هل نظافة فمك تهدد صحتك والبيئة معاً؟ مشكلة البلاستيك الخفية في أدوات العناية بالأسنان
كيف يلوث معجون الأسنان والخيط والفرشاة البيئة بالبلاستيك؟
تنظف أسنانك مرتين يوميًا، وتستخدم الخيط بانتظام، وتزور طبيب الأسنان كل ستة أشهر.
لكن، ماذا لو كانت هذه الممارسات الصحية تساهم بصمت في واحدة من أخطر الأزمات البيئية على كوكب الأرض؟
تشير أبحاث متزايدة إلى أن سعينا وراء أسنان نظيفة وصحية يحمل تكلفة غير متوقعة: إذ ندفع بمليارات من جزيئات الميكروبلاستيك إلى المصارف يوميًا.
فعلى سبيل المثال، معاجين الأسنان، لعقود، استُخدمت الحبيبات البلاستيكية الدقيقة في المعاجين حتى حُظر استخدامها في عدة دول، لكن دراسات حديثة تؤكد أن كثيرًا من المعاجين الحالية لا تزال تحتوي على جزيئات بلاستيكية دقيقة.
وليس معجون الأسنان وحده المتهم؛ فخيط الأسنان أيضًا من الملوثات الصامتة.
معظم أنواعه مصنوعة من النايلون أو “التفلون”، وهي ألياف غير قابلة للتحلل، تتسرب إلى النظم البيئية.
حتى فرشاة الأسنان البسيطة تطرح العشرات من شظايا النايلون أثناء الاستخدام الطبيعي، وهذه الجزيئات تمر عبر شبكات الصرف الصحي لتصل إلى السلاسل الغذائية البحرية حيث تبتلعها العوالق والأسماك والرخويات، ثم تنتهي في أجسامنا.
ولا يتوقف الأمر عند منتجات النظافة اليومية، فالمواد التي يستخدمها أطباء الأسنان داخل الفم لها تأثير أيضًا.
فبعد أن استُبدلت الحشوات الفضية المحتوية على الزئبق بحشوات بلاستيكية بيضاء باعتبارها أكثر أمانًا، تكشف الدراسات الحديثة أن هذه الحشوات لها تكلفتها البيئية الخاصة.
ففي عام 2013، حثّت معاهدة “ميناماتا” الدولية الدول على التخلص التدريجي من الزئبق في حشوات الأسنان، ما جعل الحشوات الراتنجية (البلاستيكية) البديل الشائع.

لكن مراجعة علمية نُشرت عام 2022 في مجلة British Dental Journal أظهرت أن هذه المواد قد تتحول إلى ملوثات عند تفتتها.
ومع مرور الوقت، تتحرر جزيئات دقيقة ومواد كيميائية من هذه الحشوات إلى اللعاب، ومنها إلى مياه الصرف والبيئة الأوسع.
كما أن أعمال الحفر أو التلميع لدى طبيب الأسنان تولد غبارًا بلاستيكيًا مجهريًا يتسرب بسهولة عبر شبكات المياه.
ولا يقتصر الخطر على الحشوات، فأطقم الأسنان الأكريلية التي يستخدمها ملايين كبار السن تمثل مصدرًا مستمرًا للميكروبلاستيك، وكذلك واقيات الفم، والواقيات الليلية، والتقويمات الشفافة التي تُظهر تآكلاً مع الوقت، وهو ما يعني تحرر جزيئات مجهرية منها وابتلاعها أو جرفها نحو المصارف.

تأثيرات على الصحة
تثير هذه الجزيئات البلاستيكية أسئلة خطيرة حول الصحة، إذ يحتوي بعض الراتنج المستخدم في طب الأسنان على مادة “بيسفينول أ”، التي تشبه الهرمونات وقد تسبب اضطرابات في الغدد الصماء.
وفي عام 2024، كشفت دراسة طبية عن وجود ميكروبلاستيك في اللويحات الشريانية، لدى مرضى كانوا أكثر عرضة للإصابة بالنوبات القلبية أو السكتات الدماغية.
وتشير دراسات أخرى إلى أن الجزيئات المبتلعة قد تعطل توازن بكتيريا الأمعاء وتسبب التهابات.

حلول ممكنة
التعامل مع هذه الأزمة يتطلب تحركًا من الصناعة والمستهلكين، إذ بدأ المصنعون في تطوير معاجين أسنان تحتوي على مكونات طبيعية مثل السيليكا أو الطين بدل الحبيبات البلاستيكية، كما تُجرى أبحاث لإنتاج مواد بديلة قابلة للتحلل.
وقد حظرت أكثر من 15 دولة استخدام الميكروبيدات البلاستيكية في معاجين الأسنان ومستحضرات التجميل، فيما بدأت بعض العيادات باستخدام مرشحات خاصة لالتقاط غبار الحشوات قبل وصوله إلى مياه الصرف.

دور المستهلك
المستهلكون أيضًا أمامهم خيارات، مثل معاجين الأسنان على شكل أقراص أو مساحيق في عبوات خالية من البلاستيك، أو فرش الأسنان المصنوعة من الخيزران، أو خيوط الأسنان من الألياف الطبيعية.
أما في مجال التقويم، فتبقى الأقواس المعدنية التقليدية خيارًا فعالًا وصديقًا للبيئة مقارنة بالتقويمات البلاستيكية الشفافة.
لقد حققت المواد البلاستيكية في طب الأسنان فوائد عديدة، مثل تحسين الشكل وسهولة العلاج والتخلص من الزئبق، لكن تكلفتها البيئية والصحية لم تعد خافية.
ومع اكتشاف الميكروبلاستيك في كل مكان، من المحيطات إلى مجرى الدم البشري، أصبح الفم نفسه ساحة جديدة لهذا التلوث الصامت.
والحل يكمن في الابتكار والوعي لضمان أن يظل طب الأسنان حارسًا لابتسامتنا لا عبئًا على البيئة.







This post gave me a new perspective I hadn’t considered.