وجهات نظر

د.محمد أبو الخير بلح: الاستمطار الصناعي وتعزيز الآمن المائى لمصر

مركز بحوث الصحراء

يشهد العام الحالي واحدة من أسوأ حالات الجفاف حول العالم، حيث يشير تقرير الأمم المتحدة لعام 2022 أن نسبة الجفاف في العقدين الأخيرين ازدادت على الأرض بنسبة 29%.اى ان نحو 3.6 مليار شخص في مناطق مختلفة يعانون من نقص المياه لمدة شهر واحد على الأقل سنويا، ويتوقع أن يرتفع هذا الرقم في عام عام 2050 إلى ثلاثة أرباع سكان العالم.

لذا لزم البحث عن  حلول لهذه المشكلة المؤرقة ومن الحلول المطروحة بقوة حاليا هو استمطار السحب صناعيا وحفزها على إسقاط محتواها من بخار الماء والمياه الكامنة فيها عن طريق تغيير بعض خصائصها الفيزيائية، وزيادة كمية ونوعية الأمطار على مناطق محددة، التى لم تعد ترفا أو خيارا، خاصة في ظل تداعي المشكلات الناتجة عن تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتكرار موجات الجفاف.

حيث تتكون السحب عندما يتكثف بخار الماء في الجو حول جزيئات دقيقة مثل الغبار أو الدخان، هذه الجزيئات تعمل كنوى تكثيف يتجمع حولها بخار الماء مكونًا قطرات صغيرة. ويحدث الاستمطار من خلال رش السحب بمواد كيميائية مثل يوديد الفضة، والتي تعمل كـنوى تكثيف تزيد من فرص تجميع قطرات الماء الصغيرة حول النوى، مما يؤدي إلى زيادة حجم القطرات.

بعد إدخال المواد المحفزة للسحب، تبدأ قطرات الماء في النمو والتجمع معًا، مما يؤدي إلى تكون قطرات كبيرة بما يكفي للسقوط كأمطار.

بمجرد أن تصل قطرات الماء إلى حجم كبير بما يكفي، تصبح ثقيلة جدًا بالنسبة للهواء لتحملها، فتبدأ في السقوط على شكل أمطار.

ويعتبر الاستمطار من العناصر الهامة الداعمة لنمو النباتات التي تقوم بموازنة نسبة غاز ثاني اوكسيد الكاربون وزيادة غاز الاوكسجين وتلطيف الجو والعمل كمصدات للعواصف الترابية.

 

الاستمطار الصناعي” cloud seeding (استمطار السحب)

تقنية يتم استخدامها لتعزيز هطول الأمطار في المناطق الجافة أو القاحلة ويعتمد على تعديل الطقس بتحفيز السحب المليئة بالرطوبة على إنتاج الأمطاربهدف تسریع ھطول الأمطار فوق مناطق بحاجة إلیھا و زیادة إدرار السحابة عما یمكن أن تدره بشكل طبیعي.

، بدأت النواة الأولى للاستمطار الصناعي على يد عالم الغلاف الجوي الأمريكي، بيرنارد فونيغت داخل مختبر جنرال إلكتريك عام 1946، حيث اكتشف أنه باستخدام يوديد الفضة يمكن أن يحول بخار الماء فائق التبريد إلى بلورات ثلجية عند درجات حرارة تصل إلى من -10 إلى -5 درجات مئوية .

كما تعود جذور تطبيق عملية الاستمطارالى عام1947 عندما قامت منظمة الكومنولث للأبحاث العلمية والصناعية في أستراليا بتنفيذ اول تجربة ناجحة لاستمطار السحب. بعد ذلك تم القيام بعملية أستمطار السحب في بلدان المختلفة حول العالم.

ففي قارة آسيا تم تنفيذه في الصين والهند واندنوسيا وسلطنة عمان والاردن والكويت الامارات العربية المتحدة وفي افريقيا تم تنفيذه وبكثرة في المغرب العربي واما في امريكا الشمالية فتم تنفيذه بنجاح في الولايات المتحدة وكندا.

أما في قارة أوربا فقد تم استمطار السحب في بلغاريا وفرنسا وإسبانيا والمانيا وسلوفينيا والمملكة المتحدة، وتم القيام به في روسيا واستراليا ايضا.

ومن ايجابيات الاستمطار التخلص من الجفاف، تعزيزالتنمية الزراعية، تنظيم الطقس والتقليل من الاضرارالتي تحدث بسبب هطول الأمطار الغزيرة و يجعل الأماكن الجافة أكثر قابلة للعيش.

ومن سلبيات الاستمطارانة يتطلب في بعض انواعها استخدام المواد الكيميائية محتملة الضرر،التكلفة المادية العالية، قد يسبب اضرار وكوارث غير متوقعة، بعض أساليب الاستمطار نتائجه غير مضمونة أى أن استمطار السحب تتطلب توافر سحب ممطرة.

ومن الممكن أن تنتقل الغيوم التي يتم استمطارها من موقع إلى آخر بسبب حركة الرياح ولا تسبب سقوط الامطار في الموقع المقصود. لذلك يمكن ان يكون الاستمطار غير فعال بل ويأتي بنتائج عكسية.

 

أنواع الاستمطار

1-الاستمطار البارد، ويتم استهداف السحب الباردة التي تحتوي على قطرات ماء في درجة حرارة تحت الصفر، يتم رش السحب بمواد مثل يوديد الفضة التي تحفز تشكيل بلورات جليدية، تؤدي إلى تكون الثلج، الذي يذوب لاحقًا ليسقط على شكل أمطار.

2-الاستمطار الدافئ ، ويستهدف السحب الدافئة التي تكون درجات حرارتها فوق الصفر، يتم رش السحب بمواد مثل كلوريد الكالسيوم، والتي تعمل على زيادة كثافة قطرات الماء لتسقط كأمطار.

 

1- تقنيات استخدام المواد الكيميائية

تعتمد هذه التقنيات على نشر مواد معينة داخل السحب لتحفيز تكوين قطرات المطر.

أ. يوديد الفضة  (Silver Iodide)يُستخدم يوديد الفضة نواة للجليد فعند إضافته إلى السحب الباردة، يُحفز تكوين بلورات الجليد التي تتحول لاحقًا إلى أمطار، شائع في برامج الاستمطار في الصين والولايات المتحدة والإمارات، الفعال في السحب التي تحتوي على نسبة كبيرة من الرطوبة.

ب. أملاح الهاليت  (Chloride Salts) تُستخدم أملاح مثل كلوريد الصوديوم لتحفيز تكثف بخار الماء في السحب الدافئة وزيادة حجم القطرات.افعال في المناطق ذات المناخ الحار والجاف، مثل دول الخليج.

ج. ثاني أكسيد الكربون الصلب  (Dry Ice)يُستخدم لتبريد السحب فوق المناطق ذات درجات الحرارة المنخفضة لتحفيز تكوين الجليد وتساقطه على هيئة أمطار.يُستخدم بشكل محدود بسبب صعوبة التعامل مع ثاني أكسيد الكربون الصلب.

2-الطرق الفيزيائية الحديثة

أ. استخدام الموجات الكهرومغناطيسية  تعتمد على بث موجات راديوية عالية الطاقة لتحفيز تكثف بخار الماء وهى غير ملوثة للبيئة ولا تعتمد على مواد كيميائية،لكن تحتاج إلى تطوير تقني إضافي لتحسين كفاءتها.

ب- الاستمطار بالتآين  تعتمد على قيام مولد الطقس بتفريغ الأقطاب الكهربائية من مولد الأيونات الموجود به مما يؤدي إلى تأين الهواء فوق المولد، وتحت تأثير المجال الكهربائي يرتفع هذا الهواء المتأين لأعلى، ويتسبب هذا الانبعاث الدائم للإلكترونات من مولد الأيونات في تسخين دائم للهواء، مما يؤدي إلى تيار هواء تصاعدي مستقر، حاملا معه كمية كبيرة من الرطوبة الجوية في الطريق إلى الغلاف الجوي العلوي ليبرد الهواء، فتتكثف رطوبة الغلاف الجوي.

مما يؤدي إلى تكوين السحب أو تكثيف السحب الموجودة بالفعل ويحدث هطول الأمطارمثل استخدام مولد الطقس عبارة عن وحدة تشغل مساحة قدرها متر مربع، وتعد أقل تكلفة من التقنيات المعروفة، وينتج عنها كميات كبيرة من مياه الأمطار قد تصل إلى 1.5 – 2 مليار متر مكعب شهريًّا من 5 وحدات لتوليد الطقس.

حيث يمكن إنشاء شبكة من المحطات في الداخل باتجاه مجمعات المياه، بحيث تقوم كل محطة ببناء السحب عن طريق ضخ الرطوبة على مستوى الأرض لأعلى ضمن توليد التيار الأيوني، لكن  التكلفة الاقتصادية المُرتفعة لتقنية الاستمطار بالتأين، كانت سببًا رئيسيًا في إحجام غالبية الدول عن الاستمرار في تنفيذها، ما أدى لتراجع مُعدلات استخدامها والاعتماد عليها، وصولًا للتوقف النهائي عن اللجوء إليها كأحد الحلول الصناعية، لخلق مورد مائي طبيعي جديد.

ج. تُستخدم تقنية إطلاق أشعة الليزر لتحفيز تجميع جزيئات الماء في الغلاف الجوي.و ما زالت قيد البحث، لكنها واعدة في تعزيز هطول الأمطار دون استخدام المواد الكيميائية.

وتقسم طرق اللإستمطار تبعا لوسائل نشر المواد داخل السحب:

1-الاستمطار الجوي، حيث يتم رش المواد الكيميائية بواسطة طائرات تحلق فوق السحب المستهدفة. هذه الطريقة فعالة في الوصول إلى المناطق النائية أو التي يصعب الوصول إليها على الأرض.

  • حيث تستخدم -الطائرات لرش المواد الكيميائية مباشرة داخل السحب أو على أطرافها ويتنيزبدقة عالية في الاستهداف، مناسبة للمناطق الجبلية، وهو الطريقة الرئيسية في الإمارات والسعودية.
  • طائرات بدون طيار (Drones) تُستخدم لرش المواد بدقة عالية وتقليل تكاليف التشغيل حيث طورتها الإمارات ضمن برامجها لتحسين استمطار السحب

2-الإستمطار الأرضي، حيث يتم إطلاق المواد الكيميائية من محطات على الأرض باتجاه السحب بواسطة صواريخ أو مولدات، وهي الطريقة الأكثر استخداماً عندما تكون السحب منخفضة الارتفاع. 

3-الإستمطار الصاروخي، حيث تُستخدم هذه الطريقة عبر إطلاق صواريخ صغيرة تحمل المواد الكيميائية إلى السحب. حيث الصواريخ أو المدافع الأرضية تُطلق صواريخ تحمل المواد الكيميائية نحو السحب وهى أقل تكلفة من الطائرات وهو منتشرة في الصين والهند يُعتبر هذا الأسلوب فعالاً في بعض البيئات التي يصعب فيها استخدام الطائرات.

الاستمطار الصاروخي

أهمية الاستمطار الصناعي لمصر

مصر من الدول الواقعة في المناطق الجافة والقاحلة، التي يتميز فيها الطقس بارتفاع درجة الحرارة والجفاف بسبب قلة الأمطار حيث تستقبل مصر فى المتوسط سنويا لهطول الأمطار ما بين 20 ملم و200 ملم على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، ولكن جنوبًا ينخفض المتوسط إلى ما يقرب من 0 ملم، اى تكاد تكون مصر خالية من الأمطار باستثناء الساحل الشمالي ، حيث تهطل الأمطار بمعدل سنوي يتراوح بين 50 و 250 ملم.

وعلى الساحل الشمالي الشرقي، حيث تزداد الأمطار باتجاه الشرق، بمتوسط 150 ملم في العريش بينما تصل إلى حوالي 250 ملم في رفح.وبالنظر إلى معدلات هطول الأمطار الشتوية العادية، فإن حجم مياه الأمطار التي تسقط على الأجزاء الشمالية من مصر (مساحة تبلغ حوالي 200000 كيلومتر مربع) حوالي 5-10 مليار متر مكعب/السنة.

ومن هذه الكمية، يتدفق 1.5 مليار متر مكعب على السطح، ويعاد جزء كبير منها عن طريق التبخر والنتح إلى الغلاف الجوي. بينما يتسرب المتبقى إلى الخزانات الجوفية. إن المياه التي تتدفق على السطح من مجاري الوديان تفقد في البحر.

لذا فمصر تأتي على رأس قائمة الدول القاحلة والأقل من حيث معدل الأمطار، مع الاعتماد شبه المطلق على نهر النيل بنسبة 98% والذى يأتي من خارج الحدود، ويبلغ نصيب الفرد في مصر من المياه سنوياً نصف حد الفقر المائي عالميا، وعليه تصل الفجوة الحالية فى الموارد المائية المتاحة المقدرة بنحو 20 مليار متر مكعب بعد استيراد ما يفوق 34 مليار متر مكعب من المياه الافتراضية .

ولقد ساهمة مشكلة  نقص المياة  وانخفاض نسبة الأمطار الى تزايد موجات الجفاف في الآونة الأخيرة وزيادة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية السلبية الناتجة عنهما مع التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية التي تؤثر على مصر من خلال ارتفاع درجات الحرارة وما ينتج عنها من زيادة الاستخدامات المائية و تناقص هطول الأمطار بنسبة تتجاوز ال 20% خلال الثلاثين عام الماضية.

من اهم ايجابيات الاستمطار (المطر الصناعي): دعم المناطق التي تعاني من ندرة المياه، تحسين الري وتقليل آثار الجفاف و دعم التنمية البيئية في المناطق القاحلة.

 

تحديات الاستمطار الصناعى لمصر

تشير التقيمات الخاصة بالاستمطار الصناعى فى مصر بالفعالية المحدودة حيث تعتمد على توفر السحب والرطوبة، المواد الكيميائية قد تثير مخاوف بيئية وصحية ، تحتاج إلى موارد مالية وبنية تحتية متقدمة، تقنيات الاستمطار تُعد أداة مهمة، لكن نجاحها يعتمد على الظروف المحلية والتطوير المستمر للتكنولوجيا.

3 خطوات للاستمطار الصناعي

المتطلبات اللازمة لعمل مطر صناعي في مصر:

1- سحب كافية تحتوي على رطوبة حيث يحتاج إلى وجود سحب تحتوي على كمية كافية من بخار الماء، حيث يتم تعديلها لتحفيزها على الهطول.يجب دراسة الظروف المناخية لمصر، وتحديد الفصول المناسبة لتطبيق هذه التقنية.

2- المواد الكيميائية مثل يوديد الفضة  أو الثلج الجاف (ثاني أكسيد الكربون المجمد) أو كلوريد الصوديوم (الملح) لتحفيز تكاثف بخار الماء الموجود في السحب.

3-البنية التحتية والتقنيات مثل وجود طائرات مجهزة أو صواريخ مخصصة تقوم برش المواد الكيميائية داخل السحب ، أجهزة استشعار ورادارات جوية لمراقبة السحب وحركتها،  فرق علمية وخبراء أرصاد جوية لإجراء الدراسات اللازمة.

جدوى استخدام المطر الصناعي في مصر:

  • يمكن استخدامه في المناطق الصحراوية لتحسين جودة التربة من خلال تزويدها برطوبة طبيعية. كما يساعد على تقليل الآثار السلبية للجفاف، خاصة في المناطق القاحلة التي تعاني من نقص في المياه.. يمكن أن يكون له دور كبير في دعم مشروعات الزراعة المستدامة خاصة مع التوسع في استصلاح الأراضي الصحراوية
  • زيادة إنتاجية الزراعة ودعم مشروعات استصلاح الأراضي ما يساهم في تعزيز الأمن الغذائي
  • يعزز الموارد المائية المحلية من خلال تغذية خزانات المياه الجوفية والسطحية كما سيؤدي إلى تقليل الاعتماد على مياه الري المكلفة.

المناطق التي يمكن تطبيق المطر الصناعي فيها بمصر:

مثل الصحراء الغربية مثل الوادى الجديد وسط  وجنوب سيناء حيث ندرة المياه واضحة حيث تحتاج إلى مصادر مياه إضافية والمناطق التي تعتمد على الأمطار الموسمية مثل الساحل الشمالي، لدعم الأنشطة الزراعية.

أماكن مرشجة للاستمطار في مصر

التحديات التي تواجه المطر الصناعي:

  • التكلفة المرتفعة للتكنولوجيا، حيث تصل تكلفة مشروع استمطار يغطة منطقة محدودة فى حدود 500 كم ما بين 5   إلى 10 ملايين دولار سنويًا مقارنة مع دول أخرى تنفق الإمارات العربية المتحدة حوالي 15 إلى 20 مليون دولار سنويًا على مشاريع الاستمطار باستخدام أحدث التقنيات بينما تنفق السعوديةعلى  مشاريع استمطار حديثة تم تقدير تكلفتها بحوالي 5 إلى 10 ملايين دولار سنويًا.
  • البنية التحتية اللازمة والحاجة إلى تخطيط ودراسات دقيقة لضمان فعالية التقنية والتأثيرات البيئية المحتملة للمواد الكيميائية المستخدمة.
  • حاليا تحاول مصر وكثير من دول الشرق الأوسط الدخول عالم الاستمطار الصناعي وخلق السحب، حيث وقعت الهيئة العامة للأرصاد في عام 2021 اتفاقًا مع نائب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل، للتعاون في مجال الاستمطار، والاعتماد على التكنولوجيا الألمانية.
  • حيث يتطلب ذلك تحدد الأجهزة التى ستستخدم لتطبيق وقيمتها المادية وانسب الأماكن لتنفيذ التجربة وتقييم ومدى امكانية تطبيقها.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading