مخلفات زراعية تتحول إلى فلاتر لتنقية المياه من الأمونيا والميكروبلاستيك منخفضة التكلفة
من نفايات الذرة إلى مياه نظيفة.. فلاتر من الفحم الحيوي لمعالجة تلوث المياه الكيميائي والبلاستيكي
تُعد المياه النظيفة أساسًا للصحة العامة والزراعة والحياة اليومية، إلا أن العديد من مصادر المياه باتت ملوثة بمواد كيميائية وجسيمات بلاستيكية دقيقة.
فالجريان السطحي للأسمدة الزراعية يضيف كميات متزايدة من الأمونيا إلى الأنهار والبحيرات، بينما تؤدي المنتجات البلاستيكية المتحللة إلى إطلاق جسيمات بلاستيكية متناهية الصغر في المياه.
وتعاني أنظمة المعالجة التقليدية من قصور واضح، إذ يركز معظمها على إزالة ملوث واحد فقط، فضلًا عن ارتفاع تكلفتها، ما يجعلها غير مناسبة للمجتمعات الصغيرة أو الريفية.
في هذا السياق، كشفت دراسة جديدة لجامعة ديلاوير الأمريكية عن حل مبتكر يجمع بين الكفاءة وانخفاض التكلفة، يعتمد على تحويل المخلفات الزراعية إلى فلاتر متقدمة لتنقية المياه من الأمونيا والجسيمات البلاستيكية الدقيقة والنانوية في آن واحد.

تحويل المخلفات الزراعية إلى فحم حيوي
يعتمد الابتكار على إنتاج «الفحم الحيوي» من خلال تسخين المخلفات النباتية في بيئة منخفضة الأكسجين، وهي عملية تؤدي إلى إزالة الرطوبة والمركبات المتطايرة، مع الإبقاء على بنية كربونية مستقرة عالية المسامية.
واستخدم الباحثون مواد خام متعددة، شملت كيزان الذرة، وقشور الكاكاو، وقشور الجوز، والخيزران، ومخلفات الدواجن. وأظهرت النتائج أن درجة الحرارة ومدة التسخين تلعبان دورًا حاسمًا في تحديد خصائص الفحم الحيوي الناتج.
فدرجات الحرارة المرتفعة تزيد من المحتوى الكربوني وعدد المسام الداخلية، بينما تؤدي فترات التسخين الأطول إلى تعزيز الاستقرار البنيوي، وإن كانت تقلل من المجموعات الوظيفية المحتوية على الأكسجين على سطح الفحم.
تفوق فحم كيزان الذرة
أظهر الفحم الحيوي المصنوع من كيزان الذرة توازنًا مثاليًا بين المسامية والخصائص السطحية، ما جعله أكثر المواد كفاءة في احتجاز الملوثات، وحقق الفحم المنتج عند درجة حرارة 700 درجة مئوية ولمدة ساعتين ونصف أداءً متميزًا في إزالة الأمونيا والجسيمات البلاستيكية، مع الحفاظ على ثبات المواد الكيميائية الضارة داخل بنيته.

إزالة الأمونيا من المياه
تدخل الأمونيا إلى المياه نتيجة استخدام الأسمدة، ومخلفات الثروة الحيوانية، والتصريفات الصناعية، وحتى عند تركيزات منخفضة، تُلحق الأمونيا أضرارًا بالكائنات المائية، وتُسهم في انخفاض مستويات الأكسجين عبر تحفيز نمو الطحالب، كما ترتبط بمخاطر صحية على المدى الطويل.
وتنجح فلاتر الفحم الحيوي في إزالة الأمونيا بفضل الشحنة السالبة لأسطحها، التي تجذب أيونات الأمونيوم الموجبة. كما تسهم المجموعات الوظيفية السطحية في تكوين روابط ضعيفة تُبقي الأيونات محتجزة داخل الفلتر.
وبيّنت التجارب أن الكفاءة تكون أعلى عند تركيزات الأمونيا المنخفضة، قبل أن تنخفض مع امتلاء مواقع الارتباط.
احتجاز الجسيمات البلاستيكية
على عكس الأمونيا، تُزال الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والنانوية عبر الاحتجاز الفيزيائي. فالطبقات السطحية للفحم الحيوي تلتقط الجسيمات الأكبر، بينما تعمل المسام الداخلية على حجز الجسيمات الأصغر حجمًا.
كما يلعب الشحن الكهربي دورًا مهمًا، إذ تكتسب الجسيمات البلاستيكية شحنة موجبة في الظروف الحمضية الخفيفة، ما يعزز انجذابها إلى الأسطح السالبة للفحم الحيوي.

كفاءة عالية وأمان بيئي
أظهرت الاختبارات المعملية أن فحم كيزان الذرة أزال نحو ثلثي الأمونيا من المياه الملوثة بدرجة متوسطة في دورة ترشيح واحدة، فيما تجاوزت معدلات إزالة الميكروبلاستيك 90% عبر نطاق واسع من الأحجام.
وعلى صعيد السلامة، أكدت التحاليل عدم تسرب أي مركبات ضارة، مثل الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، إلى المياه، وبقاء المستويات ضمن الحدود المعتمدة في الشهادات الأوروبية للفحم الحيوي.
إعادة الاستخدام وفوائد مناخية
خضع الفحم الحيوي المستخدم لإعادة تسخين تحت نفس ظروف الإنتاج، واحتفظ بكفاءة تجاوزت 50% في إزالة الأمونيا بعد ثلاث دورات استخدام، ما يعزز جدواه الاقتصادية ويحد من النفايات.
وأكد الباحثون أن هذا الابتكار يربط بين تنقية المياه والزراعة الذكية مناخيًا، من خلال تقليل المخلفات الزراعية، وتخزين الكربون في صورة مستقرة، والتعامل مع ملوثات ناشئة باستخدام حل واحد متكامل.

طريق عملي للتطبيق
توفر إمكانية الإنتاج المحلي ميزة كبيرة، إذ ينتج المزارعون بالفعل كميات ضخمة من المخلفات الزراعية. كما أن الفلاتر المعتمدة على الجاذبية لا تحتاج إلى كهرباء، ما يجعلها مناسبة للمناطق الريفية وأنظمة المعالجة الصغيرة.
وتُبرز الدراسة، المنشورة في دورية Biochar، كيف يمكن لمواد كربونية بسيطة أن تسهم في تحسين جودة المياه، وخفض النفايات، ودعم جهود التخفيف من تغير المناخ في آن واحد.





