أخبارالاقتصاد الأخضرالتنمية المستدامة

مشروع تشجير عمره 90 عامًا ينقلب على هدفه.. أشجار التنوب خفّضت تنوع النباتات 74.5%

التشجير ليس دائمًا مكسبًا للبيئة.. دراسة تكشف الثمن الخفي لغابات التنوب

لطالما ارتبطت زراعة الأشجار بحماية البيئة واستعادة الأراضي المتدهورة، لكن دراسة علمية جديدة تكشف أن التشجير ليس دائمًا مكسبًا بيئيًا تلقائيًا، خصوصًا عندما يعتمد على زراعة نوع واحد من الأشجار على نطاق واسع.

وبعد نحو 90 عامًا من إنشاء غابات كثيفة من أشجار التنوب النرويجي في شمال إيطاليا، اكتشف باحثون أن هذه المواقع تضم عددًا أقل من أنواع النباتات بنسبة 50.3% مقارنة بالغابات الأصلية ذات الأشجار عريضة الأوراق، وبنسبة تصل إلى 74.5% مقارنة بالمراعي الجبلية القريبة.

وأظهرت الدراسة أن التربة السطحية تحت أشجار التنوب تحتوي على كميات أكبر من الكربون العضوي، لكن ذلك ترافق مع انخفاض التنوع النباتي واختلال التوازن بين الوظائف البيئية المختلفة للنظام الطبيعي.

ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Ecosystems ، وأُجريت الدراسة في منطقتي مونتي بيسبينو وألبي ديل فيكيريه في جبال الألب الإيطالية، بالقرب من بحيرة كومو، حيث أنشئت مشاريع إعادة تشجير في ثلاثينيات القرن العشرين.

وخلص الباحثون، من جامعتي ميلانو ولوزان، إلى أن زراعة غابة مكونة من نوع واحد يمكن أن تستمر في إعادة تشكيل الضوء وخصائص التربة وتراكم المخلفات النباتية والمجتمعات النباتية لعدة أجيال، حتى عندما يكون نوع الأشجار المزروع أصيلًا في مناطق أخرى، لكنه يُزرع خارج نطاقه المحلي الطبيعي.

أشجار التنوب

مشروع تشجير بدأ بهدف إنتاج الأخشاب

خلال أوائل القرن العشرين، أطلقت إيطاليا برامج لإعادة تشجير المناطق الجبلية بهدف تثبيت المنحدرات وتوفير الأخشاب.

وفي ظل النظام الفاشي، زُرع التنوب النرويجي في المراعي والمروج الجبلية بسبب سرعة نموه وقيمة أخشابه، ما أدى إلى إنشاء تجمعات متجانسة من الأشجار في مناطق تقع خارج نطاق انتشاره المحلي الطبيعي.

وتوضح الدراسة أن الغابة المزروعة ليست بالضرورة مماثلة للغابة الأصلية؛ فالغابة الطبيعية تتكون عادة من طبقات متعددة تضم الأشجار والشجيرات والأزهار والفطريات والحيوانات، بينما تفرض الغابة أحادية النوع سيطرة نوع واحد على معظم مكونات النظام البيئي.

أشجار التنوب النرويجي
أشجار التنوب النرويجي

ماذا وجد العلماء بعد قرابة قرن؟

بين مارس ويوليو 2023، راقب الباحثون 25 قطعة صغيرة من الأراضي موزعة بين مزارع التنوب، والغابات الأصلية ذات الأشجار عريضة الأوراق، والمراعي التي ظلت قائمة لفترات طويلة.

وسجل الفريق 136 نوعًا من النباتات، إلى جانب 201 نوع أو شكل تصنيفي من مفصليات الأرجل، وهي كائنات شملت حشرات وعناكب وغيرها، مع استخدام مفهوم «الأشكال التصنيفية» عندما تعذر تحديد النوع بدقة.

وكان متوسط عدد أنواع النباتات في قطع أراضي التنوب سبعة أنواع فقط، مقابل 18.5 نوعًا في الغابات الأصلية، و37 نوعًا في المراعي الجبلية.

وبذلك لم تكن غابات التنوب قد استبدلت مجتمعًا نباتيًا متنوعًا بآخر مختلف فحسب، بل كان الغطاء النباتي الموجود تحتها يمثل إلى حد كبير نسخة فقيرة من النباتات التي كانت تعيش في الغابات الأصلية.

الظل الدائم يغلق نافذة الضوء

يرى الباحثون أن أحد الأسباب الرئيسية لهذا التراجع في التنوع يرتبط بخصائص أشجار التنوب النرويجي.

فالأشجار عريضة الأوراق تفقد أوراقها خلال الشتاء، ما يسمح بوصول ضوء الشمس إلى أرض الغابة خلال فترة مبكرة من الربيع، وهي فترة مهمة للعديد من النباتات والأزهار قبل أن تغلق الأشجار مظلتها خلال فصل النمو.

أما التنوب النرويجي فيحتفظ بأوراقه الإبرية طوال العام، ما يحرم النباتات الموجودة أسفله من جزء كبير من هذه النافذة الموسمية للضوء.

وأظهرت الدراسة أن المجتمعات النباتية تحت أشجار التنوب أصبحت أكثر تكيفًا مع مستويات الإضاءة المنخفضة والظروف الأكثر برودة، بينما تراجعت النباتات التي تزهر في وقت مبكر من الموسم، وكذلك الأشجار المحلية الصغيرة.

وفي الوقت نفسه، أسهمت المظلة الكثيفة للأشجار وتراكم الإبر المتساقطة في الأرض في زيادة الضغط على الأنواع النباتية التي تستطيع الاستمرار والنمو تحتها.

كربون أكثر.. لكن ليس بالضرورة تربة أفضل

أشجار التنوب النرويجي

من المفارقات التي كشفتها الدراسة أن الطبقة العليا من التربة تحت أشجار التنوب احتوت على كربون عضوي أكثر بنسبة 25% مقارنة بالموائل الأخرى.

لكن الباحثين لا يرون أن ارتفاع الكربون وحده دليل على تحسن صحة النظام البيئي.

ويرتبط تراكم الكربون في هذه الحالة بتراكم إبر التنوب وتحللها البطيء، وليس بالضرورة بزيادة سرعة دورة العناصر الغذائية أو إنتاجية التربة.

ويمكن تشبيه ذلك بكومة من السماد العضوي تستمر في الارتفاع لأن المواد الجديدة تتراكم بسرعة أكبر من معدل تحللها.

كما كانت تربة غابات التنوب أكثر حموضة من تربة الغابات الأصلية والمراعي، وأظهر توازن الكربون إلى النيتروجين مؤشرات على بطء دوران المادة العضوية.

ويعني ذلك أن بعض العناصر الغذائية قد تظل محجوزة داخل المخلفات النباتية لفترة أطول بدلًا من عودتها سريعًا إلى النظام الذي تستفيد منه النباتات.

ليست المشكلة في عدد النباتات فقط

لم يقتصر تقييم الباحثين على حساب عدد الأنواع النباتية، بل درسوا أيضًا ما يعرف بـ«التساوي الوظيفي»، وهو مقياس يوضح مدى توزيع المجتمع الحيوي بصورة متوازنة بين الوظائف والأدوار البيئية المختلفة.

وسجلت مزارع التنوب انخفاضًا في هذا المقياس بنحو 30%، ما يشير إلى أن عددًا أكبر من الوظائف البيئية المحتملة لم يكن ممثلًا بصورة متوازنة.

ولا يعني انخفاض التساوي الوظيفي أن كل غابة مزروعة ستفشل بيئيًا، لكنه يشير إلى استخدام أقل توازنًا للضوء والتربة والموارد الأخرى، وهو ما قد يجعل النظام البيئي أقل قدرة على مواجهة الاضطرابات.

ووصف الباحثون الغطاء النباتي الموجود تحت مزارع التنوب بأنه «مجموعة متدهورة وفقيرة» مقارنة بالمجتمع النباتي للغابات الأصلية.

مفصليات الأرجل قدمت صورة أكثر تعقيدًا

أشجار التنوب النرويجي
أشجار التنوب النرويجي

لم تظهر الكائنات المفصلية التي تعيش على سطح الأرض انخفاضًا إحصائيًا واضحًا بين البيئات المختلفة.

وبلغ متوسط عدد الأنواع أو الأشكال التصنيفية 25 في قطع التنوب، مقابل 28.5 في الغابات الأصلية و37 في المراعي، إلا أن الاختلافات بين العينات كانت كبيرة، ولم يكن تأثير الموطن ذا دلالة إحصائية واضحة.

وقد يكون ذلك مرتبطًا بقدرة الخنافس والعناكب وغيرها من الكائنات الصغيرة على الحركة والانتقال بين البيئات، أو بقدرة بعض المجتمعات الحيوانية على التعافي خلال العقود الطويلة التي مرت منذ إنشاء الغابات.

لكن الباحثين يشيرون إلى أن استخدام مصائد الحفر يركز بصورة أساسية على الكائنات التي تتحرك على سطح الأرض، ولا يرصد بالضرورة الملقحات أو الحشرات التي تتغذى على الأوراق أو الأنواع التي تعيش في مظلة الأشجار أو ترتبط بالأخشاب الميتة.

درس مهم لبرامج استعادة الغابات

لا تدعو الدراسة إلى التخلي عن إعادة التشجير، وإنما تحذر من اعتبار عدد الأشجار وحده مقياسًا لنجاح استعادة النظم البيئية.

فقد تكون المنطقة مغطاة بأشجار طويلة وخضراء، وتخزن كميات أكبر من الكربون في الطبقة السطحية من التربة، لكنها في الوقت نفسه قد تحتوي على عدد أقل بكثير من الأنواع النباتية وتقدم مجموعة أضيق من الوظائف البيئية.

ويشير الباحثون إلى أن نحو نصف المساحات التي جرى التعهد باستعادتها ضمن برامج استعادة الغابات عالميًا تتكون من مزارع أحادية النوع، وغالبًا باستخدام أشجار غير محلية.

وأظهرت مقارنات عالمية سابقة أن الغابات الأصلية تقدم فوائد أقوى فيما يتعلق بالتنوع البيولوجي وتخزين الكربون وتوفير المياه والحد من تآكل التربة، بينما تحتفظ المزارع بمزية واضحة في إنتاج الأخشاب.

كما أظهرت دراسة أخرى أن زراعة عدة أنواع من الأشجار معًا يمكن أن تؤدي عمومًا إلى إنتاج كمية أكبر من الأخشاب مقارنة بالمزارع أحادية النوع عبر نطاق واسع من الظروف البيئية.

أشجار التنوب
أشجار التنوب

ليست كل الأراضي المفتوحة بحاجة إلى الأشجار

من أبرز الدروس التي تقدمها الدراسة أن الأراضي المفتوحة لا تعني بالضرورة أراضي فقيرة بيولوجيًا.

ففي المواقع الإيطالية التي فحصها الباحثون، كانت المراعي الجبلية القديمة هي الموطن الأكثر تنوعًا بين المواقع الثلاثة، وليس الغابات.

ومن مسافة بعيدة، قد تبدو الأرض المفتوحة خالية من الحياة مقارنة بغابة كثيفة، لكنها قد تضم عشرات الأنواع النباتية عند مستوى سطح الأرض.

لذلك، فإن نجاح مشروعات التشجير واستعادة النظم البيئية لا ينبغي أن يقاس بعدد الأشجار التي زُرعت فقط، وإنما بما يحدث للنظام البيئي بأكمله: عدد الأنواع التي تستمر، وتنوع الوظائف البيئية، وصحة التربة، وقدرة الموطن على دعم الحياة.

وتخلص الدراسة إلى درس بسيط لكنه مهم: اختيار الشجرة المناسبة للمكان المناسب، وزراعة مزيج متنوع من الأنواع عند الحاجة، قد يكون أكثر أهمية من مجرد زيادة عدد الأشجار.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة