وجهات نظر

وليد الأشوح: اقتصاد الدونات.. الرأسمالية هلاك للإنسانية

عضو الاتحاد الدولي للتنمية المستدامة

أدى التفكير الرأسمالي في العقود السابقة إلى التوحش في الرغبة للحصول على المزيد من الأموال، بالإضافة إلى غرس بعض الصفات مثل الطمع والجشع والاحتكار.

كل ذلك دون النظر إلى عواقب الطرق التي يتم بها الحصول على الأموال، مما أدى إلى تدهور مواردنا الطبيعية التي هي مصدر استمرارية البشرية على ذلك الكوكب، بالإضافة إلى أنها تمثل معطيات المعادلة الاقتصادية للحصول على إجمالي ناتج محلي وتحقيق نمو اقتصادي.

هذا النهم في الحصول على أموال وتحقيق نمو، ورخاء كما كنا نعتقد، أدى إلى أزمات اقتصادية عالمية وفقر في مواردنا الطبيعية باختلاف أشكالها، وزيادة في الاستهلاك غير الواعي، نتج عنه زيادة في المخلفات باختلاف أنواعها الصلبة والخطرة والكيميائية، والتي تكمن خطورتها ليس فقط في المنظر غير الحضاري في شوارعنا، ونقل الأمراض.

ولكن في تحللها وتسرب مكوناتها الكيماوية إلى التربة والمياه الجوفية والمسطحات المائية، والحرق المكشوف الذي يصدر عنه انبعاثات لغازات الاحتباس الحراري، مثل الكربون والميثان والنيتروز والتي أصبحت سببا في مزيد من الفقر المائي والغذائي نتيجة لزيادة درجات حرارة الجو، والمسطحات المائية، وارتفاع المياه الجوفية، وزيادة في ملوحة التربة، وزيادة في الأمراض التنفسية.

الديون ليست بنكية فقط بل بيئية أيضا

اتحد قادة العالم على استراتيجية تحمل شعار رؤوس أموالنا الطبيعية، هي أصول ثابتة يجب استثمارها والحفاظ عليها، وذلك في ظل الاستراتيجية العالمية للتنمية المستدامة التي غيرت المفاهيم الاقتصادية.

إن العالم الآن يولى اهتماما بسداد ديونه الإيكولوجية التي تؤثر بالسلب علي اقتصاديات دول العالم، خاصة الدول النامية، حيث أنها تخصم من إجمالي الناتج المحلي، وينظر إلى الديون البنكية على أنها فوائد مركبة لتلك الديون الإيكلوجية والتي تولد منها نوعان من الديون هما الديون البيئية الناتجة عن التعدي على مواردنا الطبيعية بالرعي والصيد الجائر وقطع الغابات، واستخدام الكيماويات في الصناعة والزراعة، وثانيها الديون المناخية، والتي نتجت عن زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة نتيجة للنشاط السلبى للإنسان.

الديون الإيكولوجية وإجمالي الناتج المحلي

لذلك بدأ العالم في وضع مجموعة من الحسابات الاقتصادية المقارنة بين الديون الإيكولوجية وإجمالي الناتج المحلي مثل حسابات نقل المنافع والبصمة البيئية والكربونية والمائية لتصب كلها في إطار المحاسبة البيئية الخضراء، ومن هذا المنطلق عقدت قمة الكوكب الواحد برئاسة الرئيس الفرنسي في ١٢ ديسمبر ٢٠١٧، ليولد نوع جديد من القروض، هي قروض الثروات السيادية (الموارد الطبيعية) والتي يتم سدادها على المدى الطويل، بهدف دعم القطاع الخاص ليصبح أقل انبعاثا للكربون ودمج العوامل التي تؤدى إلى تغيرات المناخ وطرق التكيف والتخفيف منه في الخطط التنموية والسياسات المالية للقطاع الخاص.

تنفيذا لاتفاقية تغيرات المناخ بباريس ٢٠١٥، وذلك للإسراع من الحد من خطر تغيرات المناخ على الانسان والكوكب الواحد وخلق اقتصاد يتسم بالاستمرارية ويحافظ على ثرواتنا السيادية (الاقتصاد الأخضر)، لذلك يجب تبني تلك المبادرات مثل برنامج المنح الصغيرة التابع لمرفق البيئة العالمي لدعم منظمات المجتمع المدني، ومبادرة القروض السيادية لدعم القطاع الخاص، لتتوحد استراتيجية الدولة مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني (مثلث الاستدامة) في الإسراع من تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

الدونات

قدمت الخبيرة الاقتصادية في جامعة أكسفورد، كيت راوورث ، ورقة نقاش في 2012 “مكان آمن وعادل للإنسانية: هل يمكننا العيش داخل دونات؟” و ذلك قبل مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في ريو +20 يوضح الإطار المرئي للتنمية المستدامة على شكل كعكة دائرية مساحة آمنة بين “حدود الكوكب” و “الحدود الاجتماعية”، حيث يمكن للبشرية أن تزدهر و كتاب سبع طرق للتفكير الإقتصادي القرن الحادي والعشرين هو كتاب غير خيالي لعام 2017 من تأليف الخبيرة الاقتصادية في أكسفورد كيت روورث يشرح الكتاب مفهومها عن اقتصاديات الدونات الذي تم تطويره لأول مرة في بحثها عام 2012 مساحة آمنة وعادلة للإنسانية.

تمثل الدائرة الداخلية لهذه الكعكة الاحتياجات الإثني عشر الإنسانية الأساسية التي تعتمد على أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، بين الحصول على الغذاء، والإسكان، والمياه النظيفة، والطاقة، والصرف الصحي، والرعاية الصحية، والتعليم، والمساواة بين الجنسين، وحرية التعبير.

أما الدائرة الخارجية فهي الإطار الإيكولوجي الذي يجب أن تعيش تحت سقفه البشرية جمعاء على أساس ما حدَّده العلماء المتخصصون في علوم نظام الأرض.

وهذا السقف يمنع من الإضرار بالمناخ والتربة والمحيطات وطبقة الأوزون والمياه العذبة والتنوُّع البيولوجي الوفير. وبين الدائرتين الخارجية والداخلية لكعكة الدونات توجد الأشياء الجيِّدة أو “العجين” حيث تُلبى احتياجات البشر واحتياجات الكوكب في آنٍ معاً.

نظام الدونات، هو إطار مناسب حيث يمكن لأصحاب القرار أن يجتمعوا ويتخذوا القرارات في ظل رؤية موحدة وجامعة، فلا حاجة لإيجاد حل لمشكلة البيئة وحدها وآخر للمشكلات المالية وآخر لمشكلة الطوارئ الصحية، بل يكون التركيز على استنباط حلول تحرص على تحقيق التوازن بين جميع الموارد المتوفرة بالإضافة إلى الازدهار والرفاه الفردي والمرونة الاقتصادية.

وفي عام ٢٠١٩ تم تأسيس منظمة تدعم الأنظمة والشركات الراغبة في التحول إلى اقتصاد أكثر استدامة وعدلا باسم Doughnut Economics Action Lab والمعروفة اختصارا باسم DEAL.

إذا كان هدف القرن الحادي والعشرين هو تلبية احتياجات جميع الناس ضمن وسائل الكوكب الحي بمعنى آخر الدخول إلى الدونات فكيف يمكن للبشرية الوصول إلى هناك؟ ليس مع التفكير الاقتصادي في القرن الماضي.

الطرق السبعة الأساسية لنظرية الدونات

١. تغيير الهدف

كل النظريات الاقتصادية السابقة كانت تهدف لشيء واحد، وهو زيادة معدل النمو الاقتصادي، في حين تهدف نظرية اقتصاد الدونات إلى توزيع عادل للثروات، مع توفير الاحتياجات الأساسية للأفراد، دون المساس بالبيئة.

٢. نظرية جديدة

حان الوقت للتفكير برؤية اقتصادية جديدة، تأخذ على عاتقها مبدأ التنمية المستدامة التي ترتبط بالواقع الاجتماعي والسياسي، ونبذ أي اتجاه يفكر في تقنين ذلك الاقتصاد بعيدًا عن الواقع السياسي والاجتماعي.

٣. احترام الطبيعة الإنسانية

الإنسان كائن اجتماعي، وطبيعته تحتم عليه احترام الطبيعة البشرية التي من المفترض أنها تسعى لمصلحة المجتمع ككل، يجب التفكير جديًّا في توقف الإنسان على السعي وراء المصالح الفردية، التي يغذيها الجشع والطمع.

٤. نظام مرن

يجب التعامل مع الاقتصاد بكثير من المرونة، فهو لا يخضع لقواعد ثابتة، ولا يمكن تنبؤ توجهات السوق. فلما لا نتعامل مع الاقتصاد على أنه حديقة، والاقتصاديون على أساس أنهم مزارعون، ويهتم كل مزارع بحديقته، ليساعدها على النمو الصحيح.

٥. إعادة توزيع الثروات

ولأن الاقتصاد لا يعمل بشكل منفصل عن السياسة، فلا بد من إيجاد قرارات سياسية، تسهم في توزيع العادل للثروات، للحدّ من نسبة الفقر، والعمل على تقليص الفجوة بين الفقراء والأغنياء الآخذة في الاتساع بشكل يومي.

٦. التوسع في الصناعة لإعادة الاستهلاك وتقليل حجم المخلفات

على مر السنوات الطويلة الماضية كانت علاقة الإنسان بالبيئة تقوم على استنزاف الموارد الطبيعية وتصنيعها إلى منتجات استهلاكية، ثم التخلص منها كمخلفات.

وهو نظام أسمته لوارث (take- make- use- lose)، ولهذا النظام مخاطر وأضرار كبيرة على البيئة، ولهذا يجب تبني نظام تدوير المخلفات، وأن تكون مخلفات صناعة هي مدخلات لصناعة أخرى وهكذا بحيث يتم إعادة استهلاك المنتجات وتدويرها مرة تلو الأخرى، وذلك من أجل تلبية جميع احتياجاتنا دون استنفاد الكوكب، مما يعني إنشاء علاقة متوازنة بين الناس والبيئة.

٧. نحن بحاجة إلى نظرة أكثر شمولية واقتصاد للكوكب ككل

يجب النظر بعين اقتصادية شمولية تشمل كل كوكب الأرض، مع مراعاة البعد الإنساني والبيئي.كل تلك المبادئ التي تنادي بها نظرية اقتصاد المدونات، كانت شبه نظرية، كما لاقت عدة اعتراضات بدعوى أنها مثالية وغير منطقية، غير أن بعد جائحة كورونا وانهيار اقتصادات الكثير من الدول، تبنت مدينة أمستردام هذه النظرية، وشرعت في تطبيقها، حيث تم تأسيس منظمة تدعم الأنظمة والشركات الراغبة في التحول إلى اقتصاد أكثر استدامة، وسرعان ما تتالت المدن الأخرى للحاق بركب اقتصاد المدونات.

مدينة أمستردام

في أبريل 2020م أعلنت مدينة أمستردام عن تبني نموذج الدونات لمساعدة المدينة في التعافي الاقتصادي بعد جائحة كورونا، ووضعت صحة البشر والكوكب من ضمن أولوياتها.

وهذا هو بالضبط ما يجب على جميع الأشخاص والمدن والبلدان في العالم القيام به.

لأنه من خلال التركيز الحقيقي على الرفاه الاجتماعي بالتوافق مع الصحة البيئية يمكننا الحد من انتشار الأوبئة المدمِّرة في المستقبل وضمان مستقبل اقتصادي مزدهر للجميع.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading