أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

COP30.. دعوات عالمية لمعاهدة إنهاء الوقود الأحفوري تتصادم مع تراجع أوروبا عن التزاماتها.. قراءة تحليلية

الاتحاد الأوروبي يخفض سقف الطموح المناخي والناشطون يدقون ناقوس الخطر

بينما يتوجه أنظار العالم إلى مدينة بيليم البرازيلية حيث يعقد مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30)، حيث تتصاعد الدعوات إلى رفع سقف الطموحات المناخية والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، تعيش أوروبا مفارقة صارخة بين ما تدعو إليه على المنصات الدولية، وما تمارسه داخل مؤسساتها التشريعية.
ففي الوقت ذاته الذي يطالب فيه المفاوضون الأوروبيون في بيليم البلدان النامية والصاعدة بتسريع خفض انبعاثاتها، صوّت البرلمان الأوروبي في بروكسل على خفض هدف تقليص الانبعاثات إلى 90% بحلول عام 2040 مقارنة بمستويات عام 1990، مع السماح بنسبة 5% من هذا الخفض بالاعتماد على أرصدة كربون أجنبية، وهي آلية تُعدّ في نظر العديد من الخبراء «ثغرة قانونية» تتيح للدول والشركات تعويض الانبعاثات على الورق دون خفضها فعليًا في أراضيها.
هذا القرار، الذي وصفته أوساط بيئية بأنه تراجع مؤسسي عن المسار الأوروبي الأخضر، لا ينسجم مع توصيات المجلس الاستشاري العلمي الأوروبي لتغير المناخ، الذي طالب بخفض يتراوح بين 90% و95% داخل القارة الأوروبية نفسها، دون الاعتماد على أرصدة من الخارج.

تناقض بين الإرادة السياسية والعلمية

تبدو هذه الخطوة انعكاسًا لحالة الارتباك التي يعيشها الاتحاد الأوروبي منذ عامين بين ضغوط الاقتصاد والتزاماته المناخية.
فبعد سنوات من قيادة الجهود العالمية نحو “الصفقة الخضراء الأوروبية”، بدأ عدد من الحكومات والكتل السياسية في بروكسل يرفع شعار “تعزيز القدرة التنافسية” كمبرر لتخفيف القيود البيئية، خصوصًا بعد تداعيات الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة الأوروبية.
ورغم أن الهدف الجديد لعام 2040 ما يزال، نظريًا، من بين أكثر الأهداف طموحًا بين الاقتصادات الكبرى، إلا أنه يعكس تحولًا تدريجيًا نحو التبسيط والتنازل في السياسات المناخية، وهو ما حذرت منه منظمات بيئية أوروبية اعتبرت أن «الاتحاد الذي طالما كان نموذجًا للالتزام الأخضر، بدأ يرسل إشارات متناقضة تُضعف مصداقيته الدولية».

COP30
COP30

البرلمان الأوروبي: تحالف يمين الوسط واليمين المتطرف

في جلسة ستراسبورغ التي سبقت التصويت، مرّر نواب البرلمان الأوروبي أيضًا مقترحات لإضعاف قانون مكافحة إزالة الغابات وتأجيل بعض بنود قواعد الاستدامة للشركات، ما أثار موجة غضب واسعة في الأوساط البيئية.
فقد ألغى البرلمان بندًا كان يُلزم الشركات الأوروبية الكبرى بوضع خطط واضحة للتحول المناخي، ومواءمة أنشطتها مع أهداف اتفاقية باريس.

وجاء هذا التحول نتيجة تحالفٍ سياسيٍ جديد بين حزب الشعب الأوروبي (يمين الوسط) وأحزاب اليمين المتطرف، في سابقةٍ أثارت انتقادات واسعة من اليسار والبيئيين الذين رأوا فيها انحرافًا عن النهج الأوروبي التقليدي في العمل المشترك.
وقالت فرانسيس فيركامب، ناشطة في منظمة “أصدقاء الأرض أوروبا”، إن “تحالف يمين الوسط مع اليمين المتطرف لم يكن مجرد مناورة سياسية، بل خطوة متعمدة لتقليص التزامات الشركات المناخية وإفراغ التشريعات البيئية من مضمونها”.
وأضافت: “بينما يتحدث قادة أوروبا في بيليم عن قيادة الجهود العالمية، هم في الداخل يتراجعون عن وعودهم بحماية البيئة والمواطنين”.

COP30
COP30

معركة الاستدامة المؤجلة

يرى خبراء السياسات البيئية أن هذا التحول ليس حدثًا منفصلًا، بل هو جزء من سلسلة إجراءات أوسع تهدف إلى “تحرير الاقتصاد من الأعباء التنظيمية”، كما تصفها بعض الكتل المحافظة. غير أن المراقبين يحذرون من أن “الموجة المضادة للتنظيم الأخضر” قد تعيد القارة إلى الوراء في معركتها ضد الانبعاثات، خاصة في ظل تنامي الضغوط الاقتصادية والسياسية من الصناعات الثقيلة وشركات الطاقة.
تقول الدكتورة إليزا موريه، أستاذة السياسات البيئية بجامعة باريس، إن «البرلمان الأوروبي بات مرآة للانقسام العميق بين الرؤية العلمية التي ترى أن الوقت ينفد، والرؤية السياسية التي تخشى كلفة التحول الأخضر».

بيليم… معركة الوقود الأحفوري

في موازاة هذه التطورات الأوروبية، يزداد الضغط في بيليم من أجل إبرام معاهدة دولية للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، وهو المطلب الأبرز في أجندة نشطاء المناخ هذا العام.
تدعم 17 دولة حتى الآن المبادرة المعروفة باسم معاهدة الوقود الأحفوري، التي تقودها الكندية تزيبورا بيرمان، رئيسة المبادرة.
وتهدف المعاهدة إلى إلزام الدول بجدول زمني واضح لإنهاء استخدام الفحم والنفط والغاز، وتحويل الاستثمارات نحو مصادر الطاقة النظيفة.
تقول بيرمان في تصريحاتها خلال المؤتمر: «نعلم أن إنتاج الوقود الأحفوري ما يزال في ازدياد، وهذا يدفع العالم إلى تجاوز حدوده الكوكبية ويعمّق الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، إن إبرام معاهدة لإنهاء هذا الإنتاج سيكون عملاً من أعمال العدالة والرحمة في عصرنا».
لكن الطريق نحو هذا الهدف يبدو شاقًا. فالمقاومة تأتي من المنتجين الكبار للنفط، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، التي لم ترسل وفدًا رسميًا إلى المؤتمر.
كما يُتوقع أن يعارض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يتصدر المشهد السياسي مجددًا، أي التزامات من شأنها الحد من التنقيب عن النفط والغاز.

أصوات الأمازون: صرخة الشعوب الأصلية

من قلب الأمازون، حيث يلتقي النضال البيئي بالوجود الإنساني، ارتفعت أصوات الشعوب الأصلية مطالبة بالعدالة المناخية. قالت أوليفيا بيسا، زعيمة أمة تشابرا في بيرو: «إذا واصلنا استخراج الهيدروكربونات من الأرض، فإننا سنقضي على أنفسنا. نحن تعبنا من أن نكون ضحايا لأطماع الأقوياء الذين يريدون حكم الكوكب. إذا لم نتحرك معًا، فسنكون شركاء في الإبادة البيئية واغتيال البشرية».
تلك الصرخة تعكس البعد الأخلاقي العميق للنقاش الدائر في بيليم، إذ لم يعد الحديث مقتصرًا على نسب الانبعاثات والأهداف التقنية، بل امتد إلى الحق في الحياة والعدالة البيئية لشعوب تدفع ثمن سياسات لم تشارك في صنعها.

ضغوط من الداخل والخارج

تُظهر مواقف الحركات المناخية داخل أوروبا أن التراجع التشريعي الأخير لا يمر دون مقاومة.
فقد أعلنت أكثر من 150 منظمة بيئية نيتها إطلاق حملة ضغط جديدة على المفوضية الأوروبية لعدم المصادقة على القوانين المخففة، وللإبقاء على أهداف أكثر طموحًا في النسخة النهائية.
في المقابل، يبرر المسؤولون الأوروبيون هذه التعديلات بأنها “تكيّف ضروري مع الواقع الاقتصادي العالمي” الذي يشهد منافسة شرسة من الصين والولايات المتحدة في مجال الصناعة والطاقة.

مفترق طرق

في النهاية، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه عند مفترق طرق حاسم: إما أن يواصل ريادته في معركة المناخ العالمية ويحافظ على مصداقيته كقوة خضراء، أو أن ينزلق إلى منطقة رمادية تفقده مكانته القيادية لصالح قوى ناشئة تتبنى التحول الأخضر كخيار استراتيجي لا تكتيكي.
أما في بيليم، فالعالم بأسره يراقب عن كثب ما إذا كانت إرادة الشعوب ستتفوق على تردد الساسة، أم أن المؤتمرات ستظل تدور في حلقة وعودٍ لا تُترجم إلى أفعال.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading