سم يتسلل للجسم يوميا.. خطورة الزئبق على الإنسان وطرق الوقاية منه
الزئبق موجود في منتجات التجميل وكريمات تفتيح البشرة ومستحضرات تجميل العيون ومنتجات تنظيف العيون
كتب محمد ناجي
يعرف الزئبق بأنه عنصر كيميائي رمزهُ Hg ، والعدد الذري 80 في الجدول الدوري، وهو سائل فضي، كثافتهُ (13.54 غ/سم3)، بلون فضي مائل للزرقة يشبه الرصاص في مظهره، ويتجمد عند (-38.9 درجه مئوية)، و درجة غليانه (356.9 درجة مئوية)، ويتعرض الجميع للزئبق بمستوى معين – سواء من خلال الطعام الذي نتناوله أو الهواء الذي نتنفسه أو مستحضرات التجميل التي نستخدمها.
إذا الزئبق مادة تصل إلينا عبر طرق كثيرة في الحياة اليومية، فهو موجود في أجهزة قياس درجة الحرارة والماكينات وحتى في بعض المواد الغذائية، تأثيرات استنشاق الزئبق السائل تشكل خطرا على جسم الإنسان.
وعند ذكر كلمة الزئبق يفكر الكثيرون في هذه المادة السائلة فضية اللون الموجودة في العديد من الأجهزة التي يتعاملون معها في حياتهم اليومية، مثل ميزان الحرارة (ترمو ميتر) لقياس درجة الحرارة، وقواطع الدوائر الكهربائية التي كانت منتشرة في الماكينات حتى منتصف القرن العشرين، والتي كانت عبارة عن مفتاح يعتمد على ملفات مغناطيسية، تتلامس مع مواد معدنية فيحدث التوصيل، ليس هذا فحسب بل إن الزئبق يدخل أيضا في تصنيع لمبات الفلورسنت واللمبات الموفرة للطاقة.

أين يوجد الزئبق؟
يُوجد الزئبق بشكل طبيعي في قشرة الأرض، وهو يتحرّر في البيئة بفعل الأنشطة البركانية وتعرية الصخور ونتيجة للنشاط البشري الذي يمثل السبب الرئيسي لإطلاق الزئبق إلى البيئة، وخاصة من محطات توليد الطاقة العاملة بالفحم وحرق الفحم في المنازل لأغراض التدفئة والطبخ والأنشطة الصناعية ومحارق النفايات، ونتيجة لتعدين الزئبق والذهب والمعادن الأخرى.
ويمكن أيضًا العثور على الزئبق في منتجات التجميل، وخاصة كريمات تفتيح البشرة، وكذلك في مستحضرات تجميل العيون ومنتجات تنظيف العيون. في حين أن العديد من البلدان قد فرضت قوانين تحظر استخدام الزئبق في مستحضرات التجميل، إلا أن البعض الآخر لم يفعل ذلك بعد، وتم العثور على المنتجات الملوثة بالزئبق في كبرى سلاسل تجارة التجزئة على الإنترنت.

وبمجرد إطلاق الزئبق إلى البيئة، فإن بمقدور البكتيريا أن تحوّله إلى مثيل الزئبق الذي يتراكم بعدها بيولوجياً في الأسماك وحيوانات المحار (يحدث التراكم البيولوجي عندما يحتوي أحد الكائنات الحية على مادة الزئبق بتركيزات أعلى من تركيزاتها في البيئة المحيطة به). وتتعرّض أيضاً مادة مثيل الزئبق للتضخم البيولوجي، ومن المرجّح مثلاً أن تحتوي الأسماك المفترسة الكبيرة على كميات عالية من الزئبق نتيجة تناولها للعديد من الأسماك الصغيرة التي تكتسب الزئبق من خلال تناولها للعوالق.
وقد يتعرّض الناس للزئبق في أي شكل من أشكاله في ظل ظروف مختلفة، على أن هذا التعرّض يحدث في المقام الأول من خلال تناول الأسماك وحيوانات المحار الملوثة بمثيل الزئبق ومن خلال استنشاق العمال لأبخرة عنصر الزئبق أثناء الاضطلاع بالأنشطة الصناعية، ولا يؤدي الطبخ إلى إزالة الزئبق.

كيف يتعرض الإنسان للزئبق
وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، هناك مجموعتان معرضتان للخطر بشكل خاص: الأطفال الذين لم يولدوا بعد، الذين لدى أمهاتهم مستويات عالية من الزئبق في دمائهم، وأولئك الذين يتعرضون بانتظام لمستويات مرتفعة من الزئبق، مثل صيادي السمك الكفافي.
ويتعرّض جميع بني البشر للزئبق بمستوى معين، ويتعرّض له معظم الناس بمستويات منخفضة في أحيان كثيرة من خلال التعرّض المزمن (سواء باستمرار أم على فترات متقطعة لأجل طويل). ومع ذلك، فإن بعض الناس يتعرّضون للزئبق بمستويات عالية، ومنها التعرّض له بمستوى شديد (على مدى فترة زمنية قصيرة تقل عن يوم واحد في أغلب الأحيان)، ومن أمثلتها التعرّض له بسبب حادث صناعي.
الآثار الصحية للتعرض للزئبق
تقول منظمة الصحة العالمية، إن عنصر الزئبق ومثيل الزئبق سامّان بالنسبة إلى الجهاز العصبي المركزي والمحيطي، ويمكن أن يخلّف استنشاق بخار الزئبق آثاراً ضارة على الجهازين العصبي والهضمي، وجهاز المناعة وعلى الرئتين والكليتين، وقد يكون قاتلاً. وتسبب أملاح الزئبق غير العضوية تآكل الجلد والعينين وقناة الجهاز الهضمي، وقد تتسبب في تسمّم الكليتين في حالة تناولها.
ومع ذلك فإن استنشاق أو ابتلاع كميات كبيرة من الزئبق يمكن أن يؤدي إلى آثار صحية عصبية خطيرة. ويمكن أن تشمل الأعراض الارتجاف، والأرق، وفقدان الذاكرة، والصداع، وضعف العضلات، وفي الحالات القصوى، الوفاة.
وقد يُلاحظ حدوث اضطرابات عصبية وسلوكية عقب استنشاق مختلف مركبات الزئبق أو ابتلاعها أو تعرّض الجلد لها، ومن أعراضها الإصابة بالارتعاشات والأرق وفقدان الذاكرة وتأثر الأعصاب والعضلات والشعور بالصداع وتعرّض الوظائف المعرفية والحركية للخلل. ويمكن ملاحظة علامات خفيفة دون سريرية لتسمّم الجهاز العصبي المركزي لدى العمال الذين يتعرضون على مدى عدّة سنوات لمستويات الزئبق في الهواء بمقدار 20 ميكروجرام/ المتر المُكعّب أو أكثر من ذلك.
وأُفِيد بتعرض الكليتين لأضرار تتراوح بين زيادة مستوى البروتين في البول والإصابة بفشل كلوي.

وربما يعتقد البعض أن سقوط الترمومتر على الأرض وتكسره حادثا بسيطا. لكن الحقيقة أنه من الممكن أن يصبح ذلك أمرا شديد الخطورة على الإنسان الذي قد يصاب بتسمم الزئبق السائل. وتزداد المخاطر إذا حدث ذلك في غرفة الأطفال ودخلت مادة الزئبق السائل لجسم الأطفال عن طريق الجروح السطحية مثلا.
ولا تقتصر الخطورة على الزئبق السائل فحسب بل تمتد لملح الزئبق والكثير من مشتقاته. وعندما ينتهي الحال بهذه المواد في البحار والأنهار مع المخلفات الصناعية، فإن الكائنات البحرية تمتصها، وبالتالي فهي تعود للإنسان مرة أخرى بشكل مكثف عن طريق تناول الأسماك مثلا.
ووصول كميات مكثفة من الزئبق لجسم الإنسان عن طريق الكائنات البحرية لا يؤثر على الجهاز العصبي فحسب بل على الخصوبة أيضا.

سبل تقليل تعرض الإنسان لمصادر الزئبق
وبحسب منظمة الصحة العالمية، فهناك ثمة سبل عديدة للوقاية من أثار الزئبق الضارة بالصحة، ومنها الترويج لاستخدام الطاقة النظيفة ووقف استخدام الزئبق في تعدين الذهب وإلغاء تعدين الزئبق والتخلّص تدريجياً من المنتجات غير الأساسية الحاوية عليه.
الزئبق عنصر يتعذّر تدميره؛ لذا يمكن إعادة تدوير المستخدم منه بالفعل للاستفادة منه في أغراض أساسية أخرى من دون حاجة إلى الاضطلاع بالمزيد من أنشطة تعدينه. وينطوي استخدام الزئبق في تعدين الذهب لأغراض حرفية وعلى نطاق ضيّق على مخاطر محدّدة، ويخلّف آثاراً جسيمة على صحة الفئات المُستضعفة من السكان.
ويلزم تعزيز وتنفيذ تقنيات استخراج الذهب من دون استخدام الزئبق (والسيانيد)، كما يلزم في المواضع التي ما زال فيها الزئبق مستخدماً اتباع ممارسات أكثر أمناً في مجال العمل من أجل الوقاية من التعرّض للزئبق.

الجهود الدولية
لمواجهة هذا التحدي العالمي، اجتمع ممثلون من الحكومات وهيئات الأمم المتحدة والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني في الاجتماع الرابع المستأنف لمؤتمر الأطراف في اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق، وفي المؤتمر، الذي عقد في مارس 2021 في بالي، إندونيسيا، ناقش الممثلون القضايا الرئيسية الحساسة مثل إطار تقييم فعالية الاتفاقية، وقائمة التخلص التدريجي من المنتجات المحتوية على الزئبق، وكيفية معالجة الآثار الصحية للزئبق.
وتمت تسمية الاتفاقية على اسم الخليج في اليابان، حيث أدت مياه الصرف الصناعي الملوثة بالزئبق في منتصف القرن العشرين إلى تسمم آلاف الأشخاص، مما أدى إلى مشاكل صحية خطيرة أصبحت تُعرف باسم ’’مرض ميناماتا‘‘، وتهدف الاتفاقية، منذ دخولها حيز التنفيذ في عام 2017، إلى التحكم في إمدادات الزئبق وتجارته، وتقليل استخدام الزئبق وانبعاثاته وإطلاقه، وزيادة الوعي العام بشأنه، وبناء القدرات المؤسسية اللازمة، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2017، واعتبارا من اليوم، تضم الاتفاقية نحو 137 طرفاً.






تعليق واحد