أخبارالاقتصاد الأخضر

4 تحولات تعيد تشكيل أسواق أرصدة الكربون القائمة على الطبيعة

الطبيعة تدخل سوق الكربون بقوة.. تكنولوجيا وبيانات وتمويل طويل الأجل لخفض الانبعاثات

تدخل أسواق الكربون القائمة على الطبيعة مرحلة جديدة، مع تطور المشروعات التي تستهدف إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، واعتمادها بصورة متزايدة على علوم أكثر دقة، وبيانات متقدمة، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وآليات تمويل طويلة الأجل.

ومع اقتراب العالم من عام 2030، وهو موعد حاسم لتحقيق الأهداف المناخية الحالية في إطار اتفاق باريس، تتزايد الحاجة إلى الجمع بين خفض الانبعاثات من مصادرها وإزالة الكربون الموجود بالفعل في الغلاف الجوي.

ووفقًا لتقرير حديث لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، لا يزال تحقيق أهداف اتفاق باريس المناخية ممكنًا، رغم أن العالم يسير باتجاه تجاوز عتبة ارتفاع درجة الحرارة العالمية البالغة 1.5 درجة مئوية خلال السنوات المقبلة.

وتوفر الطبيعة أحد المسارات المتاحة لإزالة الكربون على المدى القريب؛ إذ تمتص الغابات والأراضي الرطبة والمحيطات أكثر من نصف الانبعاثات البشرية من الكربون سنويًا، بينما يمكن للحلول القائمة على الطبيعة، مع توفير الاستثمارات اللازمة، أن تزيل ما يصل إلى 6 مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا بحلول عام 2050.

أسواق أرصدة الكربون القائمة على الطبيعة

سوق مختلف عن الماضي

شهد سوق الكربون القائم على الطبيعة تطورًا كبيرًا خلال السنوات الخمس الماضية، وبدأت مشروعات الجيل الجديد في تقديم نتائج قابلة للقياس والتحقق.

وتشمل هذه المشروعات إعادة بناء النظم البيئية المتدهورة، وقياس كمية الكربون التي تتم إزالتها من الغلاف الجوي مع استعادة هذه النظم ونموها.

ومن الأمثلة على ذلك شركة Mombak التي تعمل على استعادة أراضٍ رعوية متدهورة في منطقة الأمازون البرازيلية من خلال إعادة التشجير على نطاق واسع باستخدام أنواع الأشجار المحلية.

وفي أغسطس 2026، أعلنت الشركة تسليم أول أرصدة لإزالة الكربون من مشروعات استعادة غابات الأمازون إلى مشترين، قبل أكثر من عامين من الموعد المخطط له، ومن بينهم أعضاء في Symbiosis Coalition، وهي مجموعة من المشترين تستهدف توسيع سوق إزالة الكربون القائمة على الطبيعة.

ويرى مؤلفو الدراسة أن صورة أسواق الكربون القائمة على الطبيعة لدى كثير من الشركات وصناع السياسات والمؤسسات لا تزال مرتبطة بما كان عليه السوق قبل سنوات، رغم التطورات التي شهدها القطاع.

ويشير هذا التحول إلى أن تقييم مشروعات إزالة الكربون القائمة على الطبيعة بات يعتمد بصورة متزايدة على أربعة عناصر رئيسية.

1. صرامة أكبر في حساب الكربون

يعتمد الجيل الجديد من المشروعات على أحدث العلوم والبيانات من أجل إجراء حسابات أكثر تحفظًا لكمية الكربون التي يتم تخزينها أو إزالتها، إلى جانب استخدام خطوط أساس ديناميكية والحد من مخاطر تسرب الانبعاثات.

ويُقصد بتسرب الانبعاثات احتمال انتقال النشاط الضار إلى منطقة أخرى بدلًا من اختفائه؛ فعلى سبيل المثال، قد يؤدي منع إزالة الغابات في منطقة معينة إلى انتقال عمليات إزالة الأشجار إلى منطقة مجاورة.

وتساعد هذه الأدوات مجتمعة على زيادة اليقين بشأن الأثر المناخي الحقيقي للمشروع.

وتستند خطوط الأساس الديناميكية إلى منطق مشابه لبعض آليات التجارب العشوائية، إذ تقيس تأثير المشروع مقارنة بما كان سيحدث في حال عدم تنفيذ التدخل.

وفي النماذج القديمة، كان خط الأساس يُحدد مرة واحدة في بداية المشروع ولا تتم مراجعته لاحقًا. أما النماذج الديناميكية فتتم إعادة تقييمها مع كل إصدار للأرصدة، بما يعكس الظروف الفعلية على الأرض ويقلل مخاطر منح أرصدة تفوق حجم الإزالة الحقيقية للكربون.

وأصبحت هذه المنهجية تحظى باهتمام متزايد لدى كبار المشترين في السوق.

2. تعزيز استدامة الكربون المخزن

يركز الجيل الجديد من المشروعات منذ مرحلة التصميم الأولى على ضمان بقاء الكربون الذي تمت إزالته وتخزينه، وتقليل احتمالات عودته إلى الغلاف الجوي.

وكان خطر عودة الكربون إلى الغلاف الجوي أحد العوامل التي حدّت من الثقة في بعض مشروعات الجيل السابق.

وتشمل الأدوات الجديدة خطط مراقبة وإدارة الحرائق في المناطق المعرضة لحرائق الغابات، فضلًا عن خطط لتقاسم المنافع وتصميم مشروعات تعتمد على مصادر متعددة للإيرادات، بما يمنح المجتمعات المحلية حافزًا للحفاظ على المشروع حتى بعد انتهاء الإيرادات المرتبطة بأرصدة الكربون.

كما ظهرت آليات تعاقدية جديدة لإدارة مخاطر فقدان الكربون، من بينها صناديق أو آليات مخصصة لضمان الاستمرارية، واتفاقيات تلزم باستبدال عمليات إزالة الكربون قصيرة الأجل بإزالة دائمة عند انتهاء فترة مراقبة أي انعكاس في مخزون الكربون.

وتستهدف هذه الآليات الحفاظ على المنفعة المناخية للمشروع وتعويض الأرصدة عند الحاجة.

3. التمويل طويل الأجل يفتح الباب أمام التوسع

يمثل التمويل أحد العوامل الحاسمة في انتقال أرصدة إزالة الكربون القائمة على الطبيعة من مشروعات محدودة إلى سوق واسع النطاق.

وتستفيد اتفاقيات شراء إزالة الكربون طويلة الأجل من تجربة قطاع الطاقة المتجددة، ولا سيما اتفاقيات شراء الطاقة التي ساعدت في توسيع الاستثمار في مشروعات الطاقة النظيفة.

وتوفر هذه الاتفاقيات للمطورين وضوحًا بشأن الطلب والأسعار على المدى الطويل، وهو ما يساعدهم على جذب استثمارات خارجية وتمويل عمليات التوسع.

كما بدأت أدوات مالية أخرى، مثل التأمين، تلعب دورًا في إدارة المخاطر التي تواجه المشترين والمطورين والمستثمرين.

وتتيح هذه الآليات تحويل إزالة الكربون من فئة أصول ناشئة وغير مألوفة إلى استثمار يمكن التعامل معه ضمن أطر تمويلية أكثر وضوحًا.

أسواق أرصدة الكربون القائمة على الطبيعة

4. الذكاء الاصطناعي والبيانات يعيدان تعريف القياس

أدى التقدم في الذكاء الاصطناعي والبيانات الجغرافية المكانية إلى رفع مستوى الثقة في تصميم مشروعات الكربون وقياس كميات الإزالة ومراقبتها والتحقق منها.

ومن الأمثلة على ذلك مشروع Open Carbon Data Project الذي أعلنت عنه شركة Sylvera، بهدف إنشاء مجموعة بيانات مفتوحة وعالية الدقة لرصد الكربون في غابات الأطلسي البرازيلية.

ويشارك في دعم المشروع عدد من المؤسسات، بينها مؤسسة روكفلر، وميتا، ومعهد الموارد العالمية، وائتلاف Symbiosis، إلى جانب مؤسسة البحث البرازيلية UESC.

ويستهدف المشروع زيادة حجم البيانات الموثوقة والمدعومة علميًا، بما يسمح بتحسين عمليات القياس والإبلاغ والتحقق على نطاق واسع.

ولا يقتصر دور التكنولوجيا على الكربون وحده؛ إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أيضًا أن يساعد في فهم التأثيرات البيئية الأوسع للمشروعات.

وتستخدم شركة Mombak، على سبيل المثال، أداة PerchAI التابعة لـGoogle DeepMind للمساعدة في قياس فوائد إعادة التشجير على التنوع البيولوجي.

الطبيعة أمام نافذة زمنية ضيقة

تظهر هذه التطورات أن إزالة الكربون القائمة على الطبيعة أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على مزيج من العلوم الدقيقة، والبيانات، والتكنولوجيا، والتمويل، وآليات إدارة المخاطر.

ومع ذلك، فإن قدرة هذه المشروعات على المساهمة في تحقيق الأهداف المناخية ترتبط بعامل زمني مهم، إذ إن القرارات التي يتخذها المطورون اليوم بشأن زراعة الأشجار واستعادة النظم البيئية وتوسيع المشروعات ستؤثر في حجم أرصدة الكربون المتاحة لتحقيق التزامات 2030 وأهداف الحياد الكربوني بحلول 2050.

وفي المقابل، يحدد المشترون حاليًا ما إذا كانوا سيبرمون اتفاقيات شراء طويلة الأجل، وهي اتفاقيات تمنح مطوري المشروعات درجة أكبر من اليقين تساعدهم على اتخاذ قرارات الاستثمار والتوسع.

وفي الوقت نفسه، يعمل صناع السياسات على وضع القواعد التي ستنظم أسواق إزالة الكربون، بما في ذلك آليات المادة 6.4 من اتفاق باريس، والإطار الأوروبي لإزالة الكربون والزراعة الكربونية، ونظام تداول الانبعاثات الأوروبي، إلى جانب النقاشات المرتبطة بأهداف الاتحاد الأوروبي المناخية لعام 2040.

وتؤثر هذه القواعد في قرارات المشترين والمستثمرين والمطورين، وفي الطريقة التي سيتطور بها سوق إزالة الكربون عالميًا.

سوق الكربون أمام اختبار جديد

لم تعد مشروعات الكربون القائمة على الطبيعة تعتمد فقط على فكرة زراعة الأشجار أو حماية الغابات للحصول على أرصدة كربونية، بل تتجه نحو نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على القياس المستمر، وخطوط الأساس الديناميكية، وضمان استدامة التخزين، والتمويل طويل الأجل، والذكاء الاصطناعي، والبيانات الجغرافية الدقيقة.

وبينما تمثل إزالة الكربون القائمة على الطبيعة أحد المسارات التي يمكن أن تسهم في تحقيق الأهداف المناخية، فإن نجاحها على نطاق واسع يتوقف على قدرة السوق على توفير قواعد واضحة، وبيانات موثوقة، وآليات قوية لإدارة المخاطر، وتمويل كافٍ يسمح للمشروعات ذات الجودة بالاستمرار والتوسع.

وتشير التطورات الحالية إلى أن مستقبل هذا السوق لن يتحدد فقط بكمية الكربون التي يمكن للطبيعة امتصاصها، وإنما بمدى قدرة القطاع على إثبات أين أزيل الكربون، وكم تبلغ كميته، وإلى متى سيظل مخزنًا، وما التأثيرات البيئية والاجتماعية المصاحبة لذلك.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة