أكبر سحب نفطي في التاريخ… لكن هل يكفي لوقف صعود الأسعار؟
ضخ 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية لا يهدئ الأسواق
في محاولة لاحتواء الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، أعلنت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية عن أكبر عملية إفراج من المخزونات النفطية الطارئة في تاريخ الوكالة، في خطوة تهدف إلى تهدئة الأسواق العالمية بعد الاضطرابات التي ضربت الإمدادات نتيجة الحرب في الخليج وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز.
غير أن رد فعل الأسواق جاء مخالفًا للتوقعات؛ إذ واصلت أسعار النفط ارتفاعها رغم ضخ مئات الملايين من البراميل في السوق، ما يعكس عمق الأزمة الحالية في إمدادات الطاقة العالمية.
ضخ 400 مليون برميل لمواجهة صدمة السوق
اتفقت أكثر من 30 دولة في أوروبا وأمريكا الشمالية وشرق آسيا على الإفراج عن نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في محاولة لتعويض جزء من النقص في الإمدادات العالمية.
وتقود الولايات المتحدة العملية عبر الإفراج عن 172 مليون برميل من احتياطيها النفطي الاستراتيجي، وهو ما يمثل نحو 43% من إجمالي الكمية التي ستضخها الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية.
وتعد هذه الخطوة أكبر عملية سحب من المخزونات الطارئة منذ تأسيس الوكالة قبل نحو نصف قرن، إذ يتجاوز حجمها بكثير أكبر عملية سابقة جرت عام 2022 عندما أفرجت الدول الأعضاء عن نحو 182 مليون برميل لمواجهة اضطرابات السوق.

الأسعار ترتفع رغم التدخل
على الرغم من ضخ هذه الكميات الكبيرة، سجلت أسعار النفط ارتفاعًا ملحوظًا خلال الأيام الأخيرة، حيث قفزت الأسعار بأكثر من 17% منذ إعلان الإفراج عن المخزونات.
وأغلق خام برنت، المعيار العالمي للنفط، فوق مستوى 100 دولار للبرميل لجلستين متتاليتين، ما يعكس استمرار القلق في الأسواق بشأن نقص الإمدادات.
ويرى محللون أن السوق أرسلت رسالة واضحة مفادها أن الخطوة لا تكفي وحدها لتعويض الفجوة الكبيرة في المعروض الناتجة عن تعطل الإمدادات في منطقة الخليج.
مضيق هرمز.. عقدة سوق الطاقة
تتركز المخاوف الرئيسية في أسواق النفط حول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل الطاقة.
ويمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية، أي ما يعادل قرابة 20% من الإمدادات العالمية.
وأدى إغلاق المضيق أو تعطّل الملاحة فيه بسبب الحرب إلى اضطراب واسع في حركة ناقلات النفط، وهو ما خلق فجوة كبيرة بين العرض والطلب في الأسواق العالمية.

بدائل محدودة لنقل النفط
قبل اندلاع الحرب، كانت السعودية والعراق والكويت والإمارات تصدر مجتمعة نحو 14 مليون برميل يوميًا من النفط.
لكن القدرة على تجاوز مضيق هرمز عبر خطوط الأنابيب البديلة تظل محدودة، إذ لا يمكن نقل سوى 5 إلى 6 ملايين برميل يوميًا عبر خطوط الأنابيب المتجهة إلى البحر الأحمر وخليج عمان.
وبذلك تبقى نحو 9 ملايين برميل يوميًا من الإمدادات العالمية مقيدة في المنطقة حتى استئناف حركة الملاحة في المضيق.
المخزونات الاستراتيجية.. جسر مؤقت
رغم ضخامة الكمية المعلن عنها، يرى خبراء الطاقة أن الإفراج عن المخزونات يمثل حلاً مؤقتًا لتخفيف الصدمة في الأسواق وليس علاجًا جذريًا للأزمة.
فالعالم يستهلك في الوقت الحالي نحو 105 ملايين برميل من النفط يوميًا، ما يعني أن 400 مليون برميل تكفي نظريًا أقل من أربعة أيام من الاستهلاك العالمي.
حتى إذا قورنت الكمية بحجم النفط الذي يعبر مضيق هرمز في الظروف الطبيعية، فإنها تعادل فقط نحو 20 يومًا من التدفقات عبر المضيق.
كما أن هذه الكمية لا يمكن ضخها دفعة واحدة في السوق بسبب القيود اللوجستية المتعلقة بالنقل والتكرير والتوزيع.

خطر استنزاف الاحتياطيات
يمثل الإفراج عن 400 مليون برميل نحو ثلث الاحتياطيات الاستراتيجية التي تملكها دول وكالة الطاقة الدولية، والبالغة نحو 1.2 مليار برميل من المخزونات الحكومية.
أما الولايات المتحدة، التي تقود العملية، فتملك نحو 415 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي، ما يعني أن الكمية التي ستفرج عنها تمثل أكثر من 40% من مخزونها الطارئ.
ورغم ذلك، أكد المسؤولون الأمريكيون أن واشنطن تخطط لإعادة شراء النفط لتعويض هذه الكميات خلال العام المقبل.
سيناريوهات الأسعار في الأشهر المقبلة
تشير تقديرات شركات الطاقة إلى أن استمرار الحرب في الخليج قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى خلال الأشهر المقبلة.
وتتوقع بعض التحليلات أن يصل سعر خام برنت إلى:
-
110 دولارات للبرميل بحلول أبريل إذا استمرت الحرب شهرين
-
135 دولارًا للبرميل بحلول يونيو إذا طال أمد الصراع أربعة أشهر أو أكثر
في المقابل، قد تتراجع الأسعار تدريجيًا إذا أعيد فتح مضيق هرمز واستقرت الإمدادات النفطية العالمية.

أزمة الطاقة تعود إلى الواجهة
تعكس التطورات الأخيرة هشاشة سوق الطاقة العالمية واعتمادها الكبير على استقرار منطقة الخليج، التي تظل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير النفط في العالم.
كما تعيد الأزمة الحالية إلى الواجهة المخاوف من عودة التضخم العالمي نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والصناعة.
وبينما يمكن للمخزونات الاستراتيجية أن تخفف صدمة الأسعار مؤقتًا، فإن إعادة التوازن الحقيقي للسوق تبقى مرهونة بعودة تدفق النفط عبر مضيق هرمز واستقرار الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة.





