إفريقيا تتحمل العبء الأكبر.. 85% من البشر المعرّضين للحرائق
حرائق أقل مخاطر أكبر.. الأراضي المحروقة تتراجع عالميًا 26% لكن التعرض للحرائق يرتفع 40%
مفارقة الحرائق: أرض تحترق أقل.. وبشر يواجهون النيران أكثر
تظهر مفارقة غريبة تُعرف باسم “مفارقة الحرائق”، تحاول تفسير لماذا يواصل كوكب الأرض الاشتعال رغم أن المساحات المحروقة عالميًا في تراجع.
فبحسب دراسة نُشرت في دورية Science، انخفضت الأراضي المحروقة عالميًا بنسبة 26% خلال الفترة ما بين 2002 و2021، إلا أن عدد البشر الذين وصلت النيران إلى مناطق سكنهم ارتفع في الفترة ذاتها بنحو 40%.
هذا التناقض يوضح أن قلة المساحات المحروقة لا تعني بالضرورة تراجع المخاطر على السكان.
إفريقيا تتحمل العبء الأكبر
تكشف الدراسة أن نحو 440 مليون شخص تعرضوا لحرائق وصلت إلى مجتمعاتهم خلال العقدين الماضيين.
ورغم أن وسائل الإعلام تركز غالبًا على حرائق كاليفورنيا أو اليونان أو أستراليا، فإن هذه المناطق لا تمثل سوى أقل من 2.5% من حالات التعرض.
أما إفريقيا، الغائبة غالبًا عن العناوين الرئيسية، فكانت مسرحًا لـ 85% من التعرض البشري للحرائق.
خمس دول فقط – الكونغو، جنوب السودان، موزمبيق، زامبيا وأنجولا – استحوذت على نصف الإجمالي العالمي تقريبًا.
ويشير الباحثون إلى أن الزراعة تلعب دورًا مزدوجًا: فهي تُجزّئ المراعي العشبية الواسعة، فتحدّ من انتشار الحرائق الضخمة، لكنها في الوقت نفسه تُقرّب القرى والمزارع من مناطق الاشتعال، ما يزيد المخاطر على البشر.
تغير المناخ يفاقم الأزمة
منذ عام 1979 ارتفعت فترات الطقس الملائم لاشتعال الحرائق بأكثر من 54%، كما أصبحت مواسم الحرائق أطول.
حتى الليالي، التي كانت توفر فرصة لإخماد النيران، باتت أكثر حرارة وجفافًا بما يسمح باستمرار الحرائق بلا توقف.
الصورة تختلف من منطقة إلى أخرى؛ ففي الأميركيتين تغذي النباتات الغازية حرائق أكبر وأكثر تكرارًا، بينما تسعى أوروبا إلى إخماد النيران لكنها تواجه خطورة متزايدة بسبب تمدد العمران في مناطق حرجية.
دور الإنسان في تغيير المخاطر
يرى الباحثون أن نحو ربع حالات التعرض يمكن تفسيرها بالنمو السكاني والهجرة.
فمع انتقال مزيد من البشر للعيش في المناطق الفاصلة بين الغابات والمناطق الحضرية – التي تغطي أقل من 5% من سطح الأرض – تضاعفت الكثافة السكانية داخل مناطق معرضة للحرائق.
ويؤكد البروفيسور أمير آقاكوشاك، أحد المشاركين في الدراسة، أن “الأراضي المحروقة تقلصت، لكن زيادة القرى والمزارع قرب الأراضي القابلة للاحتراق جعلت التعرض يرتفع”.
ما وراء الأرقام
تشير النتائج إلى أن التركيز على حجم الأراضي المحروقة وحده يخفي الخطر الحقيقي.
فرغم أن الحرائق العنيفة لا تتجاوز 0.01% من إجمالي الأحداث، فإنها أحرقت 5% من الأراضي خلال فترة الدراسة، وعرّضت نحو 2.7 مليون شخص للخطر.
ويرى البروفيسور كاوه مدني، مدير معهد الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة، أن “الحرائق لم تعد ظواهر موسمية أو إقليمية، بل أزمة عالمية متصاعدة بفعل موجات الحرارة والجفاف وتغير استخدامات الأراضي”.
الحاجة إلى حلول عاجلة
تحذر الدراسة من أن الاقتصار على قياس الأراضي المحروقة يضلل صناع القرار.
فالمعيار الأهم هو مدى قرب البشر من المناطق القابلة للاشتعال، ومع استمرار التوسع العمراني في هذه المناطق، سيظل الملايين في مواجهة مباشرة مع النيران.
ويشدد الباحثون على ضرورة تطوير خطط إدارة محلية للحرائق، وبناء بنية تحتية أكثر مقاومة للنيران، وتحسين استعداد المجتمعات، لكنهم يؤكدون أيضًا أن هذه الإجراءات لا تكفي ما لم يواكبها عمل عالمي جاد للتخفيف من تغير المناخ، وإلا ستبقى النيران أقرب إلى البيوت من أي وقت مضى.





