تحسين استغلال المواد الخام، وخفض الانبعاثات واستهلاك الطاقة، وزيادة إعادة الاستخدام وتقليل النفايات إلى أدنى مستوى ممكن. كما تمثل الضرائب التي تفرضها السلطات على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عاملًا مؤثرًا في حساب الجدوى الاقتصادية للعملية الجديدة.
اختبارات تجريبية تمهد للتوسع الصناعي
تتولى الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا تنسيق مشروعي «سيسال بايلوت» (SisAl Pilot) و«سيسال سلاج» (SisAl Slag)، اللذين يهدفان إلى تطوير العملية والتحقق من إمكان تطبيقها على نطاق أوسع.
ويشارك في تطوير التقنية 22 شريكًا من مؤسسات البحث العلمي والقطاع الصناعي في أوروبا وجنوب أفريقيا، استنادًا إلى براءة الاختراع التي حصلت عليها الجامعة النرويجية.
وأُجريت عشرات الاختبارات التجريبية في مركز الأبحاث التابع لشركة «إلكيم» في فيسكا بمدينة كريستيانساند النرويجية، وكذلك في مسبك «فونديسيونيس ري» في إسبانيا.
وفي خطوة إضافية، يجري إنشاء مصنع تجريبي لإنتاج السيليكون باستخدام تقنية «سيسال» في جنوب أفريقيا، ضمن أحد المشروعات الأوروبية، بما يمثل مرحلة مهمة قبل اتخاذ قرار بشأن إنشاء منشأة إنتاج على نطاق صناعي.
وترى والين أن التقنية يمكن أن تُستخدم في المصاهر الحالية لإنتاج السيليكون بوصفها إضافة إلى خطوط الإنتاج القائمة أو بديلًا جزئيًا لها، دون الحاجة بالضرورة إلى استثمارات ضخمة، رغم أن الانتقال إلى التطبيق التجاري الواسع لا يزال يتطلب مزيدًا من التطوير والتحقق من الأداء الصناعي والاقتصادي.

أوروبا تسعى إلى تقليل الاعتماد على السيليكون المستورد
يحظى السيليكون بأهمية استراتيجية متزايدة بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يصنفه ضمن المواد المعدنية ذات الأهمية الحيوية، نظرًا إلى استخداماته في أشباه الموصلات ولوحات الدوائر الإلكترونية والخلايا الشمسية ومختلف الأجهزة الإلكترونية.
كما يدخل السيليكون في تركيب العديد من المواد المستخدمة يوميًا، بما في ذلك السبائك التي تجمعه بالألومنيوم.
وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن الصين تستحوذ على نحو ثلثي الإنتاج العالمي من السيليكون، في حين يبلغ الإنتاج العالمي من الألومنيوم نحو 60 مليون طن سنويًا، مقابل 12 مليون طن من السيليكون.
ولا تنتج أوروبا سوى أقل من نصف احتياجاتها من السيليكون، ما يدفع الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز قدرته على تأمين إمدادات المعادن الأساسية محليًا، خصوصًا بعد الحرب الروسية الأوكرانية وما أظهرته من مخاطر الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية.
وفي الوقت نفسه، تواجه الصناعات الأوروبية كثيفة الاستهلاك للطاقة ضغوطًا مرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج وتشديد المتطلبات البيئية، وهو ما يثير مخاوف من انتقال بعض الصناعات، ومنها السيليكون والألومنيوم والسبائك الحديدية، إلى دول تتمتع بتكاليف إنتاج أقل.
ويعمل الاتحاد الأوروبي أيضًا على الحد من فقدان المواد الخام القابلة لإعادة الاستخدام؛ إذ تصدر دوله نحو 600 ألف طن من خردة الألومنيوم سنويًا، ويسعى التكتل إلى إنهاء هذه الصادرات تدريجيًا بهدف الاحتفاظ بالموارد المعدنية القيّمة داخل اقتصاده.
ويمكن لتقنية «سيسال»، من خلال ربط إنتاج السيليكون بمخلفات الألومنيوم، أن تسهم في تعزيز الاستفادة من هذه الموارد، شريطة إثبات جدواها الاقتصادية وقدرتها على تلبية متطلبات الإنتاج الصناعي.
الطاقة الكهرومائية تعزز فرص النرويج في إنتاج المعادن النظيفة
تتمتع النرويج بميزة تنافسية في إنتاج المعادن منخفضة الانبعاثات بفضل اعتمادها على الطاقة الكهرومائية، وهو ما يجعل إنتاجها المعدني من بين الأقل تلويثًا عالميًا. وتتمتع آيسلندا بميزة مماثلة بفضل مواردها من الطاقة الحرارية الأرضية والطاقة الكهرومائية.
وترى والين أن النرويج تمتلك فرصة لتطوير إنتاج الألومنيوم والسيليكون باستخدام أساليب أكثر استدامة، مشيرة إلى أن صناعة السيليكون تقترب من تحول تقني مهم، بالتزامن مع التطورات الجارية في صناعة الألومنيوم.
وأكدت أن الجمع بين الصناعتين يمكن أن يحقق مكاسب إضافية في خفض الانبعاثات وتحسين استخدام الموارد، خاصة مع تقارب مواقع المنشآت الصناعية في النرويج، بما يقلل مسافات نقل المواد بين المصانع.
ورغم أن التقنية الجديدة قد تتيح، وفقًا لفريق التطوير، استبدال الطريقة التقليدية بالكامل في المستقبل، فإن هذا التحول سيحتاج إلى وقت ومراحل إضافية من الاختبار والتوسع.
ونُشرت نسخة من الدراسة المتعلقة بالتقنية على منصة الأبحاث الأولية «إس إس آر إن» (SSRN Electronic Journal)، في إطار الجهود الرامية إلى تطوير بدائل صناعية أقل استهلاكًا للطاقة وأكثر كفاءة في استخدام الموارد.





