د.زهير البلاونه: أثر التغير المناخي على التربة والإنتاج الزراعي

مدير مديرية المختبرات الزراعية في سلطة وادي الأردن

يبدأ الغذاء بالتربة، ومع ازدياد الطلب على الغذاء، أصبح من الملح أكثر من أي وقت مضى وقف تدهور التربة ومعالجة آثارها على أنظمة الأغذية الزراعية.

مع استمرار نمو سكان العالم، ستكون هناك حاجة ماسة إلى بذل المزيد من الجهد والابتكار من أجل زيادة الإنتاج الزراعي بشكل مستدام، وتحسين سلسلة التوريد العالمية، وتقليل فقدان الأغذية وهدرها، وضمان حصول جميع من يعاني من الجوع وسوء التغذية على الطعام المغذي. ويعتقد الكثيرون في المجتمع الدولي أنه من الممكن القضاء على الجوع في الجيل القادم، ويعملون معاً في سبيل تحقيق هذا الهدف.

التربة هي الوسط الذي تنبت فيه النباتات وتثبت جذورها، وتحصل منه على ما تحتاج لنموها من ماء وغذاء، والتربة الزراعية عبارة عن صخور أساسية أو ما تسمى بالصخرة الأم المتفتتة بالإضافة إلى المواد العضوية والصخور الأساسية تتفتت إلى ذرات ناعمة و هذه الذرات هي التربة التي يستعملها البشر في الزراعة وتفتت الصخور بواسطة العوامل المختلفة.

وتشكل الأراضي والتربة السليمة والمياه والموارد الجينية النباتية مدخلات رئيسية في إنتاج الأغذية، كما أن ندرتها المتزايدة في أجزاء كثيرة من العالم تجعل من الضروري استخدامها وإدارتها على نحو مستدام، كما أن زيادة الغلة في الأراضي الزراعية القائمة، بما في ذلك استصلاح الأراضي المتدهورة، من خلال الممارسات الزراعية المستدامة، من شأنها أيضاً أن تخفف الضغوط لإزالة الغابات من أجل الإنتاج الزراعي.

استدامة إنتاجية الأراضي الجافة

ويمكن للإدارة الحكيمة للمياه الشحيحة من خلال تحسين تكنولوجيات الري والتخزين، إلى جانب تطوير أصناف جديدة من المحاصيل المقاومة للجفاف، أن تسهم في استدامة إنتاجية الأراضي الجافة.

وقف تدهور الأراضي وعكس مساره سيكون أيضاً أمراً حاسماً لتلبية الاحتياجات الغذائية في المستقبل.

وتدعو الوثيقة الختامية لمؤتمر ريو+20 إلى إيجاد عالم خال من ظاهرة تدهور الأراضي في سياق التنمية المستدامة، ونظراً للنطاق الحالي لتدهور الأراضي على الصعيد العالمي، فإن الفوائد المحتملة من استعادة الأراضي من أجل الأمن الغذائي والتخفيف من حدة تغير المناخ هائلة.

يأتي التغير المناخي دورا مكملا لمعاناة التربة الزراعية، والتي تعاني من الممارسات الزراعية والبشرية الخاطئة المتمثلة بالرعي الجائر والتسميد المتطرف والري العشوائي والزحف السكاني والتعدين العشوائي والاستخدام غير المنضبط للمبيدات العشبية والحشرية.

تؤثر العوامل المناخية على تكوين التربة بشكل مباشر من خلال توفير الكتلة الحيوية وظروف التجوية، وبما أن التربة من اكبر العوامل المتأثر بالتغير المناخي، وبالتالي سيكون هنالك تأثير مباشر وغير المباشر على إنتاج الغذاء وذلك من خلال تأثرها في العوامل التالية على التربة:-

1- زيادة التبخر يقلل من مستويات الرطوبة في التربة, والتي بدورها تزيد من نسبة تكرار الجفاف الحاصل في المنطقة , و زيادة فرصة حدوث التصحر .

2- نقصان نسبة الرطوبة في التربة، وبالتالي حدوث انخفاض في نسب الترشيح مما يؤدي إلى انخفاض معدل تغذية المياه الجوفية وارتفاع في أملاح التربة.

3-تأثير التغير المناخي على خصوبة التربة: زيادة مستوى الجفاف الناجم عن التغيرات المناخية ، سيخل بالاتزان بين الكربون والنيتروجين والفوسفور، ويفضي إلى فك ارتباط دورات العناصر الثلاثة، ما يؤثر سلبا على خصوبة التربة، كما إن انخفاض تركيزات النيتروجين والكربون كلما صارت التربة أكثر جفافا، يمكن أن يقلل من الغطاء النباتي، والذي يكون له آثار خطيرة على خدمات النظام البيئي.

كما ان النقص في محتوى التربة من النيتروجين يقلل من قدرة النباتات على تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى مركبات عضوية -مثل السكريات- عن طريق التمثيل الضوئي، ما يؤدي إلي تغير أكبر للمناخ.

4- تملح التربة: ارتفاع ملوحة التربة: ملوحة التربة أو التملح (بالإنجليزية: Soil salinity)‏ هي زيادة تركيز الأملاح، مثل الصوديوم والكلوريد والبورون، في منطقة جذور النبات وتصل هذه التركيزات الى الحد الذي يؤثر على نمو النبات ونقص في كمية المحصول وتكون الأعراض مشابهة لأغراض الجفاف لنقص الري مثل جفاف الأوراق او ظهور اللون الداكن أو الأخضر المزرق علها ويزداد تركيز الأملاح في العمق نتيجة امتصاص النبات للمياه وترك الأملاح في القدر القليل من الماء الباقي حول جذور النبات وتغسل الريات المتعاقبة الأملاح الى أماكن أعمق من الجذور وتبقى تتجمع الأملاح ما لم يحدث الغسيل لها.

وتُعدّ ملوحة التربة من أهم المشاكل التي يُعاني منها قطاعي الزراعة والبيئة في جميع أنحاء العالم، خاصة في المناطق ذات المناخ الجاف وشبه الجاف.

تدمير الموائل الطبيعية للكائنات الحية

تساهم الملوحة في موت الكثير من النباتات الطبيعية في المناطق المتأثرة بالملح، وهذا بدوره تسبب في تدمير الموائل الطبيعية للكائنات الحية، وبالتالي تهديد التنوع الحيوي بشكل عام.

كما تؤثر الملوحة في حجم النبات حيث تكون النباتات الناتجة في الظروف الملحية صغيرة الحجم بالمقارنة مع مثيلاتها الناتجة في الظروف غير الملحية وهذا ما يطلق عليه بظاهرة التقزم بسبب الملوحة، وهذا ينعكس على المحاصيل كما ونوعا.

وينعكس تأثير الملوحة في حجم النبات على على الوزن الجاف للجزء العلوي للنبات الأوراق والسيقان( والجزء السفلي له ) والجذور.

وبسبب تاثير الملوحة في اختلال التوازن الغذائي في التربة والنبات وكذلك تاثير الملوحة على ظاهرة التفضيل  selectivity  للنبات في امتصاص العناصر الغذائية اللازمة له، فان ذلك يسبب امتصاص عناصر التي يحتاجها النبات مسببه له الحروق وغير ذلك من الضرار.

وعادة الأملاح تكون أكثر وضوحا للعيان على سطح التربة. تنتقل الأملاح إلى سطح التربة عن طريق ناقلات شعرية طبيعية وتكون محملة من المياه الجوفية المالحة، ثم تتراكم بسبب التبخر، ويمكن أيضا للملوحة أن تكون كثيفة في التربة بسبب النشاط البشري. عندما ترتفع ملوحة التربة ترتفع الآثار السلبية للملح التي يمكن أن يؤدي إلى تدهور التربة والنباتات.

هل هنالك خطر مجاعة يهدد العالم بسبب التغيرات المناخية؟

التغيرات المناخية الحاصلة على كوكب الارض تساهم بشكل فعال في الحد من كميات الغذاء المنتجة وقد يسبب مجاعة خلال السنوات المقبلة في بعض الدول النامية وهنالك مؤشرات اولية من خلال ما نلاحظه في نقص مستوى الانتاج الزراعي لدى معظم دول العالم التي كانت تعتبر هي المنتجة للغذاء.

وهنا مثال مناسب على ذلك وهو تأثر الإنتاج الزراعي بالجفاف غير المسبوق في كل من البرازيل والولايات المتحدة والصين والأرجنتين وكندا وأوروبا والهند، وهي الدول التي اعتادت أن تفيض بإنتاجها من الغذاء على بقية دول العالم المستوردة للغذاء.

وفي المقابل، غمرت الفيضانات العارمة دولا لم تعهد هذا النوع من الفيضانات القاتلة، مثل باكستان والهند وبنجلادش والسودان، ما تسبب في موت المئات من البشر وغرق مساحات واسعة من الأراضي المنزرعة بالمحاصيل الغذائية وتدمير الأمن الغذائي.

كما ينتج عن تغير المناخ الإجهاد الحراري للمحاصيل. وهذا يعني ارتفاع درجات الحرارة عن الدرجة المثلى لنمو النبات، ما يؤدي إلى ضعف في نمو النبات ومن ثم انخفاض إنتاج المحصول.

ولدينا مثال أخر هنا وهو إن الولايات المتحدة، التي تصدر للعالم ما يقرب من 25 % من الحبوب الأساسية والأغذية الاستراتيجية، مثل القمح والذرة والأرز والصويا، إذ كشفت عن إحصائية حديثة عن تسبب الجفاف والحرارة المرتفعة في انخفاض محصول القمح عام 2021 بنسبة 40% في ولاية كاليفورنيا، وبنسبة 10% في الولايات المتحدة عموماً. وتسببا في انخفاض إنتاج الشعير بنسبة 71% في نفس الولاية.

ويشهد القرن الأفريقي أسوأ موجة جفاف منذ أكثر من 40 عامًا، حيث يواجه السكان جوعاً شديداً في إثيوبيا والصومال وأجزاء من كينيا بعد تدمير المحاصيل الزراعية بفعل الجفاف على مدار أربع سنوات متتالية.

Exit mobile version