مصنع بلجيكي فريد يحول الملابس البالية إلى أقمشة جديدة عبر تقنية “إعادة التدوير اللطيف”
من النفايات إلى الموضة.. تكنولوجيا أوروبية تحول الأقمشة المستعملة إلى منتجات جديدة عالية الجودة
في شمال غرب بلجيكا، داخل مصنع بمدينة واريجم، تعمل آلة فريدة بطول 170 مترًا، لا يُسمح باستخدامها إلا للعاملين المصرح لهم عبر بصمة الأصبع، لتحويل الملابس القديمة والمنسوجات البالية إلى ألياف جديدة صالحة لإنتاج أقمشة عالية الجودة.
هذه التقنية المبتكرة تقع في قلب مشروع أوروبي طموح يُعرف باسم tExtended، يستمر لأربع سنوات، ويهدف إلى إحداث تحول جذري في مستقبل إعادة تدوير الأقمشة داخل القارة.
وفقًا للوكالة الأوروبية للبيئة، يُلقى نحو 7 ملايين طن من النفايات النسيجية سنويًا في مدافن القمامة أو تُحرق، وهو ما يسعى المشروع إلى تغييره من خلال ابتكار طرق جديدة لإعادة الاستخدام والتدوير.
عملية دقيقة غير تقليدية تحافظ على جودة الألياف
يقول كوين دي روك، المدير العام لشركة PURFI Manufacturing، الرائدة في “تجديد” الأقمشة المستدامة: “تقنيتنا تعمل داخل ما يشبه الصندوق الأسود، فهي تعتمد على عملية دقيقة وغير تقليدية تحافظ على جودة الألياف الأصلية.”
وتُعرف التقنية المستخدمة باسم “إعادة التدوير الميكانيكي اللطيف”، وهي تختلف عن الطرق التقليدية التي تمزق القماش للحصول على الألياف، إذ تقوم هذه الآلة بفك تشابك الخيوط بلطف لتبقى محتفظة بطولها وقوتها.
ويُعد هذا فارقًا جوهريًا؛ فبدلًا من أن تتحول الملابس القديمة إلى منتجات منخفضة الجودة مثل أقمشة التنظيف أو العزل، يمكن استخدامها في صناعة ملابس جديدة.
يقول دي روك: “معظم عمليات إعادة التدوير الحالية هي في الحقيقة ‘إعادة تدوير منخفضة القيمة’، تبدأ بمنتج جميل وتنتهي بشيء بسيط جدًا، أما ‘الترقية’ أو Upcycling فلا تمثل أكثر من 1% من السوق حاليًا.”
ويمتد مشروع tExtended ليشمل شراكات بحثية وصناعية في فنلندا، السويد، بلجيكا، فرنسا، إيرلندا، لاتفيا، سلوفاكيا، إسبانيا، البرتغال وسويسرا، بهدف خفض النفايات النسيجية في أوروبا بنسبة تصل إلى 80%.
لا تُلقى الملابس القديمة مع القمامة العادية
وبموجب القواعد الجديدة للاتحاد الأوروبي، بدأت الدول الأعضاء منذ يناير 2025 في جمع النفايات النسيجية بشكل منفصل، بحيث لا تُلقى الملابس القديمة مع القمامة العادية، ما يتيح إعادة استخدامها أو إصلاحها أو تدويرها.
وتوضح الدكتورة بيريو هيكيلا، الباحثة الرئيسية في مركز الأبحاث التقنية الفنلندي VTT والمنسقة للمشروع، أن الهدف هو توفير دليل شامل لصناعة النسيج الأوروبية حول كيفية فرز النفايات ومعالجتها وإعادة استخدامها ضمن رؤية الاتحاد الأوروبي لجعل الأزياء أكثر استدامة ودائرية.
وأضافت هيكيلا: “بعد 25 عامًا من دراسة الأقمشة، أصبحت الآن أكثر وعيًا بما أشتريه. أختار الملابس المستعملة أو تلك التي تُصنع بطرق مسؤولة، وأحرص على إصلاحها وإعادة استخدامها.”
لكنها تؤكد أن العبء الأكبر يقع على القطاع الصناعي لتصميم منتجات قابلة لإعادة التدوير تدوم أطول.
وفي مصانع شركة PURFI، تُجرى اختبارات على الألياف المعاد تدويرها لإنتاج خيوط جديدة تُستخدم في الملابس وأغطية الأسرّة.
وقد بدأت بالفعل تجارب لإنتاج دينم معاد التدوير بالكامل من القطن النقي.
وفي البرتغال، تعمل شركة JF Almeida، المتخصصة في إنتاج المناشف، على مزج الألياف المعاد تدويرها مع الألياف الجديدة لتقليل الاعتماد على المواد الخام، وتقول ممثلة الشركة ليليانا ميراندا: “الاستدامة جزء من هويتنا، الزبائن يطلبون منتجات صديقة للبيئة يوميًا، وهذا المشروع يمنحنا فرصة لإنتاج منسوجات جديدة بتأثير أقل على الكوكب.”
ويأمل الباحثون أن تسهم هذه الجهود في تقليل الحرق والنفايات، وتعزيز قدرة أوروبا على المنافسة عالميًا في قطاع الأقمشة المستدامة.
وتختم هيكيلا قائلة: “لدينا فرصة حقيقية لجعل أوروبا رائدة عالميًا في إنتاج المنسوجات عالية الجودة والمستدامة، الابتكار والتعاون هما مفتاح تحويل النفايات إلى قيمة”.





