نفايات أميركية قديمة تغيّر كيمياء قاع المحيط لآلاف السنين
تسرب كيميائي في أعماق المحيط يعيد تشكيل الحياة البحرية بعد 50 عامًا
تمكن العلماء من تحديد سبب ظهور حلقات بيضاء باهتة حول البراميل الصدئة في قاع المحيط، والتي تبين أنها ناجمة عن تسرب نفايات كيميائية شديدة القلوية إلى الرواسب الطينية المحيطة.
وتشير النتائج إلى أن المواد التي أُلقيت قبالة سواحل الولايات المتحدة منذ عقود لا تزال تؤثر في الموائل البحرية العميقة بعد أكثر من 50 عامًا، من خلال تفاعلها مع قاع البحر وتغيير طبيعة الحياة في أعماق المحيط حتى اليوم.
ونُشرت الدراسة في PNAS Nexus.
ظهور هالات بيضاء

في عينات الطين التي جُمعت بجوار البراميل، ظهرت هالات بيضاء على شكل قشور متصلبة وبقع مسحوقية داخل الرواسب الداكنة.
ومن خلال أخذ عينات على امتداد هذه الهالات، تمكن فريق من معهد سكريبس لعلوم المحيطات من تتبع القشرة إلى نفايات قلوية متسربة.
وقارنت عالمة الأحياء الدقيقة الدكتورة جوانا جوتليبين الرواسب داخل الهالة بعينات مرجعية قريبة، لتجد غيابًا شبه تام للمادة الوراثية الميكروبية في مركز الهالة.
وتتيح هذه الهالات للباحثين تحديد مواقع التسرب المحتملة بسرعة، حتى قبل تحليل المواد المتسربة.
رسم خريطة المقبرة

شملت عمليات المسح في أعماق البحار نحو 58 ميلًا مربعًا من حوض سان بيدرو، حيث استخدمت غواصات آلية مزودة بأجهزة صوتية وكاميرات لتحويل التقديرات التقريبية إلى خريطة دقيقة للحطام.
وفي تلك المنطقة، سجل المحللون أكثر من 74 ألف هدف من الحطام، من بينها نحو 27 ألف جسم يشبه البراميل متناثرة قبالة سواحل لوس أنجلوس.
ليس الـ DDT مصدرًا جديدًا

لعدة سنوات، ربط كثيرون هذه البراميل الصدئة بمادة DDT، وهي مبيد حشري طويل الأمد تم رصده بالفعل في رواسب قاع البحر القريبة.
غير أن الاختبارات الحديثة أظهرت أن تركيز DDT ظل مرتفعًا في جميع أنحاء موقع النفايات، بغض النظر عن قرب العينات من البراميل، ما يشير إلى أنها ليست مصدرًا جديدًا للتلوث.
ورغم حظر هذه المادة عام 1972، فإنها لا تزال قادرة على التراكم الحيوي داخل الشبكات الغذائية البحرية.
تفاعلات كيميائية تغيّر الرواسب

أدت التسريبات الكيميائية من بعض البراميل إلى تحويل الطين الناعم إلى حلقات باهتة اللون، نتيجة تفاعلات مع مياه البحر.
وأظهرت القياسات أن درجة الحموضة في الرواسب وصلت إلى نحو 12، مقارنة بنحو 8 في مياه البحر المحيطة.
وتفاعل المغنيسيوم الموجود في المياه مع هذه القلوية، ما أدى إلى تصلب الحبيبات وتشكيل حواف مقاومة للأمواج والتيارات البطيئة في قاع البحر.
ومع مرور الوقت، ساعد معدن البروسيت، وهو هيدروكسيد المغنيسيوم، في تثبيت هذه الحلقات في مكانها لعقود.
تأثيرات على الحياة الميكروبية
احتوت الرواسب الواقعة تحت الهالات على عدد أقل بكثير من الكائنات الدقيقة مقارنة بالطين المجاور، كما اختلف تركيب المجتمع الميكروبي بشكل ملحوظ.
وعند مستويات الحموضة المرتفعة، سيطرت البكتيريا المحبة للقلويات على العينات التي كانت تدعم سابقًا تنوعًا ميكروبيًا أكبر.
وقد يؤدي تراجع النشاط الميكروبي إلى تغيير دورات إعادة تدوير النيتروجين والكبريت في القاع، مع تأثيرات محتملة على الكائنات البحرية الأكبر حجمًا.

آثار طويلة الأمد
رغم مرور الزمن، تظل هذه الهالات قائمة بسبب القشرة المعدنية التي تحافظ على القلوية المرتفعة في الرواسب.
ويذوب البروسيت ببطء شديد في مياه البحر، مطلقًا مواد كيميائية ترفع درجة الحموضة المحلية حتى بعد توقف التسرب الأصلي.
وبناءً على معدلات الذوبان، قد تستمر التأثيرات البيئية في قاع البحر لعدة آلاف من السنين في بعض أجزاء الحوض.
التخلص من النفايات في الماضي
بين ثلاثينيات القرن الماضي وأوائل سبعينياته، اعتبرت بعض الوكالات والشركات مياه المحيطات العميقة وسيلة مناسبة للتخلص من النفايات.
وتشير سجلات وكالة حماية البيئة الأمريكية إلى وجود ما لا يقل عن 14 موقعًا للتخلص من النفايات في المياه العميقة قبالة سواحل جنوب كاليفورنيا.
وشملت المواد الملقاة مخلفات صناعية وكيميائية، ونفايات حفر آبار النفط، وحتى متفجرات عسكرية قديمة.
تحديات التنظيف
لا يزال العلماء غير قادرين على تحديد البراميل التي بقيت مغلقة وتلك التي تسربت بالفعل.
وتحمل نحو ثلث البراميل هالات بيضاء تشير إلى تسرب نفايات قلوية وتغير الرواسب المحيطة بها.
وتواجه أي خطة تنظيف معضلة بين إثارة الرواسب الهشة أو قبول خطر استمرار التسرب.
وعلى عمق يقارب 3000 قدم، تعتمد فرق العمل على الروبوتات والكابلات، ما يجعل أي خطأ محتملًا سببًا في انتشار المواد الكاوية لمسافات أكبر.
وقد بدأت وكالة حماية البيئة بالفعل تنفيذ عمليات مسح وأخذ عينات إضافية حول مواقع النفايات، لكنها لا تزال تفتقر إلى جرد كامل لمحتويات البراميل.
وتوفر الهالات البيضاء وسيلة لتحديد أولويات التدخل، بينما يدرس صانعو السياسات ما إذا كانت ممارسات التخلص القديمة تستدعي استجابة حديثة.





