أخبارالاقتصاد الأخضر

إيطاليا وأفريقيا.. غلاف مالي ضخم يبحث عن “مشاريع قابلة للتمويل” لحل أزمة المياه

ريميني – محمد حسن

تتحرك الدبلوماسية الاقتصادية الإيطالية بخطى متسارعة لتفعيل “خطة ماتي” (Piano Mattei) الطموحة في أفريقيا، وسط إجماع دولي ومؤسسي غير مسبوق على أن العائق الأساسي أمام التنمية في القارة السمراء لم يعد شح السيولة، بل ندرة المشاريع المهيأة استثماريًا والقادرة على جذب القطاع الخاص.

جاء ذلك خلال فعاليات المنتدى الدولي الأخير، الذي شهد حوارًا رفيع المستوى بين كبرى المؤسسات المالية والتنموية حول العالم، حيث تسلطت الأضواء على قطاع المياه والبنية التحتية المقاومة للتغيرات المناخية، كأحد أهم ركائز التعاون الإيطالي الأفريقي.

فعاليات المنتدى الدولي

تغيير السردية: المياه كأصل اقتصادي استراتيجي

وفي طرح أثار انتباه الحاضرين، دعت ماري أنج ساراكا ياو، ممثلة صندوق المناخ الأخضر (GCF)، إلى ضرورة تغيير النظرة التقليدية لقطاع المياه.

وقادت ساراكا ياو مرافعة أكدت فيها أن المياه لم تعد مجرد “خدمة عامة” تتنافس عليها ميزانيات الحكومات المحدودة، بل تحولت بفعل التغير المناخي إلى “فئة أصول اقتصادية استراتيجية” تقوم عليها أمن الغذاء، واستقرار المدن، والطاقة، والإنتاجية الاقتصادية برمتها.

وكشفت ساراكا ياو عن شراكة استراتيجية ضخمة بين صندوق المناخ الأخضر ومؤسسة التمويل الدولية (IFC) التابعة لمجموعة البنك الدولي، تمثلت في إطلاق إطار تمويلي بقيمة 1.3 مليار دولار تهدف إلى تحويل الأولويات المناخية لـ 44 دولة إلى مشاريع جاهزة للاستثمار، لاسيما في مجالات تحلية المياه، ومعالجة الصرف الصحي، وإعادة الاستخدام. ويساهم الصندوق بموجب هذا الإطار بنحو 200 million دولار كتمويل ميسر لامتصاص المخاطر الأولية وجذب الاستثمارات التجارية.

ماري أنج ساراكا ياو، ممثلة صندوق المناخ الأخضر (GCF)
ماري أنج ساراكا ياو، ممثلة صندوق المناخ الأخضر (GCF)

ما بعد لغة الأرقام.. البحث عن “البنك المفقود”

من جانبه، شدد ممثل مؤسسة التمويل التنموية الإيطالية (Cassa Depositi e Prestiti – CDP) على أن المؤسسة نجحت في بناء محفظة استثمارية ضخمة تبلغ 6 مليارات يورو تغطي ما يقرب من 50 دولة، وتضع أفريقيا في قلب جهودها كشريك مالي رئيسي لـ “خطة ماتي”.

ورغم ضخامة هذه الأرقام، تلاقت رؤية المؤسسة الإيطالية مع طروحات البنك الدولي وممثلي الأمم المتحدة؛ حيث اعتبر المتحدثون أن التحدي الحقيقي يكمن في “بنية المشاريع”. فالاستثمار في قطاع المياه يواجه عقبات هيكلية صعبة، أبرزها التكاليف الرأسمالية الضخمة في المراحل الأولى، وفترات استرداد رأس المال الطويلة، فضلاً عن المخاطر الناتجة عن “عدم التطابق بين الإيرادات المحصلة بالعملات المحلية والتمويلات الملتزم بها بالعملات الأجنبية”، وهو ما قد يثبط عزيمة شركات القطاع الخاص إذا لم تتوفر آليات حماية وضمانات سيادية واضحة.

من الرؤية إلى التنفيذ: دور الوكالات الأممية

وفي سياق متصل، برز دور مركز روما التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) كلاعب محوري ومقرب من الحكومات الأفريقية. وأوضح ممثل البرنامج أن ميزة “UNDP” تكمن في تواجده الدائم والوثيق على الأرض، ما يتيح له بناء جسور الثقة مع القادة المحليين وصياغة الأطر التنظيمية والتشريعية التي تسبق وصول رأس المال.

وأكد أن المشاريع، حتى وإن كانت بقيادة حكومية، لا يمكن أن تنجح بمعزل عن الشركات الخاصة التي تمتلك الكفاءة التشغيلية والابتكار التكنولوجي لضمان استدامة المنشآت على المدى الطويل.

وفي ذات الصدد، استعرض ممثل منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO ITPO Italy) نماذج عملية من غرب أفريقيا، وتحديدًا غانا، حول كيفية تحويل تحديات البيئة والاقتصاد غير الرسمي – مثل أزمة النفايات النسيجية والملابس المستعملة – إلى خطوط إنتاج صناعية مستدامة، عبر دمج التكنولوجيا الإيطالية المتقدمة وبناء جيل جديد من رواد الأعمال الشباب لحماية النظم البيئية التي وصفها بأنها “القيمة الحقيقية الوحيدة للمستقبل”.

إعلان روما خريطة طريق للمستقبل

واختتم الجلسة بالتأكيد على أن “إعلان روما بشأن المياه” والحوار المستمر تحت مظلة الاتحاد من أجل المتوسط يمثلان المنصة الأنسب لتوسيع نطاق التمويل الابتكاري وبناء شراكات متكاملة وعابرة للحدود.

الرسالة الختامية للمنتدى كانت موجهة بوضوح إلى قادة قطاع الأعمال والشركات الإيطالية: “الغطاء المالي جاهز، والإرادة السياسية حاضرة، والضمانات المؤسسية جارية؛ والآن جاء دور الخبرة الصناعية والتكنولوجية لتحويل الرؤية السياسية إلى واقع يتدفق مياهًا وتنمية على الأرض الأفريقية”.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى