أخبارالتنمية المستدامةابتكارات ومبادرات

هلام هوائي مستوحى من الأسماك يحول المياه شديدة الملوحة إلى مياه عذبة بالطاقة الشمسية

تقنية مستوحاة من الطبيعة تمنع تراكم الملح في أجهزة التحلية الشمسية

مع تزايد ندرة المياه العذبة، تحظى تقنيات التبخير باستخدام الطاقة الشمسية باهتمام متزايد باعتبارها أحد الحلول المحتملة لإنتاج المياه العذبة، إذ تعتمد على ضوء الشمس لتسخين سطح المياه المالحة أو الملوثة وتحويلها إلى بخار، ثم جمع المياه النظيفة بعد تكثف هذا البخار.

 

وعلى عكس محطات التحلية التقليدية التي تعتمد عادةً على المضخات وكميات كبيرة من الكهرباء، تحتاج أجهزة التبخير الشمسي إلى قدر محدود من الطاقة، يعتمد أساسًا على ضوء الشمس ومادة قادرة على امتصاصه وتحويله بكفاءة إلى حرارة.

 

وتجعل هذه البساطة التقنية خيارًا جذابًا للمناطق التي تعاني نقص المياه العذبة أو تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لمحطات التحلية التقليدية.

 

تراكم الملح يعطل أجهزة التبخير الشمسي

أجهزة التبخير الشمسي

 

لكن العملية نفسها التي تفصل المياه العذبة عن الأملاح تخلق مشكلة رئيسية أمام أجهزة التبخير الشمسي.

 

فعندما يتحول الماء إلى بخار، تبقى الأملاح الذائبة في المياه، ما يؤدي تدريجيًا إلى زيادة تركيزها عند سطح التبخير.

 

ومع استمرار تشغيل الجهاز لفترات طويلة، يمكن أن تتبلور الأملاح وتتراكم على سطح المادة، ما يعيق انتقال المياه ويقلل قدرة السطح على امتصاص ضوء الشمس وتحويله إلى حرارة.

 

وتصبح المشكلة أكثر حدة عند معالجة المحاليل الملحية شديدة التركيز، إذ يمكن أن يؤدي تراكم الملح في النهاية إلى فقدان جهاز التبخير قدرته على إنتاج المياه بصورة مستقرة وفعالة.

 

خياشيم الأسماك تقدم الحل

الأسماك

 

لمواجهة هذه المشكلة المستمرة، صمم فريق بحثي بقيادة جيان شي، الأستاذ المشارك في كلية علوم وهندسة المنسوجات بجامعة شينشو في اليابان، مادة مستوحاة من الطبيعة.

 

ونُشرت الدراسة في دورية Nano–Micro Letters، وتصف هلامًا هوائيًا مشتقًا من الكتلة الحيوية، وهو مادة خفيفة شديدة المسامية، قادرة على مقاومة تراكم الملح حتى عند استخدامها في مياه شديدة الملوحة.

وشارك في الدراسة الباحثان نوو ليو وتشونهونج تشو من جامعة شينشو، وهايفنج تشانج من جامعة نانتونج.

 

واستلهم الباحثون التصميم من الأسماك البحرية، التي تعيش في مياه شديدة الملوحة، بينما تستطيع خياشيمها تنظيم حركة الأيونات والمياه باستمرار والحفاظ على كفاءة النقل رغم ارتفاع تركيز الأملاح.

 

ويشير الباحثون إلى أن خياشيم الأسماك لا تعتمد ببساطة على منع الملح، وإنما تنظم بصورة نشطة حركة الأيونات والمياه من خلال واجهة مائية متخصصة، وهو ما ألهم تصميم المادة الجديدة.

 

بوليمرات مشحونة تمنع تراكم الملح

اعتمد الفريق في تصنيع الهلام الهوائي المسامي على اثنين من البوليمرات المشتقة من الكتلة الحيوية، هما الكيتوسان الكربوكسي ميثيلي (Carboxymethyl Chitosan) وألجينات الصوديوم (Sodium Alginate).

 

وأضاف الباحثون أيضًا الكربون الأسود المنتج من الخيزران ليعمل باعتباره المكون المسؤول عن تحويل ضوء الشمس إلى حرارة، وهي العملية المعروفة باسم التسخين الضوئي الحراري.

 

وتحتوي البوليمرات المستخدمة في المادة على مجموعات مشحونة يمكنها صد بعض أيونات الأملاح من خلال آلية تُعرف باسم التنافر من نوع دونان (Donnan-type repulsion).

 

كما تساعد المجموعات المحبة للماء في الحفاظ على طبقة رقيقة من المياه فوق سطح المادة، وهو ما يساعد على دفع الأملاح المتراكمة بعيدًا عن منطقة الواجهة بدلًا من السماح لها بالتبلور وتكوين رواسب تعيق عمل الجهاز.

 

وبذلك يجمع التصميم بين امتصاص الطاقة الشمسية وتنظيم حركة المياه والأيونات، في محاولة لمحاكاة بعض الوظائف التي تؤديها خياشيم الأسماك في البيئة البحرية.

 

إنتاج 2.88 كيلوجرام من المياه لكل متر مربع في الساعة

عند استخدام المادة في جهاز للتبخير الشمسي، بلغ معدل إنتاج المياه 2.88 كيلوجرام لكل متر مربع في الساعة تحت ضوء الشمس الطبيعي.

 

ويقول الباحثون إن هذا الأداء يتجاوز أداء بعض أجهزة التبخير الشمسي ذات المعدلات المرتفعة التي أُبلغ عنها حتى الآن.

 

والأهم أن الجهاز أظهر قدرة على العمل في ظروف شديدة الملوحة، فعند اختباره في مياه يبلغ تركيز الأملاح فيها نحو ستة أضعاف تركيز مياه البحر، استمر الجهاز في العمل لمدة 24 ساعة متواصلة، كما واصل العمل خلال دورات متكررة من الليل والنهار على مدار أسبوع.

 

وخلال هذه الاختبارات، لم يلاحظ الباحثون تراكمًا مرئيًا للأملاح على سطح المادة، كما لم يسجلوا تراجعًا في أداء الجهاز.

 

وتعد مقاومة تراكم الملح من أهم التحديات التي تواجه تقنيات التبخير الشمسي، خصوصًا عندما تُستخدم لمعالجة المحاليل الملحية المركزة.

 

مواد حيوية منخفضة التكلفة للتحلية اللامركزية

يرى الباحثون أن استخدام مواد رخيصة وقابلة للتحلل الحيوي قد يجعل هذا النوع من أجهزة التبخير خيارًا مناسبًا لتوفير المياه العذبة بصورة مستدامة ولا مركزية.

 

ويعتمد الجهاز المقترح بالكامل على مواد مشتقة من الكتلة الحيوية، وهو ما قد يتيح، وفق الفريق، تطوير تقنية منخفضة التكلفة وقابلة للتوسع وصديقة للبيئة لتحلية المياه باستخدام الطاقة الشمسية.

 

ولا تقتصر أهمية التصميم على تحلية المياه فقط، إذ يعتقد الباحثون أن المبدأ نفسه يمكن تطبيقه في تقنيات أخرى لمعالجة المياه تواجه مشكلات مرتبطة بتراكم الأملاح أو التلوث والترسبات السطحية (Fouling).

 

الطبيعة مصدر لحلول هندسية جديدة

تعكس هذه الدراسة اتجاهًا متزايدًا في أبحاث معالجة المياه يعتمد على محاكاة آليات موجودة في الكائنات الحية بدلًا من تصميم المواد بصورة منفصلة عن الأنظمة الطبيعية.

 

وفي هذه الحالة، قدمت قدرة خياشيم الأسماك على تنظيم الأيونات والمياه في البيئة البحرية نموذجًا لتطوير مادة تستطيع الحفاظ على حركة المياه ومنع تراكم الملح أثناء التبخير.

 

ويرى الباحثون أن محاكاة هذه الوظائف الطبيعية يمكن أن تقدم استراتيجية جديدة لتصميم مواد مستدامة لتنقية المياه في الظروف شديدة الملوحة.

 

وبذلك لا يقتصر الابتكار على تطوير مادة جديدة لتحلية المياه بالطاقة الشمسية، بل يقدم نموذجًا لكيفية الاستفادة من آليات التنظيم الطبيعي لحل مشكلة هندسية طالما حدّت من كفاءة تقنيات التبخير الشمسي.

 

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة