موجات الحر الطويلة تزيد حالات الطوارئ النفسية.. وكبار السن الأكثر تضررًا
تغير المناخ يهدد الصحة النفسية.. موجات الحر ترفع دخول المستشفيات بسبب الاضطرابات العقلية
كشفت دراسة دولية واسعة النطاق أن موجات الحر الممتدة لا تقتصر آثارها على زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والجهاز التنفسي، بل تؤدي أيضًا إلى ارتفاع حالات الطوارئ المرتبطة بالصحة النفسية، مع تسجيل أعلى معدلات الخطورة بين كبار السن وسكان المناطق الريفية.
واعتمدت الدراسة على تحليل أكثر من 2.6 مليون حالة دخول إلى المستشفيات في 852 منطقة موزعة على أربع دول في ثلاث قارات، خلال الفترة من 2000 إلى 2019، ونُشرت نتائجها في دورية Nature Health.

تأثير يمتد لأيام بعد بدء موجة الحر
قاد الدراسة البروفيسور يومينج جو، أستاذ الصحة البيئية والإحصاء الحيوي في جامعة موناش الأسترالية، حيث درس الباحثون تأثير موجات الحر التي تستمر أربعة أيام متتالية أو أكثر، عندما تصل درجات الحرارة إلى أعلى مستوياتها المحلية.
وأظهرت النتائج أن دخول المستشفيات بسبب الاضطرابات النفسية والسلوكية، مثل الاكتئاب والقلق، ارتفع بنحو 3% في اليوم الأول من موجة الحر، ثم واصل الارتفاع خلال الأيام الثمانية التالية ليصل إجمالي الزيادة إلى نحو 6%.
وأشار الباحثون إلى أن التأثير لا يحدث بشكل فوري فقط، بل يتراكم تدريجيًا مع استمرار التعرض للحرارة المرتفعة.
كبار السن الأكثر عرضة للخطر

أوضحت الدراسة أن الأشخاص الذين تجاوزوا 65 عامًا كانوا الأكثر تأثرًا بموجات الحر، إذ سجلوا معدلات أعلى من دخول المستشفيات مقارنة ببقية الفئات العمرية.
ويعزو الباحثون ذلك إلى أن كبار السن يفقدون القدرة على تنظيم حرارة أجسامهم بكفاءة مع التقدم في العمر، كما أن بعض الأدوية التي يتناولونها قد تقلل قدرة الجسم على التبريد، ما يزيد من تأثير الحرارة على الصحة الجسدية والنفسية.
سكان المناطق الريفية في دائرة الخطر
ومن النتائج اللافتة للدراسة أن سكان المناطق منخفضة الكثافة السكانية كانوا أكثر عرضة لدخول المستشفيات بسبب الأزمات النفسية مقارنة بسكان المدن.
ويرى الباحثون أن السبب لا يرتبط بدرجات الحرارة وحدها، بل يعود أيضًا إلى محدودية خدمات الصحة النفسية والطوارئ في المناطق الريفية، إلى جانب طول المسافات اللازمة للوصول إلى المستشفيات وارتفاع مستويات العزلة الاجتماعية.
كيف تؤثر الحرارة في الصحة النفسية؟
رغم أن الدراسة لم تبحث الآليات البيولوجية بشكل مباشر، فإن الباحثين يشيرون إلى عدة عوامل تفسر هذه العلاقة.
فالحرارة المرتفعة تؤدي إلى اضطراب النوم وصعوبة الحصول على راحة كافية، وهو ما يُعد أحد أهم المحفزات لنوبات الاكتئاب والقلق والاضطراب ثنائي القطب.
كما ترفع موجات الحر مستويات هرمونات التوتر، وتؤثر في تنظيم حرارة الجسم، وتقلل القدرة على التركيز واتخاذ القرارات وضبط الانفعالات، ما قد يؤدي إلى تفاقم الاضطرابات النفسية لدى الأشخاص المعرضين لها.
وأوضح الباحثون أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة لعدة أيام يسبب تراكمًا تدريجيًا لهذه التأثيرات، وهو ما يفسر زيادة حالات دخول المستشفيات مع استمرار موجة الحر.

تغير المناخ يزيد التحديات الصحية
تأتي نتائج الدراسة في وقت يشهد فيه العالم موجات حر أكثر شدة وتكرارًا وطولًا نتيجة تغير المناخ، وهو ما يفرض تحديات جديدة على الأنظمة الصحية.
ويؤكد الباحثون أن الاستعداد لموجات الحر يجب ألا يقتصر على توفير خدمات علاج ضربات الشمس والجفاف، بل ينبغي أن يشمل أيضًا تعزيز خدمات الصحة النفسية والطوارئ النفسية، خاصة خلال الفترات التي تشهد ارتفاعًا استثنائيًا في درجات الحرارة.
وأشار فريق الدراسة إلى أن الأدلة أصبحت أكثر وضوحًا على أن الحرارة الشديدة يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الاضطرابات النفسية القائمة، وزيادة الضغوط النفسية، وارتفاع معدلات دخول المستشفيات، ما يستدعي دمج الصحة النفسية في خطط التكيف مع تغير المناخ وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.





