أهم الموضوعاتأخبارصحة الكوكب

التلوث البلاستيكي لا ينتهي عند سلة المهملات.. كيف يصل إلى الغذاء والهواء والمناخ؟

من قمة إيفرست إلى أعمق محيطات العالم.. البلاستيك يتغلغل في كل مكان

عندما نتحدث عن التلوث البلاستيكي، غالبًا ما تتجه الصورة إلى شواطئ مغطاة بالزجاجات والأكياس وشباك الصيد المتشابكة، لكن هذه المشاهد لا تمثل سوى الجزء الظاهر من أزمة أكثر تعقيدًا واتساعًا.

فبمجرد خروج البلاستيك إلى البيئة، لا يبقى في مكانه ولا يظل على حاله؛ إذ يمكن أن يتفتت إلى جزيئات أصغر، ويمتص مواد كيميائية أو يطلقها، كما تتحول أسطحه إلى موائل للكائنات الدقيقة.

وفي هذه الرحلة، ينتقل البلاستيك إلى الغذاء والهواء والنظم البيئية، بل ويتداخل أيضًا مع النظام المناخي.

وتوصلت مراجعة علمية واسعة قادها باحثون من مركز أبحاث العلوم البيئية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، بمشاركة باحثين من الصين والنرويج وألمانيا، إلى أن فهم أزمة البلاستيك يتطلب النظر إلى دورة حياته بالكامل، وليس فقط إلى النفايات التي يمكن رؤيتها وجمعها.

خطر التلوث البلاستيكي

تحليل أكثر من 36 ألف دراسة

مع النمو السريع في أبحاث البلاستيك، أصبح من الصعب التعامل مع الكم الهائل من الدراسات المنشورة بصورة تقليدية.

ولذلك جمع الباحثون 36,023 دراسة علمية، واستخدموا تحليلًا دلاليًا لتصنيفها بحسب الموضوعات الرئيسية.

وأظهرت عملية التحليل أربع مجموعات رئيسية من الأبحاث: أماكن وصول البلاستيك وانتشاره، والأضرار التي يسببها، وسبل الحد منه عبر دورة حياته، والعوامل التي تعرقل الاستجابة للأزمة.

وبذلك تتتبع المراجعة المشكلة من مصادرها ومسارات انتشارها إلى آثارها والحلول الممكنة.

أكثر من 450 مليون طن من البلاستيك سنويًا

ينتج العالم حاليًا أكثر من 450 مليون طن من البلاستيك سنويًا، ووفق المراجعة، يتراكم نحو 80% من النفايات البلاستيكية في مدافن النفايات أو في البيئة، بينما لم يُعاد تدوير سوى نحو 9% من البلاستيك على الإطلاق.

ولا يبقى البلاستيك في المكان الذي أُلقي فيه؛ فالأنهار ومياه الأمطار والتيارات البحرية والرياح تنقله من منطقة إلى أخرى، كما يمكن للحيوانات أن تسهم في نقله.

ومع تعرضه لأشعة الشمس والاحتكاك، يتفتت البلاستيك تدريجيًا إلى أجزاء أصغر فأصغر، وقد عُثر على جزيئاته في أماكن شديدة التباعد، من جبل إيفرست إلى القطب الشمالي وخندق ماريانا في أعماق المحيط.

كما رُصدت جزيئات بلاستيكية داخل أكثر من 1300 نوع من الكائنات الحية.

ثلاثة أنواع من الضرر

توضح المراجعة أن الأضرار الناجمة عن البلاستيك يمكن النظر إليها من خلال ثلاثة مسارات رئيسية تتداخل فيما بينها.

أولًا: الضرر الفيزيائي.

يمكن للحيوانات أن تبتلع القطع البلاستيكية أو تختنق بها، كما يمكن أن تتشابك في الأكياس وشباك الصيد وغيرها من المخلفات، فضلًا عن أن تراكم النفايات يغير خصائص بعض الموائل الطبيعية.

ثانيًا: الضرر الكيميائي.

يرتبط البلاستيك بأكثر من 16 ألف مادة كيميائية، ويثير أكثر من 4200 منها مخاوف علمية بسبب خصائص مثل الاستمرار في البيئة، أو التراكم داخل الكائنات الحية، أو سهولة الانتقال، أو السمية.

ولا تنتهي المشكلة بمجرد تحلل المنتج البلاستيكي؛ إذ يمكن أن تستمر بعض المواد الكيميائية في البيئة أو تتحرر تدريجيًا من البلاستيك.

ثالثًا: الضرر الميكروبي.

تستقر الكائنات الدقيقة على أسطح البلاستيك وتكوّن مجتمعات ميكروبية تعرف باسم «البلاستيسفير».

ويمكن أن تضم هذه المجتمعات مسببات مرضية وبكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية، بينما يسمح انتشار البلاستيك وبقاؤه لفترات طويلة بنقل هذه الكائنات إلى مناطق جديدة.

التلوث البلاستيكي
التلوث البلاستيكي

ماذا نعرف عن البلاستيك داخل جسم الإنسان؟

رُصدت جزيئات البلاستيك الدقيق والبلاستيك النانوي في الدم والرئتين والمشيمة ولويحات الشرايين.

وفي إحدى الدراسات السريرية، عُثر على جزيئات بلاستيكية داخل لويحات شرايين لدى نحو 60% من أكثر من 200 مريض خضعوا لجراحات.

وأظهرت المتابعة أن هؤلاء المرضى سجلوا معدلات أعلى من النوبات القلبية والسكتات الدماغية والوفاة خلال نحو 34 شهرًا مقارنة بمن لم تُكتشف لديهم هذه الجزيئات.

لكن هذه النتائج لا تثبت أن البلاستيك تسبب في هذه الحالات؛ فهي تشير إلى ارتباط يحتاج إلى مزيد من البحث.

ولا يزال العلماء بحاجة إلى فهم العلاقة بين طرق التعرض للبلاستيك، والجرعات التي تصل إلى الجسم، والآليات البيولوجية المحتملة، والآثار الصحية طويلة المدى.

كما أن الادعاء الشائع بأن الإنسان يبتلع أسبوعيًا كمية من البلاستيك تعادل حجم بطاقة ائتمان تعرض للطعن العلمي، ولم يعد يمكن التعامل معه باعتباره حقيقة ثابتة.

ومع ذلك، فإن التعرض للبلاستيك أمر واسع الانتشار، ويحدث بصورة رئيسية من خلال استنشاق الجزيئات أو تناولها.

وأشارت إحدى الدراسات في الولايات المتحدة إلى أن الأشخاص الذين يشربون المياه المعبأة قد يتناولون نحو 90 ألف جزيء بلاستيكي سنويًا، مقابل نحو 4 آلاف جزيء لدى من يشربون مياه الصنبور.

كما تحتوي بعض الأغذية الأساسية، ومنها الأرز الذي يعتمد عليه أكثر من نصف سكان العالم، على مستويات من البلاستيك تقارن بما يوجد في أنواع عديدة من المأكولات البحرية.

البلاستيك ليس مشكلة نفايات فقط.. بل مشكلة مناخية أيضًا

يبدأ التأثير المناخي للبلاستيك قبل وصوله إلى البيئة، وتحديدًا خلال عملية التصنيع، وتشير المراجعة إلى أن إنتاج طن واحد من راتنجات البلاستيك يطلق نحو طنين من ثاني أكسيد الكربون.

وفي عام 2015، قُدرت مساهمة البلاستيك بنحو 4.5% من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية، بينما يمكن أن تصل هذه النسبة بحلول عام 2050 إلى نحو 15% من الميزانية العالمية للكربون، وفق التقديرات التي تستند إليها المراجعة.

ولا ينتهي تأثير البلاستيك بعد خروجه إلى البيئة؛ ففي التربة والرواسب والمياه يمكن للجزيئات البلاستيكية أن تغير نشاط الكائنات الدقيقة وحركة الكربون والنيتروجين داخل النظم البيئية.

ووجد تحليل تلوي أن وجود البلاستيك الدقيق ارتبط بزيادة انبعاثات أكسيد النيتروز، وهو أحد غازات الدفيئة القوية، بأكثر من 140% في الظروف التي درستها الأبحاث المشمولة بالتحليل.

لماذا لا تكفي عمليات التنظيف؟

يرى الباحثون أن تنظيف النفايات بعد انتشارها في البيئة يجب ألا يكون نقطة البداية في مواجهة الأزمة.

وتضع المراجعة تقليل إنتاج البلاستيك من الأساس في مقدمة الحلول، خصوصًا المنتجات أحادية الاستخدام.

ويستحوذ التغليف وحده على نحو 40% من استخدام البلاستيك ونحو 60% من نفاياته، ما يجعله أحد أهم المجالات التي يمكن أن تبدأ منها جهود تقليل الإنتاج والاستهلاك.

بعد ذلك تأتي الحاجة إلى استخدام مواد كيميائية أكثر أمانًا، وتصميم منتجات أطول عمرًا، وإنتاج سلع يمكن إعادة استخدامها وإعادة تدويرها بسهولة أكبر.

لكن البدائل ليست خالية من التحديات، فالبلاستيك القابل للتحلل أو التسميد لا يمثل سوى نحو 1% من الإنتاج، كما أن بعض هذه المواد لا تتحلل بالضرورة في الظروف البيئية التي ينتهي بها المطاف إليها.

أما إعادة التدوير، فلم تحقق حتى الآن النتائج المطلوبة على نطاق عالمي واسع.

حتى تقنيات معالجة مياه الصرف التي تستطيع التقاط نسبة من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تنقل هذه الجزيئات في بعض الحالات إلى حمأة الصرف الصحي بدلًا من القضاء عليها.

وقال الباحث جيبينج تشو، المؤلف المسؤول عن الدراسة، إن مواجهة التلوث البلاستيكي لا يمكن أن تعتمد على تنظيف النفايات بعد إنتاجها، وإنما يجب أن تبدأ من المنبع عبر تقليل الإنتاج غير الضروري، وجعل المنتجات أكثر أمانًا وأسهل في إعادة الاستخدام أو التدوير، ومنع تسربها إلى البيئة.

التلوث البلاستيكي

خمسة عوائق أمام مواجهة الأزمة

إذا كانت اتجاهات الحل معروفة إلى حد كبير، فلماذا لا تزال أزمة البلاستيك تتفاقم؟

تحدد المراجعة خمسة عوائق رئيسية.

  • أولها نقص المعرفة حول المواد الكيميائية الموجودة في البلاستيك؛ إذ لا تتوافر بيانات كافية عن مخاطر أكثر من 10 آلاف مادة كيميائية مرتبطة به.

  • وثانيها ضعف أنظمة الرصد والمراقبة، ما يجعل من الصعب إدارة مشكلة لا تتوافر عنها بيانات كافية.

  • أما العائق الثالث فيتمثل في عدم وضوح التكاليف الاجتماعية والاقتصادية الكاملة للتلوث البلاستيكي.

  • ويتمثل الرابع في أن عددًا محدودًا من السياسات يخضع لتقييم منهجي لمعرفة مدى نجاحه في الحد من المشكلة.

  • أما الخامس فهو أن بعض التقنيات الواعدة لا تزال تواجه صعوبات في الانتقال من المختبر أو التجارب المحدودة إلى التطبيق على نطاق واسع.

الشفافية قبل الحلول التقنية

يقترح الباحثون مجموعة من الإجراءات تبدأ بإلزام الشركات بقدر أكبر من الشفافية بشأن المواد الكيميائية الداخلة في المنتجات البلاستيكية، ووضع قواعد تستند إلى العلم للتخلص التدريجي من المواد الأكثر خطورة.

كما يدعون إلى توحيد عمليات الرصد، وإتاحة البيانات، وإجراء مراجعات مستقلة للسياسات، وتعزيز المساءلة عبر سلاسل الإمداد الدولية.

وتأتي هذه الدعوات في ظل تعثر المفاوضات الدولية بشأن معاهدة عالمية لمكافحة التلوث البلاستيكي، التي انتهت في جنيف في أغسطس 2025 دون التوصل إلى اتفاق.

أزمة البلاستيك جزء من أزمة أكبر

تخلص المراجعة إلى أن التلوث البلاستيكي لا يمكن فصله عن أزمات أخرى تواجه الكوكب، وعلى رأسها تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي.

ولهذا، يدعو الباحثون إلى التعامل مع البلاستيك ضمن إطار أوسع لصحة الكوكب، يجمع بين تقليل الإنتاج والاستهلاك غير الضروريين، والحد من النفايات وتسربها إلى البيئة، ومعالجة الأضرار القائمة، وتحسين الحوكمة العالمية.

فالمشكلة في النهاية لا تبدأ عندما نرى زجاجة بلاستيكية على الشاطئ؛ بل قبل ذلك بكثير، من لحظة إنتاج المادة وتصميم المنتج واستخدامه، وتستمر بعد التخلص منه عبر مسارات قد تنتهي في التربة والمياه والهواء والكائنات الحية.

والخلاصة التي تفرضها هذه المراجعة هي أن التلوث البلاستيكي ليس مجرد مشكلة نفايات يمكن جمعها وتنظيفها، بل مشكلة تمتد عبر دورة حياة البلاستيك كاملة، وتتقاطع مع صحة الإنسان والنظم البيئية والمناخ.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة