أخبارتغير المناخ

ألمانيا تحت ضغط الجفاف.. الزراعة والصناعة تواجهان أزمة مناخية بسبب تغير المناخ

الماء ينضب والغابات تشتعل.. تغير المناخ يضع ألمانيا أمام تحدٍ مصيري

لم تعد تأثيرات تغير المناخ في ألمانيا مجرد تحذيرات نظرية، بل تحولت إلى واقع ملموس تظهر آثاره في تراجع الأمطار، وتصحر الحقول، وتدهور الغابات.

وفقاً لدراسة ألمانية هولندية مشتركة، يشهد أكثر الممرات المائية ازدحاماً في أوروبا ارتفاعاً ملحوظاً في درجة حرارة مياهه نتيجةً للاحتباس الحراري. ويؤثر ذلك بشكل كبير على النظام البيئي وعلى استخدام نهر الراين.

ففي مناطق واسعة من البلاد، غابت الأمطار لأيام وأسابيع، مما ألحق أضرارًا مباشرة بالمحاصيل الزراعية، وأثر على حركة الشحن النهري، وسط تحذيرات متزايدة من تداعيات اقتصادية وخدمية مقلقة.

الزراعة والمياه في مواجهة الخطر

الدكتور يورح ريشينبيرج، رئيس قسم المياه والأراضي في الهيئة الاتحادية للبيئة، أوضح في حديثه لموقع “الجزيرة نت” أن تداعيات الجفاف لا تقتصر على تراجع نمو النباتات، بل تمتد إلى فقدان التربة لخصوبتها.

وأضاف: “إذا انخفضت احتياطيات المياه في التربة نتيجة فترات جفاف سابقة، فإن أي نقص جديد في الأمطار يؤدي إلى خسائر فادحة في المحاصيل الزراعية”.

كما حذر من تعرية التربة بفعل الرياح، والتي تتسبب في فقدان الطبقة العلوية الغنية بالمواد العضوية.

وأشار ريشينبيرج إلى أن تغير أنماط هطول الأمطار وتراجع منسوب المياه الجوفية والسطحية يُخلّ بالتوازن بين العرض والطلب على المياه. ونتيجة لذلك، تتزايد حدة التنافس بين القطاعات المختلفة مثل الطاقة، والزراعة، والصناعة، وإمدادات مياه الشرب، إلى جانب تأثير ذلك على استقرار الأنظمة البيئية.

ويعني تراجع منسوب المياه الجوفية والسطحية أن الكميات المتاحة لا تكفي لتلبية الاحتياجات اليومية، مما قد يؤدي إلى اضطرابات في توفير المياه للمزارع والمنازل والمصانع، خاصة في أوقات الذروة.

سيؤدي تغير المناخ إلى ارتفاع درجة حرارة نهر الراين بمعدل يتراوح بين 1.1 و1.8 درجة مئوية بحلول عام 2050، وبمعدل يتراوح بين 2.9 و4.2 درجة مئوية بحلول عام 2100.

هذا ما توقعه المعهد الفيدرالي لعلم المياه (BfG) ومعهد الأبحاث الهولندي دلتاريس، في دراسة استُخدمت فيها السنوات من 1990 إلى 2010 كمرجع.

في المتوسط السنوي، سينخفض عدد الأيام التي تنخفض فيها درجات الحرارة عن 10 درجات مئوية في أكثر المجاري المائية ازدحامًا في أوروبا من 170 يومًا إلى 104 أيام بحلول نهاية القرن، بينما سيرتفع عدد الأيام التي تزيد فيها درجات الحرارة عن 21.5 درجة مئوية من 32 يومًا إلى 106 أيام.

 

الغابات تحترق.. والقيود تتوسع

تزايد الجفاف جعل الغابات، خصوصًا في شرق ألمانيا، أكثر عرضة لخطر الحرائق. وتُعد ولاية براندنبورج، ذات الغطاء الكثيف من غابات الصنوبر وتربتها الرملية الخفيفة، من أكثر المناطق تهديدًا.

وفي خطوة احترازية، فرضت السلطات المحلية قيودًا صارمة على سحب المياه من الأنهار والبحيرات والآبار في 8 مقاطعات ببراندنبورج، إضافة إلى مناطق أخرى في ولاية ساكسونيا أنهالت.

أندريه بير[ر، المدير العام للرابطة الألمانية للبلديات، شدد على أن هذه الإجراءات ضرورية لتفادي فرض حظر شامل على استخدام المياه، قائلًا: “بهذه الطريقة فقط يمكننا منع اتخاذ تدابير أكثر صرامة في المستقبل”.

الراين يجف.. وقلق في قلب الصناعة

يُعد نهر الراين شريانًا اقتصاديًا رئيسيًا في ألمانيا، إذ يربط موانئ الشمال بالمراكز الصناعية في الجنوب. ومع تراجع منسوب مياهه إلى مستويات حرجة، تصاعدت المخاوف من انعكاسات اقتصادية جسيمة.

نيلس يانزن، رئيس قسم التحليل الاقتصادي في معهد كيل للاقتصاد العالمي (IfW)، حذر في تصريحات لصحيفة “هاندلسبلات” من التبعات، قائلًا إن التجارب السابقة أظهرت أن انخفاض منسوب مياه الراين لفترة طويلة قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الصناعي بنسبة تصل إلى 1% شهريًا.

في حين اعتبرت وزيرة الاقتصاد في ولاية شمال الراين-وستفاليا، منى نويباور، أن الوضع أصبح مقلقًا للغاية، مشيرة إلى أن شهر مارس الماضي كان من أكثر الشهور جفافًا منذ بدء تسجيل بيانات المناخ، وفقًا لهيئة الأرصاد الألمانية.

الغابات الشرقية، خاصة في براندنبورغ، أصبحت أكثر عرضة للحرائق الموسمية

خسائر تتكرر.. وشركات تتكبد الخسائر

لا تزال تجربة عام 2018 حاضرة في الذاكرة الاقتصادية، حين أدى انخفاض منسوب الراين إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي الألماني بنسبة 0.4%.

كما تكبدت شركات كبرى مثل “باسف” للصناعات الكيميائية خسائر كبيرة نتيجة تعطل سلاسل الإمداد.

وفي عام 2022، ارتفعت أسعار الوقود بشكل ملحوظ في جنوب البلاد بسبب تعطل حركة الشحن النهري، إذ لم تتمكن السفن من نقل الوقود من موانئ الشمال إلى الجنوب.

وتشير بيانات القياس في مدينة كاوب إلى أن استمرار انخفاض منسوب المياه تحت مستوى 78 سنتيمترًا لأكثر من 30 يومًا يؤدي إلى تراجع الإنتاج الصناعي بنسبة 1%.

وهذا يعني أن النهر يصبح غير صالح للملاحة الكاملة عندما ينخفض منسوب المياه إلى ما دون هذا الحد، مما يعيق مرور السفن التجارية المحملة بالبضائع الثقيلة.

وقال الخبير الاقتصادي جوزيف لابشوتس: “إذا استمر انخفاض منسوب المياه، فستعاني المصانع من نقص في المواد الخام، وقد تضطر إلى خفض الإنتاج أو حتى إيقافه مؤقتًا”، داعيًا الحكومة الألمانية إلى تحرك عاجل لمعالجة هذا التهديد المتفاقم.

حلول مؤجلة.. المال وحده لا يكفي

بدأت شركات مثل “باسف” بالفعل البحث عن حلول بديلة، من بينها شراء سفن ذات تصميم خاص للإبحار في المياه الضحلة. إلا أن هذه الإجراءات تبقى مؤقتة، خاصة أن الموقع الصناعي الرئيسي للشركة في لودفيغسهافن يستقبل يوميًا نحو 15 سفينة، وهي كميات لا يمكن تعويضها بسهولة عبر الشحن البري أو السكك الحديدية.

ورغم أن الحكومة الألمانية السابقة وضعت خطة لتعميق مجرى نهر الراين بنحو 20 سنتيمترًا في مناطق ضيقة تمتد لمسافة 50 كيلومترًا، فإن المشروع لا يزال متعثرًا بسبب التعقيدات البيروقراطية.

وعلّق وزير النقل السابق فولكر فيسينج بالقول: “المال وحده لا يكفي لحل مشاكل البنية التحتية، بل نحتاج إلى سرعة في التنفيذ”.

أزمة الجفاف في ألمانيا تسببت في تراجع خصوبة التربة وخسائر زراعية

الوقاية أولًا.. رؤية إستراتيجية مفقودة

يرى الخبير في مواجهة الكوارث المناخية، جوزيف لابشوتس، أن ما يجري اليوم هو إدارة لأعراض الأزمة، وليس معالجة لأسبابها الجذرية.

ويضيف: “على مدى السنوات الماضية، تم اتخاذ العديد من الإجراءات على المستويين الأوروبي والألماني، وتم تعزيز التعاون الأوروبي من خلال برامج مثل (كوبرنيكوس) التي تقدم الدعم للدول عندما تعجز عن المواجهة منفردة”.

ويشدد لابشوتس على أن الوقاية طويلة الأمد هي الأساس في التصدي لهذه الكوارث المتكررة.

ويقول: “يجب إعادة تشجير الغابات وتغيير أنماط إدارتها، واستخدام تقنيات حديثة مثل أجهزة الاستشعار لمراقبة الغطاء النباتي، إلى جانب أنظمة إنذار مبكر، والمراقبة عبر الأقمار الصناعية”.

ويختم قائلًا: “لا بد أن تكون هذه الجهود شاملة وعادلة اجتماعيًا. تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ضرورة لا يمكن التخلي عنها، وهي مسؤولية جماعية تقع على عاتق الحكومات، والشركات، والمجتمع المدني”.

ارتفعت درجة حرارة نهر الراين بشكل ملحوظ ، لا سيما جنوب كارلسروه. ارتفع متوسط درجة حرارة الماء السنوية في بازل بمقدار 0.4 درجة مئوية كل عقد منذ عام 1978. في الوقت نفسه، انخفضت معدلات تصريف المياه الحرارية من محطات الطاقة النووية.

كما أن لارتفاع درجة الحرارة آثارًا سلبية على استخدام نهر الراين: ففي حال تجاوز القيم الحدية، تفرض السلطات قيودًا على عمليات السحب الصناعية أو الزراعية. كاي شونبيرج

قيودا مائية مشددة في 8 مقاطعات لمواجهة الأزمة

أزمة متشابكة تنتظر إرادة سياسية

الجفاف في ألمانيا لم يعد ظاهرة عابرة، بل تحول إلى أزمة مركبة تمس الأمن الغذائي، واستقرار الاقتصاد، وسلامة النظم البيئية.

وبينما تتخذ السلطات تدابير مؤقتة لاحتواء الآثار، تظل المعالجة الجذرية معلقة بين بطء التنفيذ وضعف الإرادة السياسية. فالوضع يتطلب رؤية متكاملة طويلة الأمد تضع البيئة في قلب السياسات الاقتصادية، وتمنح الاستدامة أولوية تتناسب مع حجم التحدي.

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. Your blog is a constant source of inspiration for me. Your passion for your subject matter is palpable, and it’s clear that you pour your heart and soul into every post. Keep up the incredible work!

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading