ملفات خاصةأهم الموضوعاتأخبار

هواء أنظف.. مدن أكثر حرارة.. دراسة تكشف تأثير الهباء الجوي على موجات الحر

مفاجأة علمية: مكافحة التلوث تسرّع تغيّر المناخ الحضري

تتفاقم موجات الحر، وهذا ليس أمرًا جديدًا. لكن هناك سببًا أقل وضوحًا لارتفاع درجات الحرارة الشديدة، وخاصة في المدن، قد يكون مفاجئًا للعلماء والحكومات المحلية.

اتضح أن العامل الرئيسي وراء هذه الموجات ليس فقط غازات الاحتباس الحراري، بل أيضًا التراجع المستمر لمشكلةٍ قضينا عقودًا نحاول القضاء عليها: تلوث الهواء.

تخفيضات الضباب الدخاني ترفع حرارة المدن

أظهرت دراسة جديدة، أجراها علماء من جامعة تكساس في أوستن، أن انخفاض مستويات الهباء الجوي – وهي جزيئات صغيرة تساهم في الضباب الدخاني والضباب – يلعب دورًا أكبر بكثير في ارتفاع درجات الحرارة الشديدة مما كان يُعتقد سابقًا.

وقد نُشرت الدراسة كاملة في مجلة Environmental Research Letters.

توصل الباحثون إلى أن تأثير الهباء الجوي في المناطق المأهولة بالسكان يفوق تأثير الغازات المسببة للاحتباس الحراري بنحو 2.5 مرة في تحفيز التغيرات المتعلقة بالتعرض لموجات الحر.

وفي حين ربطت أبحاث سابقة بين الهباء الجوي وأنماط درجات الحرارة الإقليمية، فإن هذه هي الدراسة الأولى التي تدرس تحديدًا تأثير هذه التغيرات على عدد وشدة موجات الحر التي يعاني منها الناس فعليًا.

وقال كاميرون كومينز، المؤلف المشارك في الدراسة: “كانت موجات الحر قرب المراكز الحضرية أكبر بكثير مما توقعنا. لذا، وبينما تسعى المدن إلى الحد من انبعاثات الهباء الجوي لتحسين الصحة العامة، فمن المرجح أن تشهد مزيدًا من موجات الحر”.

التطور الزمني لخطر موجات الحر العالمية الناجم عن الهباء الجوي وغازات الدفيئة.

هواء أنظف ومدن أكثر حرارة

باستخدام نماذج المناخ العالمية، حلل الباحثون اتجاهات الهباء الجوي من عام 1920 وحتى اليوم، ووجدوا أن ارتفاع مستوياته في المدن والمناطق المأهولة ساعد في خفض التعرض لموجات الحر بنحو النصف.

ويعود ذلك إلى قدرة الهباء الجوي على عكس ضوء الشمس، مما يوفر “ظلاً” طبيعيًا يخفف من وطأة الاحترار. إلا أن هذه الهباءات الواقية آخذة في الاختفاء.

فمع اعتماد دول العالم لوائح الهواء النظيف لتحسين الصحة العامة، تنخفض مستويات الهباء الجوي. وهذا خبر سار للرئتين، لكنه يعني أيضًا تلاشي “الظل” المناخي الذي كان يوفره.

وقالت جيتا بيرساد، قائدة الدراسة: “الهباء الجوي فعال جدًا في مواجهة موجات الحر حاليًا، ولكن هذا قد يتغير بسرعة في المستقبل”.

وأضافت: “يبدو أننا قد تجاوزنا بالفعل نقطة تحول، حيث يؤدي انخفاض الهباء الجوي إلى تسريع التعرض لموجات الحر في العديد من الأماكن”.

المزيد من موجات الحر في الطريق

إذا استمرت انبعاثات الهباء الجوي في التراجع بوتيرتها الحالية، فقد تكون النتائج وخيمة. إذ يتوقع الباحثون أنه بحلول عام 2080، قد يتضاعف متوسط عدد أيام موجات الحر عالميًا من نحو 40 يومًا في السنة إلى 110 أيام.

وستكون المناطق الأكثر عرضة للتأثر: إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وجنوب آسيا، وأمريكا الجنوبية، وأوروبا الغربية.

في هذه الدراسة، عرّف الباحثون “موجة الحر” بأنها ثلاثة أيام متتالية أو أكثر تتجاوز فيها درجات الحرارة النسبة المئوية التسعين خلال موسم الدفء في المنطقة.

وتؤدي الحرارة المتواصلة إلى إجهاد شبكات الطاقة، وتفاقم المخاطر الصحية، ودفع البنية التحتية إلى حدودها القصوى.

مكافحة التلوث تسرّع تغيّر المناخ الحضري

ليست كل الانبعاثات متماثلة

رغم أن غازات الدفيئة والهباء الجوي تنبعثان غالبًا من المصدر نفسه – مثل حرق الوقود الأحفوري – فإن سلوكهما يختلف تمامًا.

تحبس غازات الدفيئة الحرارة وتنتشر عالميًا، وقد تبقى في الغلاف الجوي لعقود أو قرون. أما الهباء الجوي فله عمر قصير، ويبقى محليًا، ويتساقط من الجو في غضون أسابيع.

هذا الأثر قصير الأمد يعني أننا نشهد سريعًا نتائج انخفاض الهباء الجوي – وهو أمر مفيد للصحة، لكنه خطير من منظور الحرارة. وأشارت بيرساد إلى أن هذا يجعل المدن أكثر هشاشة مع سعيها لتنظيف هوائها.

موجات حر حضرية تتصاعد دون الهباء الجوي

تعد أوروبا الغربية مثالًا واضحًا على هذه الظاهرة. ففي النصف الثاني من القرن العشرين، ساعدت مستويات الهباء الجوي المرتفعة في حماية المنطقة من موجات الحر، رغم ارتفاع تركيزات غازات الاحتباس الحراري. لكن هذا الوضع يتغير الآن.

وبيّنت الدراسة أنه في السنوات الخمس والعشرين المقبلة فقط، قد يؤدي انخفاض الهباء الجوي إلى 40 يومًا إضافيًا من موجات الحر سنويًا في المناطق الحضرية بغرب أوروبا.

ومع ذلك، لا يدعو الباحثون إلى التراجع عن جهود تنظيف الهواء. بل العكس تمامًا.

قالت بيرساد: “لا ينبغي اعتبار نتائج الدراسة ترخيصًا للتلويث”، مؤكدة أن مستويات الهباء الجوي العالية تُسبب مشكلات في الجهاز التنفسي والقلب، وتؤدي إلى آلاف الوفيات المبكرة سنويًا.

وأضافت: “ما سيحدث للهباء الجوي خلال العقود القادمة سيحدد مسار مخاطر موجات الحر على المدى القريب”.

التطور الزمني لخطر موجات الحر العالمية الناجم عن الهباء الجوي وغازات الدفيئة.

ماذا يمكن للمدن أن تفعل؟

الرسالة الأهم؟ الهواء النظيف ضروري، لكنه يتطلب استعدادًا حضريًا أفضل. فمع انخفاض التلوث، يجب أن تكون المدن جاهزة لدرجات حرارة أعلى.

ويشمل ذلك تحسين البنية التحتية لمواجهة موجات الحر، وتحديث أنظمة الطوارئ، وتوفير مراكز تبريد، وتعديل التخطيط الحضري بما يتوافق مع هذه المتغيرات، مع الاستمرار في خفض الانبعاثات عالميًا.

فالهواء النظيف ينقذ الأرواح، لكن دون استعداد حضري محكم، قد يعني ذلك مستقبلًا أكثر حرارة.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading