د.منال خيري : الدبلوماسية الاقتصادية المصرية وتأثيرها على تمويل التنمية المستدامة
أستاذ مناهج الاقتصاد - جامعة حلوان
تتمثل الدبلوماسية بشكلها الشامل فى العملية التى تقيم من خلالها الدول علاقاتها الخارجية ، اذ انها وسيلة الحلفاء للتعاون ، واداة الخصوم لحل النزاع دون اللجوء الى القوة
وقد ظهر مفهوم الدبلوماسية الاقتصادية جليا عقب الحرب العالمية الثانية عندما اجتمعت العديد من الدول وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية لإدارة النظام الاقتصادي الدولي وأسفر هذا الاجتماع عن إنشاء صندوق النقد الدولى ، والبنك الدولى للإنشاء والتنمية وفي فترة لاحقة منظمة التجارة العالمية لتشكل المنظمات الثلاث مثلث إدارة النظام الاقتصادي العالمي
إنّ الدبلوماسية الاقتصادية تكمن أهميّتها في وقوفها على قضايا السياسة الاقتصادية، فمثلا الموفد الدبلوماسي في منظمات اقتصادية دولية كمنظمة التجارة العالمية يقوم بمراقبة وتقييم السياسات الاقتصادية في الدول الأجنبية ثم تقديم تقارير عنها إضافة إلى تقديم المشورة لدى الحكومة المحلية من أجل الحصول على كيفية التأثير عليها بشكل أفضل، ومن ثم فهي فنّ يتيح للدول تحقيق جملة من أهداف السياسة الخارجية من خلال العقوبات والمكافآت، وهذا ما يتم عن طريق الموارد الاقتصادية المتاحة في تلك الدولة
ولا شك بأننا في الوقت الراهن نلمس تركيز النظام الاقتصادي العالمي على الدبلوماسية الاقتصادية في العلاقات الدولية، على اعتبار أن هذه الأخيرة هي عملية التعاون مع الخارج في كل مجالات النشاط الاقتصادي مثل التجارة والاستثمار، عبر علاقات ثنائية ومتعددة الأطراف تنظم مسائل السياسة الاقتصادية والدفاع عن المصالح التجارية والاقتصادية للدولة
وتعرف الدبلوماسية الاقتصادية المصرية بأنها إستراتيجية تستخدمها مصر للتأثير على الدول الأخرى وتوجيه سلوكها السياسي والاقتصادي من خلال قوتها الاقتصادية.
تشمل هذه الاستراتيجية استخدام عدة أدوات مثل المساعدات الاقتصادية، والتجارة، والاستثمار، والعقوبات، لتعزيز مصالح مصر الاقتصادية والسياسية.
أهداف الدبلوماسية الاقتصادية
تختلف أهداف الدبلوماسية الاقتصادية من بلد لآخر فقد تكون اقتصادية او قد تكون سياسية أو قد تكون استراتيجية
إلا أنها جميعا تشترك فى العديد من النقاط وهى
– الترويج عبر سلكها الدبلوماسي وجذب الاستثمارات الاجنبية
– توفير قاعدة بيانات تجارية تستفيد منها جميع الأطراف
– توفير التقارير والدراسات الاقتصادية للبلد المستقبلة ورصد فرص الاستثمار الممكنة بين البلدين
– توفير الخدمات التي تسهل عمل الوفود التجارية قبل وأثناء وبعد عملية التفاوض
– تسهيل التواصل بين المستثمرين فى البلدين
– المساهمة في صياغة وإعداد وإبرام الاتفاقيات التجارية
– جذب الاستثمارات الاجنبية واكتشاف المزيد من فرص الاستثمار الاجنبي
أدوات الدبلوماسية الاقتصادية
– تعتبر التعريفات الجمركية Tariffs من أهم وأقدم الأدوات الاقتصادية، وتفرض التعريفات الجمركية لأهداف مختلفة، فقد تفرض كوسيلة للحصول على إيرادات ماليّة؛ إذ إنّ الدولة التي تعاني من مشاكل مالية تجد التعريفة وسيلة للحصول على إيرادات تساهم في دعم الميزانية العامة للدولة.
وقد تفرض التعريفة الجمركية كوسيلة لحماية المنتجات الوطنية، إذ إنّ فرض التعريفة الجمركية على السلع المستوردة سيزيد في سعرها ويحد من منافستها للمنتجات المحلية.
كما قد تفرض التعريفة الجمركية كوسيلة للانتقام ضد دولة؛ إذ إنّ فرض التعريفة الجمركية على الموادّ المستوردة من دولة معينة سيؤدي بطريقة غير مباشرة إلى الحدّ من الاستيراد منها ووضع العوائق أمام منتجاتها.
– ثمّ هناك القيود النقدية Currency Regulations وتعني تولي الحكومة بنفسها الإشراف على ما يصرف من نقد في الخارج سواء لشراء سلع أو خدمات أو للسياحة والاستثمار.
وحينما تمارس الحكومة إجراء القيد النقدي فهي تتولى بنفسها الإشراف على منح التراخيص الخاصّة بتحويل العملات للخارج وشراء العملات الصعبة مثل الدولار والجنيه الإسترليني.
والحكومات تلجأ عادة لفرض القيود النقدية لحماية ميزان مدفوعاتها، وهو البيان الإجمالي السنوي الذي يصوّر إيرادات الدولة من الخارج ومدفوعات الدولة إلى الخارج.
– وقد تستخدم الدولة الحظر الاقتصادي Embargo كأداة للسياسة الخارجية، والحظر يعني عدم تصدير سلعة معينة إلى دولة أو دول محددة لأسباب سياسية أو اقتصادية.
– وعلى خلاف الحظر قد يكون الإجراء الاقتصادي المتبع هو المقاطعة Boycott، والمقاطعة تعني رفض استيراد السلع التي تنتجها دولة أو شركة معينة.
وهي تفرض إمّا لاعتبارات اقتصادية أو سياسية لكنها كثيراً ما تفرض لاعتبارات سياسية مثل مقاطعة الدول العربية لإسرائيل والشركات الأجنبية التي تصنع فيها.
– كذلك يعتبر الاندماج الاقتصادي Economic Integration أداة من أدوات السياسة الخارجية؛ إذ إنّه عن طريق هذا الاندماج تحقق الدول بعض المكاسب الاقتصادية وتواجه به التحديات الاقتصادية التي ترفعها لها دول وتكتلات أجنبية.
كما أنّ الاندماج الاقتصادي قد يكون خطوة نحو اندماج سياسي كما كانت الفكرة عند قيام السوق الأوروبية المشتركة؛ إذ كان المؤسسون لها يتوقعون أن تؤدي الوحدة الاقتصادية إلى وحدة سياسية، لكنّ مبدأ السيادة القوميّة وتوسع دول السوق حال دون تحقيق هذه التوقعات وبقيت السوق مجرد وحدة اقتصادي.
– وقد تستخدم الدولة تجميد الأرصدة أو تأميمها كإجراء اقتصادي لتحقيق هدف سياسي، وهذا الأجراء يعني تجميد أو تأميم الأرصدة والموجودات لدولة أجنبية داخل إقليم الدولة التي تلجأ إلى مثل هذا الشكل من الإجراءات الاقتصادية.
والتجميد يعني عدم السماح لدولة أجنبية باستخدام أرصدتها وموجوداتها داخل إقليم الدولة التي اتخذت إجراء التجميد حتى تستجيب الدولة الأجنبية للمطالب السياسية أو الاقتصادية المطلوب منها، مثال لذلك تجميد أمريكا للأرصدة و الموجودات الإيرانية خلال أزمة الرهائن في السفارة الأمريكيّة في طهران عام 1979 م.
– وقد يكون الإجراء الاقتصاديّ المتبع هو تخفيض قيمة العملة المحلية، والتخفيض إجراء اقتصادي تلجأ إليه الدولة لتشجيع صادراتها إلى الدول؛ لأنّ التخفيض في قيمة العملة يؤدي إلى تقليل ثمن المنتجات المحلية في الخارج وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة الطلب عليها.
– وهناك أداة اقتصادية أكثر فعالية في الساحة الخارجية ونعني بها المساعدات الخارجية Foreign Aid، والمساعدات الخارجية أول من استخدمها الدول الغنية والقوية في المجتمع الدولي وبالذات الدول الغربية؛ إذ وجدت هذه الدول أنّ المساعدات الخارجية وسيلة فعالة لاحتواء المدّ الشيوعي وبسط النفوذ الغربي في الدول النامية، لكن منذ منتصف الستينات بدأت الدول النامية الغنية تستخدم المساعدات الخارجية كوسيلة لتحقيق أهداف خارجية مختلفة.
– أخيراً تلجأ، الدول ذات الموارد المالية المحدودة إلى المساعدات الفنية Technical Assistance كأداة للسياسة الخارجية؛ إذ تقوم الدولة المقدمة للمساعدات الفنية بتقديم الخبرات الفنية في مجالات فنية مختلفة مثل الزراعة، والصحة، والصناعة، والتعليم.
ونظراً لتوفر الخبرات والإمكانيات الفنية لدى إسرائيل ونتيجة لقلة مواردها المالية فهي كثيراً ما تلجأ إلى استخدام المساعدات الفنية كأداة لسياستها الخارجية خصوصاً في الدول الأفريقية ودول أمريكا اللاتينية.
تأثير الدبلوماسية الاقتصادية على التنمية
اولا : على المستوى الداخلى
– تحسين مستوى المعيشة
– زيادة مستويات الدخل القومي ومحاربة الفقر
– تحسين النمو الاجتماعى والثقافى
ثانيا:على المستوى الخارجى
– زيادة معدل نمو الصادرات
– جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة
– تحرير الاقتصاد الوطنى
– سد العجز فى النقد الأجنبى من خلال قروض ميسرة ومساعدات من المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولى
– تعزيز وتحسين العلاقات الاقتصادية الدولية
دور الدبلوماسية المصرية فى تعزيز تمويل التنمية المستدامة
تعزيزًا لمبادئ الشفافية والحوكمة، واستمرارًا للنهج الذي تتبعه الوزارة منذ عام 2020، أطلقت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، التقرير السنوي لعام 2024، وذلك للعام الخامس على التوالي؛ وجاء تقرير هذا العام بعنوان «استقرار الاقتصاد الكلي والإصلاحات الهيكلية والدبلوماسية الاقتصادية لدفع التنمية الاقتصادية المستدامة».
إطار الاستدامة والتمويل من أجل التنمية الاقتصادية
ويتضمن التقرير السنوي لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، خمسة أجزاء تتناول تفاصيل إطار عمل الوزارة، والمرحلة الجديدة عقب دمج الحقيبتين في الحكومة الجديدة، وجهود حوكمة الاستثمارات العامة، بينما يتناول الجزء الثاني، جهود توطين أهداف التنمية المستدامة، والتعاون الإقليمي واللجان المشتركة، والمشاركة في الفعاليات والمحافل الدولية، وفي الجزء الثالث يركز التقرير على ترسيخ استقرار الاقتصاد الكلي، وتنفيذ البرنامج الوطني للإصلاحات الهيكلية، بينما يسلط الجزء الرابع الضوء على جهود تمكين القطاع الخاص، وفي الجزء الأخير يتطرق التقرير إلى آليات دفع التحول إلى الاقتصاد الأخضر، والاستثمار في رأس المال البشري.
الدبلوماسية الاقتصادية والتمويل من أجل التنمية
وأكد التقرير أن عام ٢٠٢٤ كان شاهدًا على تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية والتمويل من أجل التنمية، حيث بلغت التمويلات التنموية الميسرة من الشركاء الدوليين نحو 9.6 مليار دولار، ولأول مرة تتجاوز التمويلات الموجهة للقطاع الخاص التي بلغت ٤.٢ مليار دولار، حجم التمويلات الحكومية التي بلغت ٣,٢ مليار دولار، من بينها 1.8 مليار دولار لدعم الموازنة و300 مليون دولار منحًا تنموية، إلى جانب التسهيلات الائتمانية لاستيراد السلع الاستراتيجية من المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة.
وإلى جانب ذلك شهد العام الماضي، ترسيخ مكانة مصر بين شركاء التنمية، والتواجد الفعال في المحافل الدولية، حيث يستعرض التقرير السنوي الزيارات الخارجية على مدار العام من بينها زيارة مقر المفوضية الأوروبية ببروكسل، والمشاركة في الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي، والمنتدى الاقتصادي العالمي “دافوس”، بالإضافة إلى الزيارات لشركاء التنمية الثنائيين مثل إيطاليا، واليابان، وكذلك اللجان المشتركة المتعددة التي تم عقدها.





