أخبارالطاقة

منطقة الشرق الأوسط وفرت العام الماضي أكثر من 30% من نفط العالم ونحو 20% من غازه الطبيعي

التكييف وتحلية المياه يقفزان باستهلاك الكهرباء.. الطلب على الكهرباء سيزيد 50% بحلول 2035

 

الغاز والطاقة الشمسية والنووية ركائز مستقبل الكهرباء بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا

في زمن تُعاد فيه كتابة خرائط الطاقة العالمية، لم تعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجرد مصدر تقليدي للغاز الطبيعي والنفط، بل تحولت إلى مركز لصراعات وتحديات جديدة تتعلق بالطاقة المتجددة ومستقبل الكهرباء.

وفي مقابلة خاصة مع الجزيرة نت، تحدث المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول عن الحاجة الملحة لزيادة الاستثمار في قطاع الكهرباء، مؤكدًا أن الغاز الطبيعي والطاقة الشمسية والنووية ستشكّل ركائز هذا القطاع في السنوات المقبلة.

وفي تقريرها الجديد بعنوان “مستقبل الكهرباء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، لم تكتفِ الوكالة الدولية بعرض الأرقام فحسب، بل سعت إلى تفكيك سردية الكهرباء كحاجة إنسانية أساسية، ورافعة للتنمية، وأداة جيوسياسية بالغة الأهمية.

الطاقة المتجددة مقابل الوقود الأحفوري
الطاقة المتجددة مقابل الوقود الأحفوري

التبريد والمياه


في منطقة تعاني ندرة المياه وارتفاعًا في متوسط درجات الحرارة بأكثر من ضعف المعدل العالمي، يقف قطاع الكهرباء أمام اختبار غير مسبوق؛ إذ لم يعد التبريد وسيلة رفاهية، بل ضرورة حياتية يومية تمثل ربع الطلب السنوي على الكهرباء، أي ما يفوق إجمالي استهلاك الكهرباء في جميع دول العالم باستثناء 15 دولة فقط.

وأكد فاتح بيرول أن الطلب على الكهرباء يتزايد في جميع أنحاء العالم، غير أن الحديث غالبًا ما ينصب على الصين والهند، بينما يحتل الشرق الأوسط المرتبة الثالثة في هذا السياق.

وأوضح بيرول أن الأمر يرتبط بعاملين أساسيين:

  • أولهما التوسع المتزايد في استخدام مكيفات الهواء، إذ تنتشر بكثرة في دول مجلس التعاون الخليجي، بينما لا يمتلكها سوى 20% فقط من سكان بقية الدول العربية. ومع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الدخول، يزداد الإقبال على اقتنائها.

  • أما العامل الثاني فيتعلق بتحلية المياه، إذ تضم المنطقة سبع دول من بين أكثر ثماني دول معاناة من ضغوط مائية في العالم. وقد بلغ إنتاج المياه المحلاة 12 مليار متر مكعب عام 2024، أي ما يعادل التدفق السنوي لنهر الفرات، مع توقعات بمضاعفته ثلاث مرات بحلول عام 2035.

وأشار تقرير وكالة الطاقة الدولية، الصادر أمس الجمعة، إلى أن الطلب على الكهرباء في المنطقة ارتفع ثلاثة أضعاف بين عامي 2000 و2024، أي أكثر من ألف تيراواط/ساعة، وبذلك تصبح المنطقة ثالث أكبر مساهم في نمو الطلب العالمي بعد الصين والهند.

كما يُتوقع أن يزيد الطلب بنسبة 50% إضافية بحلول عام 2035، أي ما يعادل الاستهلاك الحالي لألمانيا وإسبانيا مجتمعتين، وهو ما ستكون له انعكاسات واسعة على أسواق الطاقة العالمية.

مصادر داعمة


ورغم انخفاض تكلفة الطاقة الشمسية، ما تزال كثير من دول المنطقة مترددة في التحول نحو الطاقة المتجددة، في ظل هيمنة واضحة للغاز الطبيعي بنسبة 70%، وهو الوقود الرئيسي لتوليد الكهرباء في قطر ومصر وعُمان وتونس والإمارات والجزائر والبحرين وإيران، يليه النفط بنسبة 20%، بما يعادل 1.8 مليون برميل يوميًا، أي ما يساوي إنتاج المكسيك الحالي.

وبينما يزحف استخدام الطاقة النووية ببطء، أوضح المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية أن “بعض دول المنطقة ما تزال تستخدم كميات كبيرة من النفط لتوليد الكهرباء، غير أن حكومات مثل السعودية والعراق بدأت بالاعتماد على الغاز والطاقة الشمسية بدلًا من النفط لتقليص استهلاكه وتوفير عوائده للتصدير”.

وقد وفرت المنطقة العام الماضي أكثر من 30% من نفط العالم ونحو 20% من غازه الطبيعي.

وفي الوقت ذاته، برزت كمركز رئيسي لنمو الطلب على الكهرباء، مدفوعًا بزيادة السكان، وتسارع وتيرة التحضر، وارتفاع مستويات المعيشة، وضغوط المناخ.

محطة للطاقة الشمسية الكهروضوئية

كما يُتوقع أن ترتفع القدرة الشمسية الكهروضوئية في المنطقة عشرة أضعاف بحلول عام 2035، بزيادة تقدَّر بـ200 جيجاواط. وسترتفع حصة الطاقة المتجددة إلى 25% من إجمالي التوليد، مقارنة بـ6% العام الماضي، مع تطلعات لزيادة الطاقة النووية إلى 90 جيجاواط خلال عقد، أي ثلاثة أضعاف مستواها الحالي.

ومن شأن توسيع نطاق الطاقة الشمسية الكهروضوئية أن يعزز المرونة في المناطق التي تشهد صراعات، من خلال تقليل الاعتماد على الشبكات الضعيفة، مثلما هو الحال في لبنان وسوريا واليمن.
بلغت استثمارات قطاع الكهرباء عام 2024 نحو 44 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعها إلى 70 مليار دولار خلال العقد المقبل.

وبحسب التوقعات الحالية، سيُلبي الغاز الطبيعي نصف نمو الطلب على الكهرباء في المنطقة حتى عام 2035، ليظل المصدر الأبرز بفارق كبير، مستندًا إلى وفرة الاحتياطيات وقوة البنية التحتية. وفي المقابل، من المتوقع أن تتراجع حصة النفط إلى 5% فقط من مزيج الكهرباء.

أهمية الاستثمار في قطاع الكهرباء بالمنطقة


بلغت استثمارات قطاع الكهرباء في عام 2024 نحو 44 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعها إلى 70 مليار دولار خلال العقد المقبل. غير أن عدم مضاعفة الاستثمارات في بناء الشبكات وخطوط النقل ورفع كفاءة الأجهزة قد يجعل من هذه الأموال حلولًا مؤقتة لا أكثر.

وأكد بيرول أن الاستثمار “أمر ميسور في دول الخليج، لكنه سيكون أكثر صعوبة في بقية أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يتطلب الأمر خفض المخاطر الاقتصادية وتعزيز الاستقرار السياسي”.

وبحسب تقرير وكالة الطاقة الدولية، من المتوقع أن تتضاعف القدرة النووية في المنطقة ثلاث مرات بحلول عام 2035 لتصل إلى 19 غيغاواط، وهو تحول لافت في مشهد الطاقة الإقليمي.

وعن السيناريوهات الأسوأ، حذّر التقرير من أن استمرار الاعتماد المفرط على النفط والغاز في المنطقة سيؤدي إلى ارتفاع الانبعاثات الكربونية، وخسارة تصل إلى 80 مليار دولار من عائدات تصدير النفط والغاز بحلول عام 2035، إضافة إلى زيادة فواتير واردات الطاقة بمقدار 20 مليار دولار.

تحديات وفرص


ويرى فاتح بيرول أن أمن الطاقة أصبح قضية جوهرية اليوم، محذرًا من أن تشابك الطاقة مع الجغرافيا السياسية قد يتفاقم في السنوات القادمة، وهذا يشكل خطرًا مباشرًا على استقرار المنطقة والعالم.

وأضاف: “كلما زادت مرونة البنية التحتية للطاقة لدينا، أصبحنا أكثر استعدادًا لمواجهة تلك المخاطر”.

وقد يشهد قطاع توليد الطاقة النظيفة نموًا متسارعًا مع سعي الدول نحو مصادر موثوقة، منخفضة الانبعاثات، وميسورة الكلفة لتعزيز أمن الطاقة واستقرار الشبكات. ويوجد حاليًا خمسة مفاعلات نووية عاملة في المنطقة، منها أربعة في الإمارات جرى تشغيلها خلال السنوات الخمس الأخيرة.

وعند سؤاله عن الرسالة الرئيسة للتقرير، أوضح بيرول أن “الأولوية الأولى هي الاستعداد لنمو هائل في الطلب على الكهرباء، نتيجة الاحتياجات المتزايدة للتكييف وتحلية المياه”.

فاتح بيرول

وأضاف أن “النصيحة الثانية تتمثل في الاستفادة من موارد الغاز الطبيعي، مع دفع قوي نحو الطاقة الشمسية، فضلًا عن إدماج الطاقة النووية باعتبارها إضافة قيّمة لبقية المصادر”.

وختم بيرول بالتأكيد على أن الغاز الطبيعي والطاقة الشمسية والنووية ستظل ركائز نظام الكهرباء في المنطقة خلال السنوات القادمة.

وفي هذا السياق، فإن القرارات التي ستُتخذ في العقد الحاسم الحالي ستحدد ما إذا كانت المنطقة ستسير نحو استقلال اقتصادي وبيئي، أم ستجد نفسها أمام قيود إضافية تثقل كاهل الأجيال المقبلة. فالكهرباء لا تضيء المدن فقط، بل تكشف أيضًا عن الرؤية الذكية والعادلة للمستقبل.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading