أهم الموضوعاتأخبارالسياحة

هل استخدم الفراعنة تقنيات متقدمة لبناء الأهرامات؟ دراسة مثيرة تكشف عن أسرار سقارة

اكتشاف مذهل.. شبكة قنوات ومصاعد مائية في قلب هرم زوسر.. هل الهندسة المائية وراء بناء أقدم أهرامات مصر؟

 علماء يكشفون عن دور المياه في بناء الهرم المدرج قبل 4650 عامًا

يرتفع الهرم المدرج شامخًا أعلى من مبنى مكوَّن من عشرين طابقًا على حافة الهضبة الصحراوية المصرية، على بُعد نحو 15 ميلًا جنوب مدينة الجيزة الحديثة. وقد بُني قبل ما يقرب من 4650 عامًا، ويُعد أول بناء ضخم شُيِّد بالكامل من كتل حجرية منحوتة.

ورغم شهرته، لا يزال هذا الصرح يحيّر العلماء؛ إذ لطالما تساءلوا كيف تمكن البناؤون القدماء من تجميع أكثر من 11 مليون قدم مكعب من الحجر الجيري بدقة وتناظر مذهلين، باستخدام أدوات بدائية تعود إلى عصرهم.

لكن دراسة حديثة تشير إلى أن السر ربما لم يكمن في المنحدرات الترابية، بل في تدفق المياه عبر القنوات والبرك. وقد نُشرت هذه الدراسة في مجلة PLOS One، حيث يقترح الباحثون، بعد تتبع المجاري المائية القديمة المرئية في صور الرادار الملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية ومقارنتها بالأدلة المحفورة في الصخر، أن المصريين القدماء استخدموا الطاقة المائية، على شكل مصاعد هيدروليكية، لرفع الأحجار طبقةً تلو الأخرى.

منطقة تصريف مياه وادي الطفلة

هرم الملك زوسر المدرج: البداية الهندسية

قبل نصف قرن من بناء أهرامات الجيزة الشهيرة، أمر الفرعون زوسر كبير مهندسيه “إمحوتب” بتصميم مقبرة غير مسبوقة، فكانت النتيجة: الهرم المدرج، الذي يتكون من ست درجات ولا يزال قائمًا بارتفاع يتراوح بين 197 و203 أقدام. ولأول مرة في التاريخ، استخدم البناؤون المصريون كتلًا ضخمة من الحجر الجيري المنحوت بدقة، بدلاً من الطوب اللبن.

وقد أشعلت المعرفة المكتسبة في منطقة سقارة خلال العقود التالية شرارة تقدم مذهل في تقنيات البناء، مما مهَّد الطريق لتشييد الأهرامات الكبرى لاحقًا.

مقطع عرضي للجدار الغربي لجسر المدير لموقع في الشكل

خريطة هضبة سقارة والمياه المتدفقة

تكشف خريطة حديثة لهضبة سقارة عن مسار المياه الممتد من سد جسر المدير إلى محطة معالجة المياه القريبة من هرم زوسر. من هناك، تُنقل المياه إلى شبكة أنابيب داخل الهرم، تعمل على تشغيل المصعد الهيدروليكي الذي يُعتقد أنه ساعد في رفع الحجارة الثقيلة.

لموقع العام لمجمع زوسر في سقارة (الملحق) ومنطقة تصريف وادي أبو صير، غرب سور جسر المدير

وقد تضاعف حجم الأحجار المستخدمة من نحو 660 رطلًا لكل حجر إلى أكثر من 5000 رطل، واستخدم ما يقرب من 28 مليون طن من مواد البناء في تشييد سبعة أهرامات ملكية فقط.

منطقة مجمع زوسر

وكان يحيط بالهرم مجمع متكامل من الساحات والمعابد والأماكن الاحتفالية، صُمم لخدمة الفرعون في الحياة الآخرة، حيث لم تكن هذه الأبنية رمزية فحسب، بل كانت عناصر وظيفية ضمن نظام اعتقادي يرى في الملك إلهًا حيًا على الأرض.

خطوط الكنتور المستخرجة من الخريطة الطبوغرافية بمقياس 1-5000
خطوط الكنتور المستخرجة من الخريطة الطبوغرافية بمقياس 1-5000

أدلة محفورة في الصخر

يقود الجهود الجديدة في هذا المجال الدكتور زافييه لاندرو من معهد CEA للتقنيات القديمة، حيث فحص فريقه الفرنسي بيانات الحفريات القديمة ودمجها مع صور رادارية حديثة عالية الدقة.

مقطع عرضي للجدار الغربي لجسر المدير لموقع في الشكل

ويوضح الدكتور لاندرو أن “صور الأقمار الصناعية تُظهر بوضوح أن السور الحجري المستطيل المعروف بجسر المدير، غرب مقبرة سقارة، يتمتع بخصائص تقنية لسد حاجز”. وقد استخدم هذا السد – كما تفترض الدراسة – للسيطرة على تدفق الفيضانات المفاجئة، وربما لرفع الأجسام الثقيلة من أعلى النهر.

منظر لمنطقة الخندق العميق (الأجزاء الحمراء) جنوب مجمع زوسر

خندق محفور وبحيرة مفقودة

على الجانب المحمي من السد، يُلاحظ انحناء طبيعي نحو حوض ضحل، وتُشير التحاليل الكيميائية للتربة إلى أن هذا الحوض كان يحوي بحيرة موسمية تغمرها مياه النيل عند فيضانه.

وعندما ينخفض منسوب المياه، تُوجّه القنوات المياه المتبقية إلى خندق محفور في الصخر يُعرف اليوم بـ”الخندق الجاف”، والذي يحيط بمنطقة الهرم. يحتوي ذراعه الجنوبي على صف من الغرف المتدرجة تشبه أحواض الترسيب الحديثة في محطات تنقية المياه.

مقاطع الارتفاع على طول الجدران الشرقية الخط الأحمر والغربية الخط الأسود

وتعمل هذه العناصر، وفق الدراسة، كنظام هيدروليكي متكامل، يجمع بين ضبط تدفق المياه وتحسين جودتها، مما وفر حلاً عمليًا لمشكلة البناء المعقد.

مخطط الارتفاع الغربي الشرقي لهيكل جسر المدير
مخطط الارتفاع الغربي الشرقي لهيكل جسر المدير

الماء والحجارة داخل الهرم

توجد داخل الهرم ممرات حجرية منحنية صاعدة من عمود مركزي، وقد فسَّرها الباحثون بأنها جزء من مصعد مائي. ويعتقدون أن المهندسين القدماء استخدموا المياه النظيفة من القسم الجنوبي للخندق الجاف لرفع الكتل الحجرية عبر قلب الهرم بطريقة شبيهة بالثوران البركاني.

ويصف الباحثون المشهد كالتالي: زوارق عائمة أو زلاجات مختومة، ترتفع نحو الأعلى مدفوعة بتدفق الماء النظيف من الأسفل.

وتُظهر الحسابات أن عمودًا مائيًا بعمق تسعة أمتار كان كافيًا لتقليل ثقل الكتلة الحجرية بمقدار الثلثين، ما يسهل على العمال توجيهها يدويًا نحو مكانها.

منظر للمقصورة من الخندق العميق المنحوت في الصخر

الفيضان أولًا، ثم الجفاف

يشير الدكتور لاندرو إلى أن ما قبل الأسرة الرابعة كانت التحديات فيضانية أكثر منها جفافًا، ما يبرر اعتماد نظام هندسي يعمل على تحويل الفيضانات الموسمية من تهديد إلى أداة فعالة في البناء.

ووفقًا للدراسة، فإن نظام المصعد المائي كان قادرًا على تقليل الحاجة إلى آلاف العمال، وتجنب استخدام المنحدرات الترابية التي لم يُعثر عليها في الموقع رغم أنها كانت الفرضية السائدة.

نظرة عامة على مخطط زوسر الجوفي المعقد مع التركيز على اكتشافات البعثة اللاتفية

لغز الهرم المجوف

رغم كل هذا الجهد، لا تزال حجرة دفن الهرم المدرج فارغة: لا مومياء، لا كنوز، ولا نقوش جنائزية. وقد افترض بعض الباحثين أن قلب الهرم لم يكن قبرًا، بل غرفة ضغط هندسية مكّنت من رفع المياه إلى الأعلى.

وتعكس متاهة الأنفاق والأبواب المفصلية ومصائد الكتل المتساقطة براعة ميكانيكية لا تقل عن الأنظمة المائية المعقدة المستخدمة اليوم.

ندوق جرانيتيّ لعمود زوسر الشماليّ المُركّب يعمل كنظام فتح وإغلاق لتدفق المياه القادم من الأنفاق الجانبيّة

عبقرية الفراعنة والهندسة المعاصرة

إن ديناميكيات السوائل المستخدمة في سقارة تبدو مألوفة لمهندسي العصر الحديث، ممن يستغلون الفيضانات لبناء دلتا لويزيانا أو لرفع الأبنية على روافع هوائية.

وإذا كان المصريون القدماء قد استخدموا بالفعل أعمدة المياه لرفع الحجارة نحو السماء، فقد حققوا بذلك إنجازًا يوازي، إن لم يتجاوز، الحلول الهندسية الحديثة التي تتماشى مع قوى الطبيعة بدلًا من مقاومتها.

خريطة شمال سقارة توضح العلاقة بين مجرى أبو صير المائي وعملية بناء الهرم المدرج تشير الأسهم إلى اتجاهات التدفق

ورغم أن هذه الدراسة لا تقدم كل الإجابات، فإنها تفتح آفاقًا واعدة أمام الحفريات المستقبلية، إذ قد تؤكد عينات الطمي من الخندق الجاف وجود بحيرة قديمة، أو تكشف ترسبات معدنية في الأعمدة الداخلية عن دورات تكرارية من الرطوبة.

في كل الأحوال، يظل الهرم المدرج أعجوبة هندسية تُثبت أن الفراعنة لم يترددوا يومًا في مواجهة أصعب التحديات بأفكار بسيطة ولكن عبقرية، تمامًا مثل تدفق نهر النيل الهادئ الذي لا يعرف التوقف.

استخدام القوة الهيدروليكية للمساعدة في بناء الهرم المدرج

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading