أخبارابتكارات ومبادراتصحة الكوكب

أدوية السرطان من الفضاء.. شركات الأدوية تبحث عن علاجات جديدة في مدار الأرض

كبسولات دوائية على ارتفاع 300 ميل.. ثورة صناعية محتملة في تصنيع علاجات السرطان

كبسولات ذاتية التشغيل على ارتفاع 300 ميل تختبر نمو بلورات دوائية في انعدام الجاذبية.. وشركات تستهدف تحويل المدار إلى مصانع لإنتاج أدوية المستقبل

في تطور قد يفتح مسارًا جديدًا أمام صناعة الأدوية وعلاجات السرطان، بدأت شركات متخصصة في التكنولوجيا الحيوية والتصنيع الفضائي اختبار إنتاج بلورات دوائية داخل كبسولات تدور حول الأرض، مستفيدة من ظروف انعدام الجاذبية لتحسين انتظام نمو البلورات وخصائص المواد المستخدمة في تصنيع الأدوية.

وعلى ارتفاع يقارب 300 ميل فوق سطح الأرض، تدور ثلاث كبسولات فضائية بحجم الغسالات المنزلية، تحمل إحداها تجارب لنمو بلورات صغيرة لمادة دوائية مرشحة للاستخدام في علاج السرطان، بينما تختبر الكبسولتان الأخريان مواد للحماية الحرارية وأنظمة الملاحة اللازمة لعودة المركبات إلى الأرض بسرعات فائقة.

وتنتمي المركبات الثلاث إلى شركة «فاردا سبيس إندستريز» (Varda Space Industries)، ومقرها ولاية كاليفورنيا الأمريكية، التي تسعى إلى تطوير أسطول من المصانع الدوائية المدارية ذاتية التشغيل، بما يسمح بإجراء تجارب تصنيع متكررة في الفضاء وإعادة المنتجات إلى الأرض.

وأطلقت الشركة مركبتين على متن صاروخ واحد في الأول من أكتوبر 2026، ثم أطلقت المركبة الثالثة في 20 أكتوبر، لتصبح لديها ثلاث مركبات فضائية تعمل في المدار في الوقت نفسه، في خطوة وصفتها الشركة بأنها تقدم مهم نحو تطوير التصنيع التجاري خارج الأرض.

وقال ويل بروي، الرئيس التنفيذي للشركة، إن إطلاق عدة مركبات تجارية قادرة على العودة إلى الأرض في وقت واحد يمثل تطورًا غير مسبوق، مضيفًا أن زيادة وتيرة الإطلاقات تجعل فكرة تصنيع المنتجات في الفضاء أقرب إلى التحول إلى نشاط صناعي قابل للتطبيق.

كبسولات ذاتية التشغيل على ارتفاع 300 ميل تختبر نمو بلورات دوائية في انعدام الجاذبية

لماذا تنمو البلورات الدوائية بصورة مختلفة في الفضاء؟

تعتمد الفكرة على الاستفادة من بيئة الجاذبية الصغرى، التي تختلف فيها حركة السوائل والجسيمات عن الظروف الموجودة على سطح الأرض.

فعلى الأرض، تؤدي الجاذبية إلى ترسب الجسيمات العالقة في السوائل، كما تتسبب اختلافات الكثافة في تكوين تيارات وحركات داخل السائل، وهي عوامل يمكن أن تؤثر في نمو البلورات وتحد من انتظام بنيتها.

أما في بيئة الجاذبية الصغرى، فتتراجع هذه التأثيرات، بما يتيح للبلورات النمو في ظروف أكثر انتظامًا، وهو ما قد يساعد على تحسين خصائص بعض المواد الدوائية.

وقالت الدكتورة ميغان كريستيان، مديرة المهام الخاصة بالتصنيع في الفضاء لدى مركز تطبيقات الأقمار الصناعية البريطاني، إن إزالة تأثيرات الترسيب والتيارات الناتجة عن اختلاف الكثافة يمكن أن تسمح بنمو البلورات بصورة أكثر انتظامًا.

وتكتسب هذه الخصائص أهمية خاصة في صناعة الأدوية، لأن حجم البلورات وشكلها وترتيبها الداخلي يمكن أن يؤثر في سرعة ذوبان المادة الفعالة، واستقرارها، وطريقة امتصاصها، وإمكانية تقديمها للمريض.

هل تتحول علاجات السرطان الوريدية إلى حقن أكثر سهولة؟

من بين التطبيقات المحتملة للتصنيع الدوائي في الفضاء تطوير تركيبات دوائية أكثر ملاءمة للاستخدام، بما قد يسمح في بعض الحالات بإعادة صياغة أدوية تحتاج حاليًا إلى التسريب الوريدي في صورة حقن أكثر سهولة وراحة للمرضى.

ويحمل هذا الاحتمال أهمية خاصة في مجال علاج السرطان، حيث يحتاج بعض المرضى إلى جلسات علاجية متكررة داخل المستشفيات أو مراكز الأورام، وقد يؤدي تطوير تركيبات دوائية مستقرة وأسهل في الاستخدام إلى تقليل بعض الأعباء المرتبطة بتلقي العلاج.

لكن هذه الإمكانية لا تعني أن الأدوية المنتجة في الفضاء أصبحت علاجات معتمدة أو متاحة للمرضى؛ إذ لا تزال التجارب في مرحلة دراسة خصائص البلورات وإثبات إمكانية إنتاج مواد دوائية بجودة متكررة، قبل المرور بمراحل التطوير الدوائي والتقييم التنظيمي والسريري اللازمة.

وتعتمد الفائدة العلاجية النهائية على قدرة الشركات على إثبات أن التغييرات في بنية البلورات تؤدي بالفعل إلى تحسينات دوائية قابلة للقياس، وأن هذه التحسينات يمكن الحفاظ عليها عند التصنيع على نطاق تجاري.

 

فاردا.. مصانع دوائية ذاتية التشغيل في مدار الأرض

تمثل شركة فاردا واحدة من الشركات الأكثر تقدمًا في اختبار التصنيع المداري، إذ تعتمد على مركبات فضائية مستقلة تُعرف باسم «المركبات الحرة الطيران» (Free-flyers)، تحمل مختبرات صغيرة لتنفيذ عمليات التصنيع دون الحاجة إلى وجود رواد فضاء.

وتستفيد هذه المركبات من رحلات الإطلاق التجارية، ومن بينها الرحلات التي توفرها صواريخ شركة «سبيس إكس»، للوصول إلى المدار، حيث تنفذ التجارب داخل مختبرات مصغرة تعمل بصورة آلية.

وبعد انتهاء التجارب، تنفصل كبسولة العودة عن المركبة، وتبدأ رحلة الهبوط عبر الغلاف الجوي، قبل استخدام المظلات للوصول إلى منطقة غير مأهولة على سطح الأرض.

وتتيح هذه الآلية إعادة المواد التي جرى تصنيعها أو اختبارها في الفضاء إلى المختبرات الأرضية، من أجل فحصها وتحليل خصائصها ومقارنتها بالمواد التي جرى إنتاجها في الظروف التقليدية.

وتخطط فاردا لإطلاق سبع بعثات إضافية خلال عام 2027، وعشر بعثات أخرى في 2028، في إطار مساعيها لزيادة عدد التجارب وتقصير الفترة الفاصلة بين كل عملية تصنيع وأخرى.

وتعد وتيرة التجارب عاملًا حاسمًا في تطوير الأدوية، إذ لا يمكن لشركات الصناعات الدوائية الانتظار سنوات طويلة بين التجارب المتعاقبة، في ظل الحاجة إلى تسريع البحث والتطوير والوصول إلى نتائج قابلة للتكرار.

وقال مايكل رايلي، كبير مسؤولي الاستراتيجية في فاردا، إن تكرار التجارب بوتيرة سريعة يمثل شرطًا أساسيًا لدمج التصنيع الفضائي في عمليات تطوير الأدوية الحديثة.

من الأدوية إلى أشباه الموصلات.. الفضاء يختبر صناعة مواد المستقبل

لا يقتصر الاهتمام بالتصنيع في الفضاء على قطاع الأدوية، إذ تتجه شركات أخرى إلى اختبار إنتاج مواد صناعية متقدمة، من بينها أشباه الموصلات المستخدمة في الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية ومجموعة واسعة من الأجهزة الإلكترونية.

وتقوم الفكرة على أن ظروف الجاذبية الصغرى، إلى جانب غياب الهواء في البيئة الفضائية، قد تساعد على إنتاج بلورات أكثر نقاءً وأقل عيوبًا، وهو ما يمكن أن يحسن أداء بعض المواد الإلكترونية.

ومن بين الشركات العاملة في هذا المجال شركة «سبيس فورج» (Space Forge) البريطانية، ومقرها مدينة كارديف، التي تطور نموذجًا لتصنيع بلورات أشباه الموصلات في الفضاء، ثم إعادتها إلى الأرض لاستخدامها كنواة أو قوالب أولية لإنتاج كميات أكبر من المواد.

ويشبه هذا النموذج، بحسب الشركة، استخدام بادئ العجين المخمر؛ إذ يمكن الاستفادة من البلورات الأولية المنتجة في الفضاء بوصفها أساسًا لنمو كميات أكبر من المادة على الأرض.

وكانت مركبة الشركة الأولى «فورج ستار-1» (ForgeStar-1) قد اختبرت بعض العمليات المطلوبة لإنتاج هذه البذور البلورية، لكنها لم تنجح بعد في إتمام دورة التصنيع الكاملة وإعادة مادة نهائية إلى الأرض.

وقال أندرو بيكون، الشريك المؤسس والمدير التقني للشركة، إن الهدف يتمثل في إثبات إمكانية تنفيذ دورة التصنيع والعودة الكاملة قبل عام 2030.

ويشير هذا التوجه إلى أن التصنيع المداري قد يتوسع مستقبلًا ليشمل قطاعات متعددة، من الصناعات الدوائية إلى الإلكترونيات والمواد المتقدمة، إذا أمكن إثبات الجدوى الاقتصادية والتقنية لهذه العمليات.

نهاية محطة الفضاء الدولية تفتح الباب أمام قطاع تجاري جديد

تجري التجارب على التصنيع في بيئة الجاذبية الصغرى منذ عقود، خاصة على متن محطة الفضاء الدولية، التي وفرت للعلماء فرصة اختبار تأثير ظروف الفضاء على نمو البلورات وتطوير المواد.

لكن المحطة الدولية لم تُصمم أساسًا لتكون منشأة صناعية، بل كانت منصة لإجراء التجارب العلمية واختبار الأفكار والتقنيات، كما يُتوقع تقاعدها قرابة عام 2030.

وقال الدكتور ريان ريفز، نائب كبير العلماء في المختبر الوطني لمحطة الفضاء الدولية، إن المحطة أدت دورًا مهمًا باعتبارها بيئة تجريبية، لكنها لم تُنشأ بالضرورة لتلبية متطلبات التصنيع التجاري واسع النطاق.

وفي المقابل، تعمل شركات عدة على تطوير محطات فضائية تجارية يمكن أن تحل محل المحطة الدولية، بينما تتجه شركات أخرى إلى إنشاء مختبرات ومعدات متخصصة لإجراء التجارب والتصنيع في المدار.

ومن بين هذه الشركات «بايو أوربت» (BioOrbit) البريطانية، التي أرسلت مختبرًا بحجم فرن الميكروويف إلى محطة الفضاء الدولية، في خطوة تمهيدية لتطوير عمليات إنتاج تركيبات دوائية يمكن حقنها ذاتيًا، بما في ذلك تطبيقات محتملة في علاجات السرطان.

ويرى خبراء أن التصنيع الصناعي على نطاق واسع يتطلب تقليل التدخل البشري قدر الإمكان، لأن وجود البشر قد يؤدي إلى اهتزازات وتلوث بيولوجي، فضلًا عن الحاجة إلى أنظمة أمان معقدة.

ومن هنا تبرز أهمية المصانع المدارية المستقلة التي يمكنها تنفيذ عمليات التصنيع ومراقبتها وإعادة المنتجات إلى الأرض دون الحاجة إلى وجود رواد فضاء.

تكلفة الإطلاق والجدوى التجارية.. التحدي الأكبر أمام مصانع الفضاء

رغم التقدم التقني الذي تحقق في هذا المجال، لا تزال هناك تحديات كبيرة أمام تحويل التصنيع في الفضاء إلى نشاط اقتصادي مستدام.

ويأتي في مقدمة هذه التحديات ارتفاع تكلفة الإطلاق والنقل إلى المدار، والحاجة إلى تطوير كبسولات عودة آمنة، فضلًا عن ضرورة إثبات أن الفوائد الناتجة عن التصنيع في الجاذبية الصغرى تفوق التكاليف الإضافية مقارنة بالتصنيع التقليدي على الأرض.

وساعد انخفاض تكاليف الإطلاق وزيادة وتيرة رحلات الصواريخ التجارية على تعزيز اهتمام المستثمرين والشركات بهذا القطاع، لكن ذلك لا يعني أن جميع المنتجات أو المواد ستكون مناسبة للتصنيع في الفضاء.

وقالت ميغان كريستيان إن النجاح التجاري يتطلب تحديد التطبيقات ذات القيمة المرتفعة التي تبرر نقل عمليات التصنيع إلى بيئة الجاذبية الصغرى، بدلًا من محاولة نقل جميع العمليات الصناعية إلى المدار.

وتعني هذه الرؤية أن مستقبل الصناعة الفضائية قد يعتمد على عدد محدود من المنتجات عالية القيمة، التي تحقق فيها ظروف الفضاء ميزة واضحة لا يمكن الوصول إليها بسهولة باستخدام تقنيات التصنيع الأرضية.

التشريعات الدوائية أمام اختبار جديد

يمثل الإطار التنظيمي تحديًا إضافيًا، خاصة في قطاع الأدوية الذي يخضع لمعايير صارمة تتعلق بالجودة والسلامة والفعالية وثبات عمليات التصنيع.

ومن المتوقع أن تنشر وكالة تنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية البريطانية (MHRA) خطة توضيحية بشأن كيفية تطبيق القواعد التنظيمية الحالية على الأدوية التي يتم تصنيعها في المدار الفضائي.

وتشمل الأسئلة المطروحة كيفية التحقق من جودة المواد المنتجة في الفضاء، وضمان ثبات خصائصها بين دفعات التصنيع المختلفة، وتحديد مسؤوليات الشركات عن عمليات الإنتاج والنقل والعودة إلى الأرض.

كما يتعين إثبات أن المنتجات الفضائية يمكن تصنيعها بصورة متكررة وموثوقة، وليس الاكتفاء بتحقيق نجاح في تجربة واحدة.

وأكدت كريستيان أن الوصول إلى مرحلة الجدوى التجارية يتطلب تكرار العملية مرات عديدة، وإثبات أن النتائج تظل متقاربة ويمكن الاعتماد عليها في كل مرة.

هل نشهد ثورة صناعية جديدة في الفضاء؟

يرى العاملون في هذا المجال أن انخفاض تكاليف الإطلاق وتطور المركبات ذاتية التشغيل وتزايد الاهتمام التجاري قد يضع التصنيع الفضائي أمام مرحلة تحول مهمة.

وقال أندرو بيكون إن عدد الشركات التي تتحدث عن التصنيع في الفضاء ازداد بصورة كبيرة منذ تأسيس شركته عام 2018، معتبرًا أن القطاع بدأ يحظى باهتمام جدي من الأسواق والمستثمرين.

ومع ذلك، فإن الطريق إلى مصانع دوائية فضائية تعمل على نطاق تجاري لا يزال يتطلب تجاوز اختبارات تقنية وتنظيمية واقتصادية معقدة.

وتبقى القيمة الحقيقية لهذه التكنولوجيا مرتبطة بقدرتها على إنتاج مواد دوائية ذات خصائص أفضل، وإثبات إمكانية تكرار التصنيع بجودة ثابتة، ثم توفيرها بتكلفة تسمح باستخدامها على نطاق واسع.

وبينما لا تزال أدوية السرطان المنتجة في الفضاء في مرحلة البحث والتطوير، فإن التجارب الحالية تفتح بابًا جديدًا أمام صناعة الدواء، قد يجعل المدار الأرضي مستقبلًا جزءًا من سلسلة إنتاج العلاجات والمواد الطبية المتقدمة، وليس مجرد محطة للبحث العلمي واستكشاف الفضاء.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى